تظاهرة فرنسية تضم ندوات وأمسيات ينظمها شريف مجدلاني ويشارك فيها أدونيس
تحتفي “لقاءات شامينادور” الأدبية في مدينة غيريه الفرنسية، في دورتها الحادية والعشرين بالشاعرين الفلسطيني محمود درويش والروماني الألماني بول تسيلان، وتقام حولهما ندوات وأمسيات، ينظمها ويشرف عليها الروائي اللبناني الفرنكوفوني شريف مجدلاني. وعلى الرغم من اختلاف السياقين التاريخيَّين والثقافيَّين اللذين ينتمي إليهما الشاعران، تسعى التظاهرة التي تستمر حتى اليوم، إلى الكشف عن المساحات العميقة التي تجمع بينهما، ولا سيما تجربة الاقتلاع والمنفى، والبحث عن الوطن، وعلاقة اللغة بالذاكرة، ومواجهة عنف التاريخ بالشعر.
يشارك في التظاهرة، على مدى ثلاثة أيام، عدد من الشعراء والروائيين والمترجمين والباحثين، من بينهم أدونيس، إلياس صنبر، سيلفي جيرمان، رينيه دو سيكاتي، مارتن روف، كريم قطّان، إيمانويل موزيس، أناماريا بيانكو، ألبير ديشي وسواهم.
أما المحاضرة الافتتاحية فكتبها وألقاها الروائي والأكاديمي شريف مجدلاني، حول العلاقة بين درويش وتسيلان.
ليس من السهل المقارنة بين شاعرين، يختلف أحدهما عن الآخر اختلافاً عميقاً، سواء في اللغة أو الأسلوب، أو في الرؤية إلى العالم أو في الهوية الذاتية والجماعية الشخصية والجماعية. لعل هذا الاختلاف هو ما أدركه الروائي والأكاديمي اللبناني الفرنكوفوني، شريف مجدلاني، قبل أن يُكب على كتابة دراسته العميقة والشاملة التي قارن فيها بين محمود درويش وبول سيلان، فالشاعران هذان يفصل بينهما في رأيه كل شيء تقريباً: العمر، والعصر، والجغرافيا، واللغة، فضلاً عن السدم الأيديولوجية التي تثبتهما في “معابد” متقابلة.
قد يبدو شعر محمود درويش في حال من النقيض مع شعر بول تسيلان، غير أن بينهما أيضاً ما لا يحصى من وجوه التقارب، وهذا هو ما سعى مجدلاني إلى التركيز عليه والانطلاق منه، وعلى خلاف ما يدعو إليه الأدب المقارن عادة، بدا الناقد يتلمس المعنى هنا في مقاربة ما يبدو مختلفاً إلى حد استحالة التوفيق بين طرفيه.
سيرة الشاعرين
ولا بد هنا من أن يبحث مجدلاني في سيرة الشاعرين، وما يسميه الجزئيات السيرية المحضة، ولا بد من معرفتها لشدة تداخل تجربتي تسيلان ودرويش مع حياتيهما، فتسيلان ولد عام 1920 في بوكوفينا، المنطقة الواقعة في أوروبا الشرقية، التي كانت يوماً جزءاً من الإمبراطورية النمسوية المجرية ثم صارت رومانية، وبسبب انتماء الأسرة إلى الإمبراطورية السابقة، كانت الألمانية لغتها المفترضة. تعلم بول تسيلان الرومانية بطبيعة الحال، وتعلم العبرية بشيء من الإكراه من أبيه، ثم انتهى إلى تركها. وهو كان مناهضاً للفاشية وذا ميول يسارية، وسافر إلى باريس وبرلين للدراسة، ووصل إلى برلين عشية “ليلة البلور”.
ويتوقف مجدلاني عند انتقال مدينة تسيلان الأم تشيرنوفيتس، ابتداءً من عام 1940، من احتلال إلى آخر، السوفياتي ثم الألماني، وقد تخللتهما مرحلة فاشية رومانية، وكان هذا كله،، كارثياً على اليهود الكثيرين في المنطقة. وفي عام 1942 رحل والداه، فمات أبوه بالتيفوس، وأعدمت أمه برصاصة في الرأس. وكانت هذان الموتان، بلا شك، بمثابة المأساة المطلقة في حياة تسيلان، إذ امتزج فيها الألم بالشعور بالذنب. وفي عام 1944 أطلق سراحه من معسكرات العمل، وكان لا يزال يدعى بول أنتشل، فعاد إلى تشيرنوفيتس قبل أن يغادرها نهائياً عام 1945. فقادته رحلة التيه إلى بوخارست، حيث بدأت مسيرته الشعرية، ثم إلى فيينا التي دخلها خلسة عام 1946، وهناك التقى الشاعرة الألمانية إنغبورغ باخمان، التي ستظل حبه الأكبر.
