محسن الموسوي: مدننا التاريخية تنقرض في عصر الذكاء الاصطناعي … وواجهات الزجاج ترتفع – بقلم عبده وازن

محسن الموسوي: مدننا التاريخية تنقرض في عصر الذكاء الاصطناعي … وواجهات الزجاج ترتفع – بقلم عبده وازن

روايته “تخاطر” تدخل علام السرد البارابسيكولوجي

يدخل الناقد الأكاديمي والروائي العراقي المقيم في الولايات المتحدة محسن الموسوي عالماً غريباً في روايته الجديدة “تخاطر” (المركز الثقافي العربي، 2019)، وهو عالم البارابسيكولوجيا الروائي الذي يقارب السرد الغرائبي من دون ان يقع في متاهته. رواية غريبة في جوها الفريد، تدور أحداثها في أماكن واقعيّة وافتراضيّة في آن واحد، شخصياتها السويّة لا تتوانى عن عيش لحظات من التخاطر الذي يمنحها بعداً خارقاً ولكن ضمن التخوم الإنسانية. تطرح الرواية أسئلة وجوديّة ترتبط بمصير الإنسان والجماعة في زمن مأزوم على صعد عدة. وقد أفاد الموسوي من خبرته النقديّة وسعيه الدؤوب في قراءة المسكوت عنه في الأعمال الروائيّة القديمة مثل “الف ليلة وليلة”  التي كانت له فيها دراسات مهمة وجديدة باللغتين الانكليزيّة والعربيّة، والأعمال الحديثة بدءاً من نجيب محفوظ. هنا حوار مع الموسوي حول روايته والعالقة بين الناقد الأكاديمي والروائي اللذين يسكنانه.

* تحمل روايتك الجديدة عنوان “تخاطر” وهذا العنوان هو اسم المطعم الغريب المعالم الذي تنطلق وقائع الرواية منه: ماذا قصدتَ هنا بجعل كلمة “تخاطر” عنواناً للرواية وللمكان الروائي؟

–  يأتي اختيار العنوان عن وعيٍ بالتحوّلات الجديّة التي تختزل الأمكنة والأزمنة، وتضع الإنسان في محك الاختبار، هناك مكتسبات النقلة الرابعة والخامسة في علوم الحاسبات والشبكة العنكبوتية والتواصل. ونحن أيضاً على وشك الإيغال في عالم الذكاء الاصطناعي إيغالاً تاماً، هنا، وعند هذا المحكّ تبدو طرائق السرد التقليديّ واختيارات الأمكنة والشخوص متخلّفة عن عصر من المفاجآت، ولهذا جئت إلى “تخاطر”، مكاناً يمكن أن يكون ويحضر كثيراً في الحاضر والمستقبل، حيث تتعرّض المدن التاريخية للانقراض المبرمج وتحلّ بديلاً منها، مدن “الميغامول”، بواجهات زجاجية وعلب تعرض الإنسان سلعة وفرجة، وتفقده تدريجاً إرادة القرار. هذه التحوّلات الخطيرة تحتّم اختيارات أخرى، وعنوان “تخاطر” لا يصافح هذا التحوّل ولكنه يعرضه كما هو، وعلى رغم جاذبيته وسحره وصدقية أغلب ما يجري ويقال فيه، لكنه يثير الريبة والتساؤل. إنّ مثل هذا الاختيار يكتسب صدقية لما فيه من ملامسة للواقع وحياة البارات، لكنه يحتال على القارئ الذي يودّ أن يضع مكاناً ما على مشارف بغداد أو موسكو، وغيرهما من المدن .أمّا لماذا المفردة، فلأنّ لذلك قصة، فغالباً ما يجلس الفنان أو الأديب في مكان، ويجد ذهنه يلج ذهناً آخر، ولعلّ ذلك محض خيال، لكنّ احتمالات التقاطعِ موجودة. وكثيراً ما ترى الناس يحدّقون فيك، أو يتأمّلون ما أنت فاعل، وهذه هي محال التقاطعِ واللقاء. وأتذكّر أنني جلست في مطعم أرتاده في نيويورك كثيراً، وخُيّل إليّ أن أحد الجلساء في الزاوية البعيدةِ ينظر بإمعان كمن غلب عليه الظنّ أنه يعرفني، فالناس تتخاطر حتى في ساعاتِ الغفلة.

