الشاعر الحقيقي لا يعزل صوته عن أصوات الشعراء الأسلاف – بقلم عواد علي

عواد علي
 قصائد جعفر العلاق تمثل في رأي الناقد إبراهيم خليل، نماذج للشعر الذي يرتقي به الشاعر عن عدمية التوجهات الحداثوية، وإفلاس بعض الأصوات الجديدة التي تنقصها التجارب.

لكل شاعر طريقه وتجربته التي يخوضها فردا أعزل إلا من لغته وأفكاره وثقافته، لكن أغلب الشعراء لهم آباء شعريون، بهم يتأثرون، لكن هناك من يخرج من جبة أبيه ويخط تجربته الخاصة وهناك من يبقى تحتها مرددا لما سبق، وهذا ما يرفضه الشاعر العراقي علي جعفر العلاق.

 

يدرس الناقد والأكاديمي الأردني إبراهيم خليل في كتابه “علي جعفر العلاق: شعرية الحداثة وحداثة الشعر”، التجربة الشعرية والنقدية للشاعر العراقي علي جعفر العلاق في ثمانية فصول، تحمل عناوين “تقاسيم على ناي جريح”، “الحلم، المطر، الأسطورة”، “فاعلية التوتر في بناء القصيدة”، “نداء لبدايات وترويض النمرة”، “وطن يتهجى المطر”، “الشعر المقاوم”، “الرؤية الكونية والإحساس بالنغم في قصيدة (عاشقان)”، و“الشاعر ناقدا: شعرية الحداثة وحداثة الشعر”.

الأسلاف الشعريون

يشير المؤلف، في البداية، إلى حرص الشاعر علي جعفر العلاق على التحرر من أي أثر، أو تأثير، قد يتركه الشعراء الكبار في شعره. ومع أنه قرأ بإعجاب شعر السياب، والبياتي، وجبرا، وأدونيس، فإن هاجسه، على الدوام، هو ألا يقع تحت تأثير أي من هؤلاء الشعراء. وقد ألح على هذا في كتاب له بعنوان “قبيلة من الأنهار”، مؤكدا أن الشاعر الحقيقي هو الذي يحرص على عدم الانفصال عن التراث الشعري، وألا يكون صوته منعزلا عن صوت الأسلاف، وفي الوقت نفسه، ينبغي أن يكون له صوته الخاص.

وتبعا لذلك، اجتازت شاعرية العلاق جل المنعرجات، دون أن تغلب عليها شعرية أي من كبار الشعراء، فمن الشعر الشعبي، إلى شعر الشطرين، ثم إلى قصيدة التفعيلة، وأخيرا قصيدة النَثر، التي تلتزم التزاما شديدا بالقوانين الحرفية للشعر، لأن تغييب هاتيك القوانين عن القصيدة يجعل منها حديثا “سائبا” يفتقر إلى براهينَ نصية ملموسة، وهذا للأسف ما هو شائع الآن.

وعن ديوانه “طائر يتعثر بالضوء”، يؤكد المؤلف أن العلاق عكف فيه على نسقه الشعري، مطورا ما كان قد لجأ إليه في ديوان “نداء البدايات” من محاولات مبتكرة باستخدام جزأين إيقاعيين مختلفين معا في قصيدة مدورة تبدو، في الظاهر، من شعر التفعيلة الواحدة. ففي دواوينه “سألتها أن تقود الليل من يده”، و“ذئاب الحديقة”، و“مَرة قلت للعذاب” وغيرها يستأنف ما نجح فيه من تطويع البحر الشعري لهذا النوع من الشعر المنتظم الوزن، مراوحا بين تفعيلات البسيط، والخفيف، والمتدارك. وذلك ينم على قلق يعيش فيه، ومعه، فهاجسه التنويع في موسيقى القصيدة، والالتفات إلى التجارب الرائدة، التي تكسر الطابع الرتيب لقصيدة التفعيلة، أو القصيدة الحرة، وقد نجح في ما أخفق فيه آخرون.