ثم انتهى به المطاف إلى باريس عام 1948، فظل فيها حتى وفاته، والتقى فيها زوجته المقبلة جولي ليسترونغ، وعانى فيباريس محنة الاتهامات الكاذبة بالسرقة الأدبية، في سياق حملة بشعة دبرتها أرملة أحد أصدقائه الشعراء. وخلال تلك الأعوام كتب وترجم كثيراً، وحظي تدريجاً باعتراف أقرانه، ثم بالاعتراف الألماني الذي ظل مشوباً بالريبة، لكنه منح واحدة من أرفع جوائزها، جائزة بوشنر، التي كان لها أن تذيقه أيضاً خيبات قاسية، ولا سيما في صلته بفيلسوفين كان معجباً بهما، هايدغر وأدورنو. تخللت حياة تسيلان كذلك نوبات اكتئاب عنيفة وعلاجات في مستشفيات الأمراض النفسانية، وفي أبريل (نيسان) عام 1970 انتحر ملقياً بنفسه من جسر ميرابو، ولم يعثر على جثمانه إلا بعد أيام.
ملامح من حياة درويش
ثم يتطرق شريف مجدلاني في دراسته الموجهة أصلاً إلى قراء فرنسيين وفرنكوفونيين، إلى سيرة محمود درويش، الذي ولد عام 1941 في قرية البروة في الجليل. وكان في السابعة من عمره عام 1948 حين طردت الميليشيات اليهودية أسرته من قريتها وأرضها، فلجأت إلى لبنان. وبعد عام عاد مع أبيه خلسة إلى فلسطين التي كانت قد أصبحت إسرائيل. كانت قريته قد دمرت، وكان يجري الإعداد لإقامة كيبوتس محلها. عاش مع أبيه متخفياً في القرى المجاورة، ثم في حيفا، حيث نشأ وكتب نصوصه الأولى التي سرعان ما أكسبته شهرة في العالم العربي.
وفي تلك المرحلة عرف قصة حب جمعته مع فتاة يهودية إسرائيلية تدعى تامار بن عامي وكتب لها قصيدة أولى بعنوان “ريتا والبندقية”، بعدما سماها “ريتا”، ثم قصائد أخرى لاحقاً. ويواصل مجدلاني سرد التفاصيل التي تكتنف سيرة محمود درويش المعروفة، مثل انتمائه إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وهو يومئذ الحزب اليهودي العربي الوحيد في إسرائيل، ففرضت عليه الإقامة الجبرية، ولوحق وسجن مراراً، إلى أن اضطر أخيراً إلى مغادرة إسرائيل.
ويتطرق إلى سفره إلى القاهرة مطلع عام 1971، ثم انتقاله إلى بيروت عام 1973، ومغادرته إياها عام 1982، عقب حصار الإسرائيليين لبيروت، مع مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية، وتوجه إلى تونس ثم إلى باريس، وبعد 15 عاماً إضافية من التيه، عاد إلى رام الله في الضفة الغربية، عقب إعلان الدولة الفلسطينية عام 1996، وتوفي عام 2008 في الولايات المتحدة، حيث كان قد ذهب للعلاج من مرضه.
يرى مجدلاني أن لا شيء في تفاصيل هاتين الحياتين يقرب الشاعرين، أحدهما من الآخر في المعنى المادي للكلمة، فلا أمر يتطابق حقاً، ولا فرصة للقاء فعلي ذي دلالة. واللحظة الوحيدة التي كان فيها الرجلان متقاربين في المكان والزمان هي زيارة تسيلان القصيرة إلى إسرائيل عام 1969، ولا سيما إلى القدس، غير أن درويش كان حينها في حيفا، وقد خرج لتوه من السجن، على ما اعتاده.
