كذاكرة حيّة تقاوم النسيان وتعيد وصل الإنسان بجوهر المعرفة، يظلّ الكتاب الورقي محتفظاً بسحره القديم، في مشهد ثقافي تتسارع عبره الشاشات وتتنافس المنصات على خطف انتباه القارئ، بينما تزدهي مهرجانات توقيع الكتب في الإمارات وسط رائحة الورق، وأحاديث الأدباء، وأسئلة القرّاء، كاشفة عن جانب ثقافي آخر ينبض بالود والإنسانية.
عادل خزام موقّعاً أحد إصداراته
وخلال احتفال سنوي بطله الكاتب الإماراتي، كان لـ«البيان» لقاءات مع نخبة من المبدعين في مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية الذين اجتمعوا تحت سقف واحد، لا لتوقيع الكتب فحسب، بل لاستعادة دفء اللقاء.
وتجديد الإيمان بقيمة الكلمة وقدرتها على صناعة الجمال والحوار والوعي، مبرهنين على أن الكتاب، برغم كل التحولات الرقمية، ما زال قادراً على إشعال الشغف وخلق حياة كاملة من المعنى.
تكريم واحتفاء
وفي هذا السياق، أكد الكاتب الروائي علي أبو الريش أن الاحتفاء بالمبدعين وتكريمهم في المحافل الثقافية يمثل في جوهره تكريماً للكتاب ذاته، واحتفاءً بالإنسان وقيمة الثقافة عموماً، مشيراً إلى أن الجهات الراعية لهذه الفعاليات ليست بغريبة عن إطلاق وتبنّي مثل هذه المشروعات الثقافية الرائدة والمهمة التي تسهم في إثراء المشهد الإبداعي.
ولفت أبو الريش، الذي وقَّع روايته «بعض إنسان يبحث عن المعنى» خلال الفعالية الحاشدة، إلى الأبعاد الإنسانية والاجتماعية التي تتيحها هذه الملتقيات، مبيناً أن الحضور تلك المبادرات يمنح فرصة استثنائية لترسيخ التواصل الإنساني، والالتقاء بنخب ووجوه غابت عن الأنظار زمناً بعيداً.
وشدد على أن هذه الميزة الاستثنائية تنبع من قيمة الكتاب نفسه وما يمثله من رمزية للحب والسلام، مؤكداً أن هذا العشق المشترك للقراءة والمعرفة هو المحرك الأساسي الذي يجعل الجمهور والمثقفين شغوفين دائماً بالحضور والمشاركة في مثل هذه المحافل الثقافية الحيوية.
قيمة إبداعية
وأعربت الكاتبة الروائية فتحية النمر عن سعادتها البالغة بالمشاركة في فعاليات «يوم الكاتب الإماراتي»، مؤكدة القيمة الإبداعية والثقافية الكبيرة التي يمثلها هذا الحدث في مسيرة المبدعين المحليين.
وأوضحت النمر أنها تشارك في هذا المحفل لتوقيع أحدث رواياتها الصادرة تحت عنوان «سلالة»، مشيرة إلى أن العمل الروائي الجديد يمثل رحلة عودة إلى الماضي السحيق، وتحديداً إلى زمن الأجداد، حيث يسلّط الضوء على تفاصيل حياتهم القديمة وما واجهوه من تحديات وصعوبات، إلى جانب رصد الموروثات الفلكلورية والخرافات الشعبية التي كانت سائدة آنذاك.
وأشادت بمبادرة مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، واصفة خطوتها بـ«اللفتة الرائعة والذكية»، ومؤكدة أن هذا التنظيم يتيح فرصة استثنائية لجمع عدد كبير من الكُتّاب والكاتبات تحت سقف واحد وفي رواق يتسم بالجمالية والعمق الثقافي، وأن هذه الخطوة تسهم في تيسير اقتناء الكتب وتجاوز عقبة الارتفاع المحتمل لأسعار الإصدارات، ما يمكّن القراء من الحصول على عناوين متنوعة بيسر.
واختتمت حديثها بـتأكيد الأهمية البالغة لمثل هذه الاحتفالات والملتقيات، مشددةً على أنه لم يعد كافياً أن يقتصر دور الكاتب على عملية الكتابة والنشر، أو أن يقرأ الجمهور العمل بمعزل عن مبدعه.