* تذكِّر كلمة “تخاطر” بما يسمى أدباً فانتاستيكياً، كما نظّر له بروب وتودوروف وسواهما، لكنك لا تمضي كثيراً في النزعةِ الفانتاستيكيةِ بل لعلك تضع حدوداً عبر ما تسميه بارابسيكولوجيا لها، ساعياً إلى خلقِ تجربتك الخاصةِ في هذا الحقل. ماذا عن هذه النزعةِ الفانتاستيكية – البارابسيكولوجية في روايتك؟ وإلى أين أردتَ الوصولَ من خلالها؟

– كان تودوروف يطوّر ما فعله بروب والشكلانيّون، وهو يبحث في العامل السرديّ وإشكاليات الحكاية، وعندما جاء إلى “ألف ليلة وليلة” ليبصر العجائبيّ، وجد أن حضور الفاعل (العجيب والغريب والمدهش) له ملامسات للواقع، أي قلّما يأتي الجنّ أو العفريت أو يتحرّك الباب السريّ أو تتفكّك شفرات الطلاسم، من دون مفاعلة بشريّة من نوعٍ معين. ونحن نفاجأ الآن بفضاء يستخدمه البشر بإدمان ويتحوّلون فيه إلى مستهلكين يكثرون من الاستخدام من دون تساؤل في حدود ما يجري، لم تعد الحدود المرسومة جغرافياً، قاطعة، في ظلّ الثورة المعلوماتيّة والفضاء الافتراضيّ، ترى هل يتحقّق ما كان الحكواتيّ يتخيّله؟ هل أن فضاء الافتراض يتجاوز ذلك بكثير؟ عندما دخلت “ألف ليلة وليلة” والحكايات الشرقية المثيّلة، جرت المقاربات مع ما تعدّ منجزات تقنيةً جديدة في أوروبا: الطباعة، والمكائن، والقطارات والاتصالات الهاتفية. لكن، هذا العصر تخطى ذلك كثيراً، وحان أن تمنح “فانتاسيا” الحكاية جرعة أخرى تقدمها علوم التخاطر وعلم النفس. وكانت الواقعيّة الإشتراكية تعارض انهماكات من هذا النوع خشية أن تدخل الوهن في الفرضية التي يقوم عليها البناء الاشتراكيّ بشأن الشغيلة ووسائل الإنتاج وأنماطه، لكن العلماء انشغلوا بذلك ووجدوا في مجاراة ما يجري في أميركا تبريراً لمساعيهم. الباراسيكولوجيا من علوم الساعة، وله حضوره وشأنه ليعزز من العجائبي وليبرّر إمكان حضور الغريب والمريب والمدهش والعجيب.

* كمون، هو اسم الرواي، الذي يتولّى السردَ وإلى جانبه صديقه أو شريكهُ في المطعم جعفر، وأمامه شخصياتٌ تدخل وتجلس في جوّ غامضٍ يذكّر ببعضِ أجواء إدغار ألن بو القصصيّة، وأحياناً بمناخ بول أوستر في بعض رواياته: كيف بنيتَ شحصياتِ الرواية؟ من هو كمون “المتخاطر”؟ من هم هؤلاء الأشخاص الذين يعبرون روايتك؟

–  وقعتُ على اسم كمون مصادفة، كان الحفيد أحمد لم يبلغ الرابعة بعد، وسعى إلى أن يصفّف حروف اسمه بالإنكليزية، لكنه وضعها من اليمينِ إلى اليسار، فكان الاسم: دمحأ بدل أحمد، عندما ناديته بذلك الاسم وقع عليّ كمون في مسلسلات الأطفال، ورأيت فيه ما أريد، لما له من دلالة ومعنى وعمقٍ. كمون، يحضر في المأكولاتِ والأغاني وله سنده المعجميّ، كما أنه غنيّ بدلالة التلغيز والالتفاف والمخاتلة. إنه اسم يليق بهذا المنجز العصريّ على مشارف هيمنة الذكاء الإصطناعيّ، ولهذا جرى وضع الاسم لبلوغ سرّانية المكان وتمرّده على الحدود الجغرافية وتخطّيه المساحات في عوالم افتراضية. وبحضور الآخرين من أمثال جعفَ تجري المقابلة وعملية التوازي السرديّ بما يتيح للقارئ أن يطمئنّ إلى واقعٍ محتمل، لكنه لا يتطابق كلياً مع ما يألفه في حياته. إن شحنة الغموض والارتياب والمفاجأة التي جعلت أسماء بعض الكتاب راسخة في الذهنِ هي شحنة مدروسة لا إسراف فيها ولا مبالغة لأنها تراهن على “حقنة” الغريب والغامض والعجيب في ما يبدو يومياً وعادياً. بعض الذين يحضرون في الرواية تمّ استدعاؤهم من بين معارفي، وكل واحد يمتلك رصيده الواقعيّ، لكنه بحاجة إلى شحنة سحرية تحرّرّ الإنسان مما هو عليه، فيحضر وقد تألّق حيوية وحبوراً، وكلما تمكّن الروائيّ من تحريِ الإنسان من قيوده، ومنحه طاقة غريبة بدا مثيراً للإعجاب. هكذا هو جليل فودكا!

