ليلة غنى فيها الجمهور قبل المطرب
لم تكن أمسية عادية تلك التي نظمتها مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية مساء الإثنين 14 سبتمبر 2026، في معرض أبوظبي الدولي للكتاب، بل كانت رحلة صوتية عاد فيها الزمن إلى الوراء، حين تعاونت المؤسسة مع مركز أبوظبي للغة العربية ليقدما ندوة موسيقية – ثقافية مختلفة، محورها كتاب واحد: «نصف حليم الآخر.. عبد الحليم حافظ: المعارك الفنية والمواقف الإنسانية» للكاتب الصحفي عادل السنهوري.
المكان كان جناح مؤسسة العويس، والزمان كان ذروة ازدحام المعرض مساء، والديكور كان كتباً، لكن الموسيقى كانت البطل.

في القسم الأول من الأمسية تحوّل جناح المؤسسة إلى صالون ثقافي مفتوح. هناك، وقّع السنهوري عشرات النسخ من كتابه لنخبة من الأدباء والمثقفين والمهتمين، لكن التوقيع لم يكن بروتوكولياً. كان حواراً مفتوحاً عن كتاب يجرؤ على خلع عباءة الرومانسية عن عبد الحليم.
الكتاب كما شرحه مؤلفه، لا يتحدث عن حليم صاحب الصوت العاطفي الذي حفظناه، بل عن حليم الآخر: الرجل الذي خاض معارك فنية شرسة، ودفع ثمنها شائعات واتهامات، وأغضب منه حتى أقرب أصدقائه، ثم عاد وصالحهم، لأن المعركة في جوهرها كانت حول الفن لا أكثر.
يقول السنهوري في كتابه إن الراحل، وطوال مشواره الطويل، كان طيب القلب في حياته الخاصة، لكنه كان شرساً ومصراً في معاركه الفنية. معارك لم تستثنِ أحداً، امتدت من الهرم الأكبر أم كلثوم، إلى فريد الأطرش ومحمد رشدي ووردة ونجاة، وحتى أقرب ملحنيه ورفاق دربه كمال الطويل ومحمد الموجي.

الكتاب لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يحاول أن يفتش وراءها عن الدافع الإنساني والنفسي لهذه المواجهات.
مع انتهاء التوقيع، انتقل المشهد كله إلى قلب المعرض النابض: منصة دون كيخوته، الفعالية الأبرز في معرض أبوظبي للكتاب، والتي غصت بالجمهور. هناك، كان الموعد مع القسم الثاني والأكثر عذوبة. على المسرح، فرقة «روح الموسيقى» بقيادة الموسيقار وليد شعبان، وتضم نخبة من أمهر العازفين المحترفين، وبجانبها صوت يعرف كيف يحمل إرث العندليب دون أن يقلده: الفنان محمد عبد العظيم. قبل أن يغني، أخذ السنهوري الميكروفون ليروي ما لم يكتبه في الكتاب. قال: “إن الحكايات المرتبطة بعبد الحليم حافظ لم تنتهِ برحيله، إذ تزخر مذكرات عدد من الفنانين من أبناء جيله وحواراتهم بالكثير من الأسرار حول علاقتهم به، خاصة أن حليم خاض معارك عديدة للحفاظ على مكانته في قمة الغناء المصري والعربي”.
توقف السنهوري عند محطة خاصة جداً في رحلة حليم، هي قصائد نزار قباني. لكل قصيدة حكاية ثلاثية الأبعاد بين الشاعر والمغني والملحن. وأشار السنهوري إلى مفارقة جميلة جعلت للأمسية مذاقاً خاصاً: نزار قباني نفسه هو أحد الفائزين بجائزة الإنجاز الثقافي التي تمنحها مؤسسة العويس. فاجتمع في ليلة واحدة شاعر الحب ومطرب الحب، الذي حول طاقة نزار العاطفية بصوته العذب إلى كلمات دارجة على كل لسان.
وأضاف: “كتاب نصف حليم الآخر يقدم الوجه غير المعروف من شخصية عبد الحليم، فإلى جانب المطرب الذي عرفه الجمهور، كان هناك إنسان آخر اتسم بالتضحية والحب لمن حوله، وهو ما يساعد على فهم كثير من مواقف العندليب ومعاركه”.

ثم بدأت الموسيقى. لمدة ساعة كاملة، لم يكن محمد عبد العظيم يغني وحده. غنى «التوبة»، وغنى «قارئة الفنجان» و«رسالة من تحت الماء» و«في يوم في شهر» وغيرها من الأغنيات الخالدة، فإذا بالجمهور الكبير الذي ملأ منصة دون كيخوته يتحول إلى كورال يردد معه كلمة كلمة.
كانت ليلة أثبتت فيها مؤسسة العويس أن الكتاب يمكن أن يُسمع، وأن الأغنية يمكن أن تُقرأ، وأن حكاية الغياب التي نحكيها عن عبد الحليم، ما زالت حكاية حضور.







