المسرح الإماراتي.. تراكم معرفي وإبداع يواجه رهانات الزمن

في مشهد يتجدد على خشبات مسارح الإمارات، لا يبدو الحراك الإبداعي مجرد تتابع للعروض، بل ملامح مشروع يبحث عن اكتماله.

فبين خبرات الرواد التي أرست القواعد الأولى، واندفاع المواهب الشابة التي تعيد اكتشاف اللغة المسرحية، تتشكل معادلة دقيقة لا يكفيها الشغف وحده، ولا تسندها التجربة بمعزل عن التأهيل.

هنا، تبرز الحاجة إلى ما هو أبعد من التلاقي العفوي بين الأجيال؛ إلى منظومة واعية تحول التراكم إلى معرفة، والموهبة إلى أداة، والفكرة إلى فعل مسرحي نابض بالحياة.

وفي قلب هذا المشهد، تتقاطع أسئلة التطوير مع رهانات الاستدامة: كيف يمكن للمسرح الإماراتي أن يصوغ مستقبله على أسس منهجية تضمن انسياب الخبرة، وعمق الرؤية، ونضج الأداء؟ سؤال لا يخص فرداً بعينه، بل يعكس وعياً متنامياً بأن ازدهار المسرح مرهون بقدرته على بناء جسور متينة بين الفكر والممارسة، وبين الأجيال، ليبقى فناً حياً قادراً على ملامسة الإنسان والتعبير عن تحولات واقعه.

 

وفي هذا السياق، أكد الفنان المسرحي الإماراتي عمر غباش، لـ«البيان»: أن الاندماج بين الأجيال في المشهد المسرحي الإماراتي واقع ملموس ومستمر، مشيراً إلى أن الفرق المسرحية الحالية تضم مزيجاً غنياً يجمع بين رواد المسرح والشباب الموهوبين الذين خاضوا تجارب إبداعية واعدة، ما خلق حالة من التمازج الحيوي بين جيل التأسيس والأجيال الصاعدة.

وفي سياق حديثه عن كيفية تطوير هذا الفضاء المسرحي وضمان انسيابية نقل الخبرات، أوضح غباش أن هذه العملية تتطلب أدوات مؤسسية ومنهجية، تتجاوز مجرد العمل المشترك، مشيراً إلى أن تأسيس معهد حقيقي ومتخصص للفنون المسرحية هو الخطوة الجوهرية لتحويل الخبرات التراكمية إلى حركة فاعلة ومستدامة.

وشدد على ضرورة أن يكون هذا المعهد أكاديمياً بامتياز، بحيث يشرف عليه أكاديميون متخصصون من العالم العربي، لضمان مواءمة المناهج مع الهوية والبيئة المسرحية المحلية، مع الانفتاح على الخبرات الأجنبية كعنصر إضافي لا أساسي، وتدريس المناهج والمدارس المسرحية المختلفة، وفنون الأداء.

شراكة إبداعية
وأكد المخرج المسرحي الإماراتي مرتضى جمعة أن خشبة المسرح قادرة على التحول من مجرد فضاء جامد للعرض إلى جسر حي تنتقل عبره الخبرات بين الأجيال عندما تتجاوز العلاقة بين الرواد والشباب إطار التكريم الرمزي، لتتحول إلى شراكة إبداعية فعلية داخل العمل الفني نفسه، موضحاً ضرورة أن يكون الرواد جزءاً أصيلاً من عملية التكوين الفني، حيث يشاركون بخبراتهم العميقة في البروفات وصناعة القرار المسرحي.

ولفت جمعة إلى أهمية تمكين الشباب ومنح المبدعين منهم مساحة كافية للتجريب والتعبير، وتقديم رؤيتهم الخاصة التي تعكس طموحات جيلهم، مؤكداً أن الخبرة في هذا النموذج لا تظل إرثاً محفوظاً، بل تصبح ممارسة يومية حية تنتقل من جيل إلى آخر.

واختتم المخرج مرتضى جمعة حديثه بالتأكيد أن هذا الاندماج ينتج عملاً مسرحياً يحمل ذاكرة الماضي وجرأة الحاضر، وهو ما يضمن بالضرورة استدامة الإبداع في المشهد المسرحي الإماراتي وتطوره المستمر.

من جانبها، أكدت المخرجة المسرحية إلهام محمد أن الرحلة الإبداعية لأي عمل مسرحي تبدأ من النص، لكنها لا تكتمل إلا من خلال استيعاب الفكرة وتحويلها إلى قضية ملموسة.

وأوضحت إلهام، في معرض حديثها عن فلسفتها الإخراجية، أن المخرج يبحث دائماً في جوهر النص عن القضية التي يطرحها، سواء أكانت حالة اجتماعية عامة أم موضوعاً يمس الذات الإنسانية بشكل مباشر، مشيرة إلى أن الإبداع الحقيقي لا يولد إلا حين يتبنى المخرج الفكرة وتصبح جزءاً لا يتجزأ من كيانه.

وأشارت إلى أن عملية التبني هذه هي المحرك الأساسي الذي ينقل العمل إلى خشبة المسرح بسلاسة، حيث تمنح المخرج القدرة على رسم الرؤية الفنية بدقة، وخلق تناغم عميق وعلاقة مترابطة بين أداء الممثل وعناصر السينوغرافيا، من إضاءة وملابس وديكور.

وأكد الكاتب المسرحي أحمد الماجد أن مفتاح نجاح الفنان المسرحي في السيطرة على فضاء الخشبة يكمن في التجربة المستمرة والعمل الدؤوب على الذات، مشدداً على أن الثقافة الشخصية للممثل هي المرتكز الأول لتطوير أدائه.

وأوضح الماجد، في معرض حديثه عن التحديات التي تواجه الممثلين، أن بعض العروض تظهر عجزاً لدى المؤدين في التعامل مع الفضاء المسرحي وتوظيفه، مشيراً إلى أن هذا القصور يعود بالأساس إلى نقص الوعي أو غياب الرغبة الحقيقية في إثبات الوجود على خشبة المسرح.

وفي سياق متصل، أشار إلى أنه لا توجد صيغة سحرية أو حلول جاهزة يمكن تقديمها للممثل ليصبح محترفاً بين ليلة وضحاها، بل إن الأمر يتطلب اشتغالاً ذاتياً على الأدوات الفنية.