ويتناول مجدلاني بالعرض والتأمل بعض مصادفات التواريخ بين الشاعرين، ففي أواخر عام 1947 غادر تسيلان رومانيا نهائياً، قبل أشهر قليلة من مغادرة الطفل درويش ووالديه قريتهم في الجليل إلى غير رجعة، وعام 1970 انتحر تسيلان ملقياً نفسه في نهر السين، وفي الوقت نفسه تقريباً أبعد درويش عن إسرائيل ولجأ إلى القاهرة، حيث بدأ منفاه النهائي.
منحنى الوجود
لكن هذا ليس بالغ الأهمية ولا شديد الدلالة، برأي مجدلاني، فإذا تم تتبع ما يشبه منحنى الوجود، أو حركة الحياة، وفحص خبرة الرجلين بالعالم وعنف التاريخ والحب والمنفى، يظهر بوضوح أنهما عاشا عدداً هائلاً من التجارب المتشابهة، وإن اختلفت الأمكنة والأزمنة والشخصيات والبيئات.
وفي رأي مجدلاني أن أول أوجه الشبه هو جغرافي، ولد تسيلان عام 1920 في بوكوفينا، التي كانت نمسوية مجرية ثم صارت رومانية، وولد درويش عام 1941 في مدينة الجليل، التي كانت عثمانية ثم صارت تحت الانتداب البريطاني. والقاسم المشترك أن أرض مولد كل منهما كانت جزءاً من إمبراطورية متعددة الأعراق، وملتقى شعوب ومعتقدات ولغات، وهو ما كان، على نحو ما، سبب شقائهما، مثلما أسهم في أن يجعلهما الكائنين الاستثنائيين اللذين كاناهما، فقد سكن بوكوفينا رومانيون وأوكرانيون ومجريون ويهود وغجر، وتكلم أهلها الرومانية والألمانية والمجرية والعبرية واليديشية، وسكن فلسطين مسلمون ومسيحيون ويهود وأرمن وشركس وأوروبيون، وتكلم أهلها العربية والعبرية والأرمنية والإنجليزية.
أما وجه الشبه الثاني، ولعله الأهم برأي مجدلاني، فهو أن كليهما وسم بكارثة أصلية: ترحيل والدي تسيلان وموتهما العنيف، ولا سيما أمه، وزوال أرض درويش الأم وأرض أجداده بفعل الاستلاب العنيف. وإذا عرفنا مقدار اقتران الأرض في شعر درويش ومخياله بصورة الأم، ومقدار حضور صورة الأم في شعر تسيلان بوصفها رمزاً لمصير يهود أوروبا، أدركنا شدة التقارب بينهما في الإحساس بالفقد والانفعالات الناجمة عنه.
ويرى مجدلاني أن هذه المأساة الأولى أفضت إلى ما سيجمع الشاعرين أيضاً ويلازمهما: المنفى والتيه. من الواضح أن المسارات المادية لا تقرب بينهما جغرافياً، فهما لم يلتقيا في مكان، ولم يوجدا في المحل نفسه في أي وقت، ما عدا إقامة تسيلان القصيرة في إسرائيل، لكن رسم مسار تيه كل منهما، واستعادة دوافعه ومنعطفاته وذهابه وإيابه، لتبدى أن الحركتين تتبعان المنحنى ذاته. تبدأ كل منهما بترك قسري للمدينة أو القرية الأم، تشيرنوفيتس والبروة، ثم عودة قصيرة لاكتشاف أن شيئاً مما كان لم يعد حياً. وبعد ذلك يتخذ التيه صورة انتقال من مدينة إلى أخرى: بوخارست وفيينا وباريس عند تسيلان، وحيفا والقاهرة وبيروت وباريس عند درويش.
المنفى الداخلي
ويرى مجدلاني أن في مدن الملاذ هذه، لكل منهما مدينة المنفى الداخلي: بوخارست وحيفا، ثم محطة تلي خروجاً سرياً في مدينة قريبة منه لغوياً: فيينا، وهي المدينة الوحيدة الناطقة بالألمانية التي أقام فيها تسيلان، والقاهرة التي كتب درويش أنه سعيد فيها لأنه في مدينة يستطيع المرء أن يغتسل في اللغة العربية، ثم أخيراً بلوغ الملجأ في المدينة الحلم: باريس عند تسيلان، وبيروت ثم باريس عند درويش.