* يحتلّ الحضور الروسي مكانة في الرواية، سواء من خلال العالِم في البارابسيكولوجيا فاسييليف والمستشرق كراتشكوفسكي، أو من خلال الشعر الروسيّ عبر أسماء بارزة مثل بوشكين ويفتيشينكو وأنّا أخماتوفا وباسترناك… ماذا قصدتَ في إحضارك هذا البعدَ الروسيّ في روايتك؟ لماذا روسيا؟ هل لأن الرواي درس في موسكو؟

–  انشغلت الرواية العربيّة طيلة النهضة وما تلاها باللقاء بأوروبا: هكذا كان طه حسين، والمازني، ويحيى حقي، وذوالنون أيوب، وتوفيق الحكيم، وسهيل إدريس، وعشرات من أبرز الروائيين والكتاب. لم تحضر روسيا إلّا قليلاً في مذكرات ميخائيل نعيمة وقصائد مجموعة من الشعراء، وبقيت هذه المشكلة حتى أيام الإفادة من الاتحاد السوفياتيّ. المثقف العربيّ مأخوذ بأوروبا، ولهذا أهتمّ بدراسة الاستشراق الأوروبيّ وأهمل الاستشراق الروسيّ، الذي كان غنياً وعميقاً وجاداً. لهذا أسباب عديدة: فالاستعمار الفرنسيّ- الإنجليزيّ حتّم لغتين في الدراسة داخل المنطقة العربيّة، قادتاها إلى لندن وباريس أولاً. يختلف الأمر عند المهجريين، لكن المشكلة هي ذاتها: اللغة هي طريق المثقف ونافذته نحو الآخر، نحو لندن وباريس. وبقيت روسيا وحتى ألمانيا وجنوب وجنوب شرقيّ آسيا وأفريقيا وحتى أميركا اللاتينية غائبة نسبياً في ثقافتنا.

لم يكن عدد خريجيّ الاتحاد السوفياتيّ قليلاً، لكن الحواجَ السياسية داخل البلاد العربيّة والخوف من الحضور “الأحمر”، وما وجدته الحرب الباردة من ممنوعات جعلت تلك المساحةَ غائبة، ومعها غابت منجزات خطيرة على صعد النقد واللسانيات والعلوم النفسية والاجتماعية والعلوم الصرفة. ولهذا تجيء “تخاطر” إلى هذه المساحة الغائبة لتسكنها من خلال هذه العلومِ والأسماء العظيمة للعلماء والمستشرقين الروس والشعراء الكبار. كان يحيى حقي يشير إلى تيار الواقعيّة الذي جاء مع الكتّاب الروس، لكن هذا الخيط لم يتابع، وبقيت الأواصر المقطوعة هي البارزة في هذا المجال، هل يعقل أن يغيب باختين وكتابه “شعريةُ دستويفسكي”، إلى حين أن طلبتُ من الدكتور جميل نصيف التكريتي ثم من الدكتورة حياة شرارة ترجمةَ بعض الآثار المهمة من خلال دار الشؤون الثقافيّة.

جعلتُ الراوي يدرس في موسكو بحيث لا يكون حضوره الأسود مبعث بغضاء عنصرية لو جعلته في باريس ولندن وأميركا. لم يشعر بـعنصرية ما في ظل الإشتراكية، ولهذا بدا متفرغاً للمعرفة، وهذا ما كنت أريده. هل يعني ذلك حرمان القارئ من بعد آخر في الشخصية؟ لا، كنت أريد لهذه الشخصية أن تشغل ذهن القارئ بالتقسيط حتى إذا ما انتهى وجدها شخصية واقعيّة، وشخصية فضاء متخيّل أو افتراضيّ، إنها هذه المحصلة التي تحدونا إلى تأمل الجديد الذي نحن على مشارفه أو في حضرته.

هنا تبتعد الرواية عن قصد ومن دون إعلانات وشروح فلسفية وتعليقات عن التيار السائد في الكتابة ما بعد محفوظ، الذي كتبت عنه في كتابي الصادرعن الهيئة المصريةِ العامة للكتاب “انفراط العقد المقدس: الرواية العربيّة بعد محفوظ”؛ وكذلك الكتاب الذي أنا بصدد نشره الآن عن رواية العقود الأخيرة. على الرواية أن تأتي إلى القارئ وكأنها واحدة من قصائد كيتس وبايرون وبودلير ووليم بتلر ييتس و”لارا” البياتي و “مهيار” أدونيس و”ماريسا” حميد سعيد. لم تعد الرواية استعراضاً للرأي ولا حتى المشاركة غير المقدسة في الواقع القبيح، عليها أن تأخذ من الشعر وتتحرّر منه، ومن الواقع، لتتمرّد عليه.

