مقاهي دمشق… “وليمة ثقافية” بين عهدين

تستعيد عافيتها بعد زوال مطاردات الأسد وتعرض فنونها في الشعر والرسم والمسرح والموسيقى وتؤكد رهانها الباقي على الحرية

تغييرات جذرية طاولت مقاهي دمشق في العقدين الأخيرين من الألفية الراهنة، فبعدما كانت هذه الأماكن في معظمهما لتزجية الوقت وشرب القهوة وتدخين النارجيلة، أو ملتقى بديلاً للمناضلين والشعراء والفنانين، أمست اليوم بمثابة “برلمان الشعب”، إذ ضيقت السلطات في عهد “البعث” على هذه الأماكن، وبثت عيونها والعسس خلف كل طاولة، واليوم يستعيد المقهى حضوره كواجهة للحياة الثقافية، مبتعداً مرة أخرى من قاعات محاضرات المؤسسات الرسمية، التي تختص مراكزها الثقافية حالياً – في معظمها – بأمسيات قصيدة العمود وندوات عن التراث الشعبي وحملات أيام النظافة.

وتحفل مقاهي دمشق بذاكرة تاريخية كثيفة لحركات شعبية وسياسية وفكرية تمتد لعشرات السنين، فمنها ما اتخذ شكلاً تراثياً تنتصب في منتصفه “سدة الحكواتي“، كما في “مقهى النوفرة” الذي أسسه آل الرباط عام 1669، ولا يزال المقهى الواقع خلف البوابة الشرقية للجامع الأموي حتى اليوم قبلة لسياح ومرضى النوستالجيا (الحنين) ودارسي الفلكلور الشعبي. ومنها مقاهٍ كانت موئلاً لفناني خيال الظل الذين دمجوا ببراعة وتلقائية بين الاجتماع الأهلي وفرجتهم الشعبية كأداة من أدوات التعبير الضاربة ضد عسف السلطات وبطشها على مر الأزمان.

وانتشرت المقاهي التي كانت تقدم بابات (فصول) خيال الظل في أحياء العمارة والدرويشية وباب الجابية والبحصة البرانية في العاصمة السورية منذ منتصف القرن الـ17، وأبرز فناني هذه الحرفة الدمشقية كان المخايل علي حبيب الذي تأثر به رائد المسرح الغنائي العربي أبو خليل القباني في الربع الأخير من القرن الـ19، لكن هذه الأماكن رجعت اليوم إلى وظيفتها التقليدية في تقديم المشروبات وطاولات النرد والنرجيلة، فيما اندثر جزء كبير منها بعد النهضة العمرانية التي شهدتها المدينة منتصف القرن الماضي، وتخلو المقاهي الحالية من تلك المشهديات ما قبل المسرحية، إذ يستطيع الزائر ملاحظة الأثر الذي تركته الأيام الخوالي. تصاوير عديمة المنظور معلقة على جدران تلك المقاهي حققها الرسام الشعبي أبو صبحي التيناوي (1888-1973)، وتتجلى في هذه الأعمال نكهة الفن الفطري لرسوم جسدت أبطالاً وشخصيات رواها حكواتية السير الشعبية، من الزير سالم وعنترة وعبلة وأبو زيد الهلالي.

عصور من السياسة والفكر

يروي المؤرخ والباحث نجاة قصاب حسن (1920-1997) في كتابه “حديث دمشقي” عن مقهى طريف عرف باسم “خود عليك” أي “خذ عليك، أو “أوسع لي مكاناً”، وهو من أبرز المقاهي الشعبية التي اشتهرت في الربع الأول من القرن الـ20، وكان يقع على ضفة نهر تورا، أحد فروع نهر بردى السبعة، وكان هذا المقهى العفوي مجانياً يقصده الزوار للتريض والنزهات.