ويرى مجدلاني أن ثمة تجربة أخرى من طبيعة واحدة، في هاتين السيرتين المتوازيتين، بين أحداث حياتي الشاعرين المضطربتين، تركت فيهما أثراً عميقاً، وهي تجربة الحب، ففي عام 1947 التقى بول تسيلان الشاعرة إنغبورغ باخمان ووقع في حبها، وظل على اتصال بها دائماً وأهدى إليها عدداً من قصائده، وفي عام 1965 التقى محمود درويش في حيفا راقصة إسرائيلية يهودية شابة تدعى تمار بن عامي، فأحبها حباً جارفاً، وظهرت كثيراً في شعره باسم ريتا، وصارت علاقة درويش وتمار من أشهر قصص الحب وأكثرها رمزية، وغدا الاثنان أحد أشهر ثنائيات الأدب العربي الحديث.
ويرى مجدلاني أن لا غرابة في ذلك من جهة المبدأ، لولا أن هاتين العلاقتين، من بين علاقاتهما العاطفية الكثيرة، كانتا الأشد أثراً في حياة تسيلان ودرويش. أكان ذلك محض مصادفة، أم عائداً تحديداً إلى طبيعة العلاقتين، أو إلى ما يمكن تسميته طابعهما المناقض للمألوف؟ لا يمكن الجزم، لكن الواضح أن الرجلين أحبا امرأتين تنتميان إلى معسكر من تسببوا في شقائهما. كان والد إنغبورغ باخمان عضواً في الحزب النازي، والتحقت تمار بن عامي، ريتا، بالجيش الإسرائيلي إبان حرب الأيام الستة. ولا شك في أن سؤال العلاقة العاطفية المعقدة والخطرة ترك أثره في الرجلين، وأصبح جزءاً من إرثهما المشترك، وإن لم تنتسب باخمان يوماً إلى النازية، في حين اضطر درويش إلى إنهاء حب عاصف بسبب خيارات حبيبته، مع أن تمار بن عامي ظلت طوال حياتها متمسكة بفكرة المصالحة الفلسطينية – الإسرائيلية.
سؤال الهوية
يتوقف شريف مجدلاني عن قضية وجودية وكيانية هي قضية الهوية، ينطلق من سؤال: “في خضم هذا الإعصار الكبير من العنف المحتمل والمنفى والتيه، كيف تتحدد هوية الفرد؟ وإلى من، وإلى ماذا، وإلى أي مكان ينتمي؟”، وفي رأيه أن هذا السؤال، يقع بداهة، في صميم شعر الشاعرين وأعمالهما وحياتيهما.
وفي رأي مجدلاني أن الأجوبة تبدو واضحة لدى درويش: الشاعر فلسطيني، ينتمي إلى أرض خضعت لسيطرة الآخر، وإلى موطن محلي مسلوب، لكن النقصان والاستلاب لا يحولان دون تشبث الإنسان بأصوله. يغني الشاعر هذه الأصول، ولا سيما هذا الموطن المفقود، ويروي المنفى في الداخل والخارج، لكنه يقول أيضاً ما يجعل مطالبته بالهوية والانتماء أكثر تعقيداً مما قد نتصور، ففي قصيدة شهيرة عنوانها مألوف لدى الفلسطينيين كما لدى جميع الناطقين بالعربية، يكتب درويش مخاطباً سجانه الإسرائيلي لحظة اعتقاله واستجوابه: “سجل! أنا عربي”.
في هذا القول يرى مجدلاني أن ثمة مطالبة وتحدياً واستفزازاً موجهاً إلى إسرائيلي يهودي ينتمي إلى دولة قامت على اليهودية بوصفها كياناً قومياً، فاستبعدت بذلك ما ليس منها، أي الجماعة الأخرى التي تعيش على الأرض نفسها: الفلسطينيين. وبعبارة أخرى، وكما يلمح درويش في كثير من أقواله، فإن ما يقاومه هو المطالبة القومية الإسرائيلية، أو الصهيونية، القائمة على عدم الاعتراف بالشطر الآخر من سكان فلسطين.
