المخرجة مارجان ساترابي رحلت باكرا في منفاها القسري

مارجان ساترابي، النسوية الثائرة، صاحبة فيلم “برسيبوليس”، التي استطاعت أن تحول السيرة الذاتية إلى شهادة تاريخية، وجعلت من المنفى والاقتلاع مادة فنية تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة. جام غضبها لم تصبه فقط على من حولها لاجئة في الغرب، بل على من حضنها أيضاً، إذ إنها رفضت العام الماضي “وسام جوقة الشرف” الذي منحتها إياه الدولة الفرنسية، بسبب ما سمته بـ”النفاق الفرنسي ازاء إيران”، خصوصاً في ما يتعلق باستخراج التأشيرات.

هذا كله جعل منها أيقونة من أيقونات الحرية في هذا العصر، وقد تصدر خبر رحيلها المؤلم صفحات الصحف العالمية، في حين قررت “ليبراسيون” الفرنسية عنونة صفحتها الأولى بـ”ألف حياة وحياة لمارجان ساترابي”، في إشارة إلى تجربة حياتية عاشتها الفرنكو إيرانية على أوسع نطاق.

لم تكن ساترابي رسامة ومخرجة إيرانية معارضة للنظام الإسلامي فحسب، وإنما حكاءة امتلكت القدرة على تحويل الذاكرة الفردية إلى تجربة إنسانية كونية، وعلى توليد الفكاهة من قلب المأساة، والحميمية من صلب الأحداث الكبرى التي هزت بلادها مع وصول الثورة الإسلامية في أواخر السبعينيات. وها هي ترحل في أحلك مرحلة يمر بها وطنها الأم، وقبل أن ترى الانهيار الكامل للنظام الذي جثم كالكابوس على صدرها. 

نشأت ساترابي في أسرة تنتمي إلى طبقة مثقفة ومنفتحة، إذ حمل عدد من أفرادها إرثاً سياسياً معارضاً دفع بعضهم أثماناً باهظة في السجون والمعتقلات، في هذا المناخ تشكل وعيها المبكر على أسئلة الحرية والعدالة. حين جاءت الثورة الإسلامية عام 1979 كانت لا تزال طفلة في العاشرة، لكنها وجدت نفسها شاهدة على التحولات الجذرية التي أصابت المجتمع الإيراني، من سقوط نظام الشاه إلى صعود الخميني وما رافقه من تشدد اجتماعي وسياسي، ثم اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية وما خلفته من خسائر ومآسٍ.

هذه التجربة المبكرة ستصبح لاحقاً المادة الأساسية لأهم أعمالها: “برسيبوليس” (2007) التي تشاركت إخراجه مع الفرنسي فنسان بارونو، فالرواية المصورة التي صدرت في أربعة أجزاء مطلع الألفية الجديدة تعتبر إعادة كتابة لمرحلة كاملة من التاريخ الإيراني من منظور طفلة تنشأ وسط العنف والرقابة والخوف، ومن خلال خطوطها السوداء والبيضاء البسيطة، ابتكرت لغة بصرية مكثفة، تجمع بين البراءة والمرارة، الطرافة والحزن.

لم يقدم الفيلم إيران باعتبارها “قضية سياسية”، وإنما مجتمع حي مليء بالتناقضات والبشر والأحلام الصغيرة. كانت البطلة التي تمثل ساترابي طفلة تحلم بأن تصبح نبية تنقذ العالم، قبل أن تجد نفسها محاصرة بقوانين جديدة تراقب الملبس والسلوك والتفاصيل اليومية، ومع تقدم الأحداث تتحول الحكاية إلى قصة عن النضج والمنفى والبحث عن الهوية، بقدر ما هي شهادة على التحولات السياسية.

حين أرسلها والداها إلى فيينا وهي في الـ14، تلقت هذا الانتقال الجغرافي كبداية اقتلاع وجودي طويل. في أوروبا (عاشت في فرنسا بدءاً من عام 1994)، خاضت ما يمكن وصفه بثورتها الثانية: ثورة المراهقة والوحدة والبحث عن الذات في مجتمع غريب. ومن هذه التجربة تحديداً استمد “برسيبوليس” أحد أعمق أبعاده، فالفيلم والقصة يتحدثان عن الاستبداد بقدر ما يتناولان الشعور الدائم بعدم الانتماء الذي يرافق المنفي أينما ذهب.

وقد أدركت ساترابي مبكراً أن قوة العمل تكمن في نبرته العالمية، لذلك رفضت تحويله إلى فيلم روائي تقليدي يؤدي أدواره ممثلون، مفضلة لغة التحريك التي تسمح للمشاهد بالتماهي مع الشخصيات بعيداً من الانتماءات القومية والدينية. وهكذا جاء الفيلم امتداداً عضوياً للرواية المصورة، محافظاً على روحها البصرية وعلى اقتصادها التعبيري القائم على الأبيض والأسود. كرس الفيلم ساترابي كسينمائية حقيقية وهي في منتصف الثلاثينيات، بعدما حقق نجاحاً عالمياً واسعاً، وحصد جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان، ورشح لـ”الأوسكار”، وأصبح أحد أهم أفلام التحريك السياسية في القرن الـ21، على غرار “فالس مع بشير” و”الموت غير موجود”. كسرت ساترابي صورتين نمطيتين في آن: الصورة التي رسمها النظام الإيراني عن نفسه، وتلك التي رسمها الغرب عن الإيرانيين.

إذا كان “برسيبوليس” هو العمل الذي صنع اسمها عالمياً، فإن “دجاج بالبرقوق” (إخراج مشترك مع فنسان بارونو) الذي عرض عام 2011، هو الفيلم الذي أدخلها في السينما ذات المشاهد الحية، ففي هذا العمل المقتبس أيضاً من إحدى رواياتها المصورة، تتراجع السياسة إلى الخلفية لتحل محلها تأملات في الحب والذاكرة والموت والزمن الضائع. تدور الأحداث في طهران أواخر خمسينيات القرن الماضي حول الموسيقي ناصر علي خان (ماتيو أمالريك)، الذي يفقد رغبته في الحياة بعد تحطم آلة الكمان التي تشكل جوهر وجوده، لكن الكمان ليس سوى مدخل إلى جرح أعمق يتعلق بحب ضائع وحياة لم تتحقق كما أراد صاحبها.
independentarabia