يقول قصاب حسن “كل واحد يذهب إلى المكان تكون معه معدات الشاي كاملة عل دراجته الهوائية: بابور الكاز، براد الشاي، أي الإبريق الصغير […] ثم الكؤوس وباقي الآلة. في أي وقت تمر من هناك تلقاهم، أولئك الذين يوسع بعضهم لبعض في مقهى (خود عليك). مقهى مجاني لطيف، والناس الجالسون فيه يتفرعون، أي يخلعون الثياب الخارجية المرهقة، فكأنهم في منازلهم، وينعمون بالرطوبة”.

ويمكن التقاط أسماء طريفة للمقاهي الدمشقية ذات الطابع التراثي المحلي، ولعل أبرزها مقهى “خبيني” بمعنى (خبئني)، وجاءت تسمية هذا المكان نظراً إلى أنه كان الملاذ الأخير للشبان الهاربين من “السفر برلك” (التجنيد ضمن الجيش العثماني) أيام التطويع الإجباري في الحرب العالمية الأولى، إذ كان يقبض على شباب دمشق ويساقون جهاراً إلى جبهات القتال، ومن يتمكن من الهرب من أيدي الجندرمة العثمانية، كان يركض مسرعاً باتجاه هذا المقهى ويقول لصاحبه “خبيني… دخيلك خبيني”، فيتعاطف معه صاحب المقهى ويقوم بإخفائه خلف جدران سرية.

لا يزال المكان شاهداً على ذكريات أهل الشام في آخر سوق “القباقبية” الأثري خلف الجامع الأموي، ولمقهى “خبيني” طقوس وعادات خاصة به، فكلما رحل أحد رواده الدائمين قام صاحب المكان واحتفظ بخرطوم نرجيلة المتوفي، فيعلقه وفق رقم متسلسل على جدار المقهى إحياءً لذكرى الفقيد، وتكريماً لروحه التي يعتقد أصدقاؤه أنها ما زالت تحتفظ بأنفاسه وأحاديثه معهم.

ومع أربعينيات القرن الماضي اندثر تقريباً هذا الشكل من المقاهي الشعبية على ضفاف بردى، وتراجعت مقاه أخرى عن الواجهة، إذ حدث تطور كبير في مكانة المقهى الدمشقي ووظيفته وحضوره في الحياة العامة، فاشتهرت مقاه كانت مطبخاً للحركات السياسية والسجالات الثقافية. ولعل أبرزها كان “مقهى الهافانا” قرب محطة الحجاز للقطارات. وتأسس عام 1945 على أنقاض ملهى ليلي اشتهر باسم “القطة السوداء”، واتخذ له اسم “الهافانا” عاصمة كوبا كتحية للحركات اليسارية في أميركا الجنوبية، التي كان نجم ثوراتها آنذاك المناضل تشي جيفارا (1928-1967).

ضم “الهافانا” على مدى 70 عاماً لقاءات لأشهر رجال الفكر والسياسة والأدب، وكان لبعضهم طاولة دائمة، لعل أبرزهم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، والمفكر البعثي زكي الأرسوزي، الذي ناقش على طاولاته الرخامية بنود البيان التأسيسي لحزب البعث العربي الاشتراكي، وكان “الهافانا” بمثابة صالون أدبي يتحول فيها الجالس خلف واجهاته الزجاجية إلى مشاهد لما يمكن تسميته فيلم الحياة اليومية، فكل شيء حين نجلس خلف زجاج مقهى يستحيل إلى مشهد، وعندما نغادر كرسي المقهى ننضم مجدداً للمشهد العام.