ومن ثم يرى مجدلاني أن إعلان درويش هويته الفلسطينية هو إعلان لهوية مكتملة ومتعددة الوجوه قبل كل شيء. وقد عبر عن ذلك، ضمن ما عبر، في هذه الكلمات البديعة: “الفلسطيني الجدير بهذا الاسم ينبغي أن يغتني بجميع الثقافات التي أسهمت في تكوينه: ثقافات بلاد الرافدين واليونان وفارس والعثمانيين، والثقافات اليهودية والمسيحية والإسلامية، وحدها الهويات المتعددة جميلة. ومن حسن الحظ أن ينتمي المرء إلى بلد روته ثقافات شديدة القدم، خلفت جميعها آثارها فيه، وغالباً ما كانت ثقافات المحتل، لكنها أصبحت اليوم جزءاً مني. وإذا كنت أقاوم الصهيونية بوصفها أيديولوجيا وواقعاً سياسياً، فلأنها تمثل عندي نزعة إقصائية. ولا أريد ولا أستطيع أن أواجهها بإقصائية عربية مضادة، بل بتقاسم التنوع”.
فلسطين طريقة وجود
كثيراً ما كانت فلسطين ضرباً من الاستعارة، استعارة لمقاومة المظالم كلها، والاستعمار والقمع، غير أن “الفلسطينية”، يقول مجدلاني “إن جاز لي القول، هي أيضاً عند درويش طريقة في الوجود قوامها الانفتاح على الآخر واستقباله في الذات”.
ويميل مجدلاني إلى الاعتقاد بأن هذا الإصرار على عدم الانتساب إلى أي انتماء جماعي ضيق، وهذه المطالبة بهوية متعددة، كانا وسيلة لمقاومة إلزامه بهوية يهودية كان التاريخ ونظر الآخرين والأحداث، تعيده إليها على نحو لا فكاك منه. ويمكن القول، على غرار مارك بلوخ، إن تسيلان لم يكن يعلن يهوديته إلا في وجه معادي السامية، ومع ذلك، فإن قصائده مشبعة بالإحالات إلى الفكر اليهودي ونصوصه المقدسة، فقد شغف بالتصوف والفلسفة اليهوديين، مع بقائه لا أدرياً راسخاً، وخاض نقاشات طويلة مع شاعرات وشعراء ومحاورين يهود أشد تجذراً منه في يهودية الإيمان والثقافة.
لكن شغفه الشخصي بتلك اليهودية كان، باعتقاد مجدلاني، تعبيراً عن الوفاء والتضامن، لا مع اليهود عامة بقدر ما هو مع ضحايا المأساة المروعة التي كانتها المحرقة، وهي المأساة التي ترتبط بها صورة أمه حتماً، وباسم هؤلاء الضحايا كان شديد القسوة والسخرية تجاه إله الكتاب المقدس.
يهودية تسيلان
وبعبارة أخرى كانت يهودية تسيلان أبعد ما تكون عن الإقليمية أو المطالبة القومية، أما زيارته القصيرة إلى إسرائيل فكانت في المقام الأول فرحة لقاء ماضيه وطفولته من جديد عبر أقاربه وأصدقائه القدامى اللاجئين إلى فلسطين. صحيح أنه تبنى أحياناً، في بعض رسائله، النظرة الإسرائيلية إلى الواقع، كأن يبدي فخره بأن اليهود، ويقول “نحن”، زرعوا كل ذلك الاخضرار في فلسطين، كما لو أن فلاحي فلسطين طوال مئات السنين لم يعرفوا كيف يغرسون شجرة واحدة، لكنه قال بعد عودته، وقد غادر إسرائيل قبل الموعد المقرر، إن القدس ظلت عنده موضوع سعي شبيه بما كانت عليه قبل أن يزور المدينة الحقيقية، وفي ذلك دليل على تعلقه بالطابع الرمزي أو الصوفي أكثر من الواقعي، للمدينة ولفكرة إسرائيل نفسها.
ويقول مجدلاني إن هذه اليهودية غير الإقليمية وغير القومية كذلك تفسر اهتمامه العميق بقراءة مارتن بوبر وغرشوم شولم ومجالستهما، فقد كان لفكر “الأنا والأنت” لدى بوبر، ولفلسفة الانفتاح على الآخر، تأثير كبير فيه، وجذبه بوبر وشولم بتصورهما لصهيونية بلا قومية، ولدولة ثنائية القومية في فلسطين، بل ربما لفلسطين يكون اليهود فيها مكوناً إثنياً من مكونات دولة علمانية متعددة الأعراق.