* وفي مقابل الشعراء الروس يحضر أبو نواس وابن المعتز والبحتري… كيف توصّلت إلى هذه المعادلة الغريبة؟

 –  إن عالمنا اليوم متقاطع متداخل، وكذلك الذهن. ترى من هو بيننا الذي لا تزدوج في ذهنه المسميات والأسماء؟ إن العالم يتدفّق عبر الشبكات المختلفة ليحتلّ الذهن الإنساني المغلوب لا الغالب، ويجد الكاتب نفسه/نفسها أمام اختيارات محدودة: الانهماك في جانب أم مصافحة أكثر من جانب للتنبيه إلى ما يحضر ويغيب. في يوم ما كنت أحضر قراءات شعرية للشاعر الأميركي الراحل روبرت كريلي، وسألني بعدها إن كنت قد قرأت كتاب هنري كوربان عن “التخييل العقلي عند ابن عربي”، لم أقرأ الكتاب في حينه. أتمنى أن يتعامل المثقف غير العربي مع الثقافة العربيّة كما تعامل معها كريلي.

*  أنت ناقد وأكاديمي ورئيس قسم الحضارة والأدب العربيين في جامعة كولومبيا، وعملت طويلاً على “ألف ليلة وليلة”، وخرجت بخلاصات جديدة ومتميزة في ما يخصّ لعبة السرد وأبعاد القصّ وفلسفة التخييل… لكنك في الحين نفسه روائي وباتت لك أعمال معروفة وذائعة: أين يلتقي في شخصيتك الناقد والروائي وكيف؟ كيف يستطيع ناقد أكاديمي أن يكون روائياً ولنا هنا أمثال عدة في مقدمها أمبرتو إيكو؟

–  هذا سؤال وجيه، لأن الدارس والناقد يمتلكان عدة مختلفة ولغات أخرى، تستدعي تعالياً عقلانياً منظماً للأفكار وأساليب النقاش، لكني كنت أجد أحياناً شيئاً ما يخترقني كفكرة جادة آسرة، أو صورة ما واضطر إلى الانزواء والابتعاد عن طرائق التفكير التي هي من متطلبات الدرس والنقد والإدارة، وتتسلّل عند هذه اللحظة شخصية أخرى تداعب شخوصها وتتخيّلها، وتبتسم لها وتقهقه أو تغضب قليلاً. هذا عالم آخر يأخذك بعيداً وتأخذه قريباً ولا تتخلى عنه إلا عندما تشعر بالإكتفاء، فتركُنه جانباً لتعود إليه كل يوم استزادة أو حذفاً أو تنقيحاً.

 * هل يستطيع الناقد المتخصّص أن يتعامل مع إبداعه الروائي بعين الناقد المجردة؟ هل يستطيع أن يضع روايته على طاولة التشريح والتفكيك وينفصل عنها؟

–  نعم. ها أنت تقرأ ما كتبته عن “تخاطر” في الأسئلة السابقة، يمكن أن أنظر إلى الرواية وأقرأها بعين أخرى، وأتمنى على القارئ أن يكون قادراً هو الآخر على مثل هذه القراءة التي ينبغي أن تربك توقعاته وعوالم افتراضاته عن الفن الروائي. لكن الروائي ليس في معرض التشكيك في ما كتب، لأن الرواية هي حلقة في مشاريع سردية تتشكّل ضمن مساره الكتابي، الدراسي، النقدي، الإبداعي.

 * تعقد جامعة كولومبيا مؤتمراً أدبياً حول الأدب العربي برئاستك وإدارتك. ماذا عن هذا المؤتمر وأبعاده؟

– المؤتمر الذي نعقده عن “التحوّل الثقافي في الإنتاج الأدبي العربي”، هو ثمرة مجهودات نهضنا بها قبل سنوات لإعادة ترتيب حضور الثقافة العربيّة في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، فمثل هذه المؤتمرات التي يحضرها دارسون مرموقون تريد أن تصنع الثقافة العربيّة على خريطة الدرس والدراسة.وهذا الانهماك الذي يشارك فيه أساتذة أجلاء يساعد كثيراً في هذا المسار، وكلما تعززت المحاولة وتوطدت، نكون قد دفعنا العلاقة بين الثقافة العربيّة والثقافات الأخرى إلى الأمام، وإذا كان المهجريّون قد قدموا كثيراً على صعد اللغة والشعر ومقاربة الشعر والنثر، وقام إدوارد سعيد بإثارة أسئلة حول تصور الغرب للشرق، فإن هذه المؤتمرات، وهذا هو سادسها، تجري مراجعة شاملة للعلاقات الثقافيّة من خلال أمثلة واستطلاعات ومن ثم استنتاجات. وأعتقد أن هذا المؤتمر الذي تشارك فيه عشرات الأوراق الدراسية والنقدية، هو إحدى العتبات المهمة التي تفتح طريقاً لعلاقة  أوسع بالتيارات الثقافيّة السائدة.

www.independentarabia.com

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
Close Menu