“الهافانا” المشرف على تقاطع شارع “بور سعيد” مع شارع “شيكاغو” كان أيضاً مقصداً لشعراء من مثل العراقيين مظفر النواب وعبدالوهاب البياتي ومحمد مهدي الجواهري، ومن سوريا مثل شوقي بغدادي وعادل أبو شنب وزكريا تامر وجورج عشي والصحافيين حكم البابا ومحمد منصور، وكان بمثابة نادٍ سينمائي مصغر يأتي إليه مخرجون وكتاب وجمهور عادي بعد فراغهم من مشاهدة الفيلم في صالة سينما “الكندي” المحاذية للمكان (صادرتها مديرية الأوقاف أخيراً لإقامة محاضرات دينية)، ولعل من بقي من ندل المقهى ما زال يذكر لقاءات دورية لأشهر زواره، مثل المخرج السينمائي عبداللطيف عبدالحميد، والكاتب الفلسطيني حسن سامي اليوسف، والسيناريست نجيب نصير، والكاتبة ريم حنا، وآخرين.

ويلاحظ الزائر اليوم لمقهى “الهافانا” الشيخوخة التي ألمت بالمكان بعد رحيل معظم زواره، في حين انقطع البعض الآخر عن المجيء إليه إلا لماماً، كأن لسان حال المكان يردد عبارة الشاعر محمود درويش الشهيرة “إن أعادوا لك المقاهي القديمة، فمن يعيد لك الرفاق؟”. في صدر المكان يمكن ملاحظة شاشة بلازما ضخمة وضعت بطريقة عديمة الذوق فوق منحوتة الفنان العراقي جواد سليم (1919-1961). شاشة التلفاز التي تبث أغنيات الفيديو كليب غطت أجزاء من العمل النحتي الضخم لصاحب “نصب الحرية” في بغداد، وتشي بقطيعة وجهل بماضي المكان وعراقته، وتترك الباب موارباً لأسئلة ملحة عن ذاكرة المدينة المهملة والمتروكة للنسيان، إذ إن “هافانا” اليوم غير “هافانا” الأمس، ومع أن المكان تعرض لأعمال الترميم منذ سنتين، إلا أن الوجوه تغيرت وتبدلت معها نوعية الزوار وطباعهم، من دون أن يكون لهذا المكان خصوصيته القديمة، ولا سيما في صالونه الذي يقع في الطبقة العليا، والذي اشتهر بزائراته من الشاعرات والناشطات السياسيات وفنانات المسرح، مثل الممثلتين الراحلتين مي سكاف وفدوى سليمان، والشاعرة الراحلة دعد حداد.

فردوس البن البرازيلي

غير بعيد منه مثّل “مقهى البرازيل” منافساً قوياً لمقهى “الهافانا”، إذ كان المكان الذي أسسته السفارة البرازيلية مطلع خمسينيات القرن الماضي، يقع على الضفة الأخرى من “الهافانا” بمحاذاة جامع الطاووسية الأثري باتجاه ساحة المحافظة، وكان يجمع بين الوظيفتين الاقتصادية والثقافية عبر تسويقه للبن للبرازيلي الفاخر، إذ اعتبر أول مقهى تدخل إليه ماكينة الإكسبريسو في دمشق. وشهد المكان نقاشات سياسية وثقافية لا تزال أصداؤها تتردد حتى الآن، وكان من أبرز زواره المسرحي شريف خازندار، والشاعر محمد الماغوط، والكاتب سعد الله ونوس، والمخرج المسرحي فواز الساجر، والرسام فاتح المدرس. زال المقهى مطلع ثمانينيات القرن الـ20 بعدما شيدت السلطات البعثية مكانه برجاً تجارياً شاهقاً، لكن الشارع الذي كان يقع فيه لا يزال يعرف حتى الآن بـ”شارع البرازيل”.

ويمكن إحصاء عشرات المقاهي التي بزغت في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي في دمشق، وأدت دوراً مهماً في الحراكين السياسي والثقافي، فكان “مقهى الكمال الصيفي” واحداً من بين تلك الأماكن التي لا تزال حتى اليوم مزاراً يومياً للصحافيين وأمثالهم من الموظفين والحرفيين والحقوقيين، إذ ما زالت أسعار المشروبات في هذا المكان رمزية ومناسبة لعديد من أبناء الطبقة المتوسطة.
www.independentarabia.com