ومما استوقف المؤلف في هذا الكتاب، الصادر مؤخرا عن دار هبة للنشر والتوزيع بعمان، إلحاح الشاعر اللافت على الأحلام، وتكراره لمفردة الحلم، وما يتصرف منها من ألفاظ، فهي بلا مبالغة القاسم المشترك الأكبر، والأكثر تواترا في جل قصائده، ففي واحدة منها بعنوان “حلم بين ذئبين” يبوح الشاعر بلسان المتكلم، الذي ينتظر مترقبا عودة عشتار من العالم الآخر، تلك التي يصاحب عودتها رجوع الخصب، والانبعاث إلى الأرض، بعد أن خيّم عليها الجفاف واليباس، فبعد ذلك الانتظار ملحوفا بالتعب المالح، والمجاذيف المنقوعة في السهر، تعود عشتار و”ها هي الآنَ/ تفصل عن حبة الضوء قشرتها/ ثم تصغي لأهداب منزلها/ إنهن الأميرات/ يفردن أجنحة وأراجيح لينة/ ويعِدن الحنين إلى أوله”. وهذه رؤيا شعرية يندغم فيها صوت الشاعر العلاق بصوت المتكلم في القصيدة.

مهر البراري

في رأي المؤلف أن الدارس لشعر العلاق لا يتجاوز الحقائق، إذ إن كل ما يصدر عن الشاعر، في هذه القصائد، إنما هو تعبير، بصورة من الصور، عن صوت العلاق نفسه. لا بصفته عراقيا مغتربا منفيا فحسب، بل بصفته شاعرا محترفا، لا هاويا كغيره ممن يملؤون بهذيهم صفحات الجرائد والمجلات، وإنما هو مبدع يحسن التموضع داخل النص، وليس التمظهر، فلا يبدو للقارئ أنه في مواجهة مباشرة مع صاحب القصيدة. وهذه مزية لا تتحقق إلا لدى المتمكنين من الشعراء الذين قبضوا بأصابعهم على ناصية الشعر.

ويُعد التوتر، كما يقول المؤلف، السمة اللافتة للنظر في دواوين العلاق الأخيرة، فلا تكاد تخلو قصيدة من هذا البناء القائم على وجود قطبين في النص، أحدهما يشدها في الاتجاه الذي يشدها فيه الآخر لاتجاه عكسي. وهذا التوتر هو الذي يحيل القصيدة إلى بناء درامي يقوم على صراع تتجاذبه قوتان، كلما اشتد هذا التجاذب ازدادت قدرة القصيدة على التأثير النابع من قوة انفعالية، ووجدانية، كبيرة. ففي قصيدة له بعنوان “يرفو ثياب قصيدته” يجد القارئ نفسه أمام نموذج لم يكفه ما خصته به الأيام من قسوة الفقر، وضراوة الجوع. وإنما يقع أيضا ضحية الاستعصاء الفني، فهو يخاتل القصيدة، التي تتأبى الإذعان، ليجمع أطرافها من فضاءات بعيدة وقصية، ومن آلام المعذبين المهمشين، ومن شقوق الأساطير، ونعاس الحجارة.

التوتر يعد السمة اللافتة للنظر في دواوين العلاق الأخيرة، فلا تكاد تخلو قصيدة من وجود قطبين يتنازعانها

إن ما يضفي التوتر على هذه الشاعرية، حسبما يرى المؤلف، أن القصيدة لا تذعن، فهي كالفرس الشموس، أو كمهر البراري الذي لا يسلس قياده، فهو يقتلع رموزه، وصوره، اقتلاعا من صخر اللغة، ليغدو في نهاية الأمر كمن يحاول أن يرتق ثوب القصيدة، وأن يملس ثقوب النص، تحت قبس ساطع من أضواء المعاني الذي يتبدى عن طريق الصور التي تشف عن حقيقة العالم الممزق المنشطر، والمفتت، والمليء إلى حافته بالدمار والموت، والشمس الفجة، والقمر اليابس والأطلال المدمرة، والملائكة المتخمين، والفقراء المهمشين المسحوقين، زيادة على اللغة التي تخبئ خلف ملفوظها الشعري ما يضمره المتكلم من شعور بالخوف والرعب والغثيان مما يحيط بنا. كل ذلك واضح على الرغم من الغموض الذي تنطبع به العبارة التي تقوم على المجاز حينا، وعلى الرمز حينا، وعلى الظلال التي توحي وتومئ أكثر مما تصرح.

وتبعا لذلك تمثل قصائد العلاق هذه، في رأي المؤلف، نماذج للشعر الذي يرتقي به الشاعر عن عدمية التوجهات الحداثوية، وعدمية قصيدة النثر، وإفلاس بعض الأصوات الجديدة التي تعوزها الأصالة، وتنقصها التجارب.