وأن خلق مساحة مباشرة تلتقي فيها أطراف العملية الإبداعية يعد أمراً حيوياً لا غنى عنه، لما يوفره من قنوات للحوار المباشر، وتبادل الآراء والاستفسارات، وتلقّي القراء المباشر لانطباعاتهم حول المؤلفات السابقة والحالية، ما يثري الحراك الثقافي في الإمارات.
تجمع سنوي
وأعرب الفنان التشكيلي جاسم ربيع العوضي عن فخره واعتزازه بالمشاركة في التجمع السنوي للمؤلفين، واصفاً الحدث بأنه «فرحة ومهرجان ثقافي» يجمع كوكبة من المبدعين والمثقفين من الشباب والشابات، ومؤكداً أن مثل هذه اللقاءات باتت من المبادرات القيّمة في ظل الهيمنة المتسارعة للعصر الرقمي.
ولفت العوضي إلى القيمة الثابتة والدائمة للكتاب المطبوع، مشيراً إلى أن المعلومة الورقية تتميز بالأصالة والاستمرارية، وتشكّل جزءاً لا يتجزأ من الـ«دي إن إيه المعرفي» للإنسان المثقف عموماً، والعربي على وجه الخصوص، موضحاً أن الملمس الواقعي للكتاب ورائحة الحبر على الورق يمنحان القراءة بُعداً حيوياً لا يمكن للوسائط الإلكترونية تعويضه.
وكشف الفنان التشكيلي العوضي عن تفاصيل مؤلفه الجديد المشارك في المعرض، موضحاً أنه عبارة عن سجلّ بصري ومقتطفات توثق مسيرته الفنية الحافلة في مجال التصوير الفوتوغرافي التي تمتد 40 عاماً،.
حيث يضم الكتاب مجموعة مختارة من الصور التي تؤرخ للفترة الممتدة من ثمانينيات القرن الماضي حتى عام 2014، معلناً في الوقت ذاته أن هذا الإصدار يمثل خطوته الأولى، وستتبعه مؤلفات وكتب جديدة في المستقبل القريب.
وحول التحديات التي تفرضها الحياة الرقمية الجديدة، أشار العوضي إلى أن المسؤولية تقع على عاتق الجيل الأول من المثقفين والأكاديميين لتبسيط الأفكار وتوجيه جيل الشباب نحو إدراك القيمة الحقيقية للكتاب، مؤكداً أن الهدف الأسمى يتجلى في تحقيق التطور الثقافي المجتمعي، ومعرباً عن أمله في أن يظل الكتاب الورقي ركيزة أساسية حاضرة في كل بيت.
رونق خاص
وأعربت الشاعرة والكاتبة فاطمة المعمري عن سعادتها البالغة بالمشاركة في حفل توقيع الكتب الذي نظمته مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية تزامناً مع الاحتفاء بـ«يوم الكاتب الإماراتي»، حيث شاركت بتوقيع إصدارها الجديد، وهو ديوان شعري يحمل عنوان «شبه جاهز».
وأكدت المعمري أن الفعاليات الخاصة بتوقيع الكتب ما زالت تحافظ على رونقها الخاص وقيمتها الثقافية والفكرية العميقين؛ نظراً لما تتيحه من فرص حقيقية للتلاقي الإيجابي.
مشيرةً إلى أن مثل هذه المحافل تشكّل جسراً يجمع بين مختلف الأدباء والكتّاب من جهة، وبينهم وبين القراء والشغوفين بالمطالعة من جهة أخرى، فضلاً عن دورها في ربط المنتج الأدبي بالفئات المستهدفة منه بشكل مباشر.
وأوضحت أن هذه اللقاءات الثقافية تُعد بيئة خصبة لولادة أفكار ورؤى إبداعية جديدة، حيث تسهم في فتح نقاشات جادة حول عناوين ودراسات لم تُطرح من قبل، وتسلط الضوء على المتطلبات الفعلية والآنية التي تحتاج إليها الساحة الثقافية والأدبية.
مشددةً على المكانة الوجدانية للكتاب الورقي الذي لا يزال يحتفظ ببريق ورونق خاص وقيمة استثنائية لا تنطفئ، إذ إن تفاعل القارئ المادي مع الورق والمطالعة التقليدية يمنحانه متعة فريدة ومساحة رحبة من الخيال، وهي قيمة راسخة وثابتة قادرة على البقاء والصمود على مر الزمن.