وفي المحصلة يرى مجدلاني أن تكون يهودياً على طريقة تسيلان يعني أن تختبر الألم والإقصاء والعنف، وهذه التجربة ليست وقفاً على أحد، فالهوية التي تفهم على هذا النحو لا بد من أن تكون هوية مفتوحة، ويغدو “يهودياً” كل من عاش هذه التجارب، أو عاش متعاطفاً ومتضامناً مع كل من يقاسي الوحشية والظلم والإقصاء.
اللغة والشعر
ينتقل شريف مجدلاني في نصه النقدي الشامل إلى “اللغة والشعر”، وينطلق من الصفتين، الفلسطينية واليهودية كصورتين على الآخر وقبوله في الذات، ويقول “هذه هي الفرضية التي أجرؤ على طرحها هنا، في هذه الأزمنة القاتمة، التي صار فيها الانكفاء والانغلاق ونبذ الآخر عملة رائجة، ولعل من غير المستغرب أن يوحي إلينا بهذه الفرضية شاعران”.
غير أن الشاعرين برأيه يصوغان هذه الفلسطينية وهذه اليهودية على نحو آخر أيضاً، من خلال “سرد” مصير يهود أوروبا ومصير الفلسطينيين. إنهما مصيران جمعيان مأسويان على السواء، أفضيا إلى شعور بالهزيمة والخذلان أمام عنف التاريخ، وفي نصوصهما يتكلم تسيلان ودرويش كل عن نفسه وباسمه، ولكن مع وعي واضح دائماً بأن مصيره لا ينفصل عن مصير الجماعة. ويمنح هذا العملين نبرة لا نظير لها، تتأرجح باستمرار لدى كل منهما بين “الأنا”، التي تأتي عند تسيلان أحياناً في صيغة “الأنت” وبين “النحن”.
لكن موضوع المصير الفردي والجمعي والنبرة العامة التي يعبر بها عنه، يرى مجدلاني أنهما ليسا نقطتي المشاركة الوحيدتين بين تجربتين تختلفان كثيراً في الشكل والكيفية، فكلاهما يطرح السؤال الجوهري عن اللغة، ولا سيما عن فاعلية اللغة الشعرية في سياقهما المأسوي، وشعرهما كثيراً ما يكون تأملياً، يفكر في معنى الفعل الشعري، بل في قيمته أكثر من ذلك.
رماد الماضي
يتساءل درويش عن إمكان أن تحل اللغة محل الأرض الضائعة، وأن تحمل ما تجسده تلك الأرض، ويتساءل تسيلان عن إمكان أن تظهر أحياناً، وأن تتلألأ، شذرات ثمينة في قلب لغة ترى “رماداً” في ما تبقى من الماضي. وتجمع بينهما أيضاً مسألة لغة الكتابة، كان درويش يكتب بالعربية، أي بلغته الأم بالمعنى المتبادر، لغة الأسرة والبيئة الاجتماعية والثقافية، وحاملة الهوية الثقافية والفردية، وكان تسيلان يكتب هو أيضاً بلغته الأم، لكن ليس بهذا المعنى المألوف، فهو روماني ولم يكن ألمانياً قط. كان يكتب بلغته الأم بالمعنى الحرفي، لغة أمه، تلك التي نقلتها إليه، أو في الأقل اللغة التي اختارتها لغة لقلبها، وإن كانت الأسرة ناطقة بالألمانية على أي حال.
ويرى مجدلاني أن تسيلان كتب فعلاً شعراً بالرومانية قبل أن يعود إلى الألمانية، فهل كان ذلك اختياراً حقاً، أم أنه لم يكن مرتاحاً في الواقع إلا في الألمانية؟ وإذا كان قد اختار بالفعل، فلماذا اختار الألمانية التي كانت آنذاك لغة الأعداء؟ أكان ذلك وفاءً لذكرى أمه، ومن ثم محاولة لإعادة الاعتبار إلى الألمانية كما عاشتها هي، في ضرب من التكريم لذاكرتها؟ يكون تسيلان، والحال هذه، قد كتب بلغة أمه ضد اللغة الألمانية التي هبت فيها ريح النازية المشؤومة.
وهذا، في نظر مجدلاني، أجمل الاحتمالات، فإذا كان تسيلان قد كلف نفسه بهذه المهمة حقاً، فقد فرض عليها رسالة رهيبة وصراعاً بالغ القسوة. غير أن هذا أيضاً هو سر فرادة شعره المذهلة، وهو ما يجعله يجسد بأشد الصور سطوعاً تعريف الكتابة نفسها، كل كتابة، ولا سيما الكتابة الشعرية. فالمرء لا يكتب أبداً بلغة “معطاة”، أي موهوبة ومقدمة كعطية طبيعية.
ويرى مجدلاني أن النقاد تحدثوا عن “لسان تسيلاني”، أي لغة شعرية تفكك الألمانية نحوياً ودلالياً، وتلهو بكلماتها، وتستخرج تاريخها من أصواتها، وتستعين بالإحالات الاشتقاقية لإضاءة دلالات غير مسبوقة. إنها معركة ضارية، ويتفق مترجمو تسيلان جميعاً مع من وصف شعوره أمام واجب ترجمة شعره بـ”اليأس”، ولعل هذا اليأس شديد دائماً لدى مترجمي الشعر عموماً، غير أن لغة تسيلان موغلة في الاستغلاق، مما يزيد الانتقال بها إلى لغة أخرى عسراً، وهذا اليأس نفسه يعتري القارئ أيضاً.
ويقول مجدلاني “حين أقرأ تسيلان بالفرنسية أجدني مضطراً إلى الاستعانة بالجهاز التفسيري الضخم المصاحب للنص، ولا أستطيع في الواقع إلا أن أتخيل هيئة الأصل. ولا صلة لهذا الاستغلاق باستغلاق مالارميه، وهي مقارنة كان تسيلان يرفضها بشدة، بل يرجع إلى أن القصيدة تحرف وتلاعب جميع الموضوعات والثوابت التي حمل بها الخيال الإنساني العناصر المادية أو الكلمات معاني رمزية”.
ثنائيات شعرية
ويرى مجدلاني أن الأبيض والأسود، والأعلى والأسفل، لا تحمل عند تسيلان القيم نفسها التي تحملها في المخيال الجمعي كما يزعم النقد وعلم النفس فهمه، وهو يبلغ بهذه الحقيقة ذروتها: لغة كل شاعر مبنية على إيحاءات شخصية إلى حد يجعل كل قراءة شعرية، بالضرورة، سوء تفاهم بين الشاعر وقارئه. ويزداد الأمر لأن نصوصه مشحونة دائماً بإشارات إلى حياته، حتى تكاد أحياناً تكون قصائد مكتفية بذاتها، وغالباً ما يرتبط بعضها ببعض في ضرب من التناص الداخلي أو الإحالة الذاتية.
لكن المعجزة كما يعبر مجدلاني، أن هذه النصوص تسحر وتأسر بكثافتها ومفارقاتها واختزالاتها، وبالتقطيع العنيف للكلمات، واستعمال معجم آتٍ من حقول معرفية شتى. إنها ملغزة كأحجار تتلألأ، وهي، مع ذلك، غنائية، وما كان لهذا أن يبدو مستغرباً لو لم يكن تسيلان قادراً على أن يمنح بضع كلمات، أو ثلاثة أسطر مكونة من نحو 10 عناصر صوتية، قوة تكاد تكون إنشادية.
ويضيف مجدلاني “على نحو مفارق، ينفتح شعر تسيلان، إلى جانب هذا الانغلاق، على كون شاسع من المراجع الخارجية، فهو يحاور شعراء آخرين تصريحاً أو تلميحاً، وشعره مشبع كذلك بإشارات إلى أشياء قرأها، تارة يستعيدها ويحولها، وتارة يودعها القصيدة تاركاً لها أن تشع بما تحتمله من معان. ويمكن تأريخ ما قرأه تسيلان لشدة سرعة عبوره إلى شعره. وهكذا ينسج نصه شذرات من ألف قراءة، فضلاً عن أثر النصوص التي ترجمها، نجد فيه هولدرلين وغوته وماندلشتام وباخمان وبوشنر وهاينريش هاينه ورامبو وأبولينير ورينيه شار، وأشياء أخرى لا تحصى جاءت من قراءات عادية أو عابرة، نكتشفها فجأة، أو يكشفها لنا النقاد، أو ربما لن يكتشفها أحد قط”.
اندبدنت






