علي عبدالله خليفة.. توازن نادر بين الحداثة الشعرية والذاكرة الشعبية

لأنك عظيم وقوي شديت بك راسي
يا عبيد أصلك وفي للضيق متراسي
وأنته شراع خطف حط في القلب راسي

هكذا شدا علي عبدالله خليفة في أواخر الستينيات، فطارت أبياته إلى قلوب الناس الذين حفظوها ثم صاروا يرددونها مع الأغنية التي لحنها وغناها خالد الشيخ.
قصيدة أو موال «يا عبيد» قدمت علي خليفة إلى الجمهور المحلي بوصفه صوتاً جديداً سرعان ما شكل مع نخبة أخرى من شعراء البحرين خلال السبعينيات ظاهرة فنية جديدة.

إنهم شعراء الحداثة في منطقة الخليج الذين ذاع صيتهم مع صدور دواوينهم تباعاً، من «أنين الصواري» لعلي خليفة إلى «البشارة» لقاسم حداد بعده بعام واحد، لتتوالى بعدها مجاميع شعرية وقصصية، كلها تعزف على وتر الحداثة والتجريب في حدودهما القصوى.

كانت الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، والثمانينيات إلى حد ما، سنوات مضطربة سبقت وواكبت استقلال دول الخليج التي جمعتها متشابهات كثيرة في اقتصاداتها ونظامها الاجتماعي والسياسي وفي ثقافتها التقليدية المشتركة.

في هذه السنوات انبثق نبع الحداثة الأدبية في الخليج بأصوات ريادية صارت تحل شيئاً فشيئاً محل الأصوات التقليدية وتتفوق عليها.

في خضم ذلك برز علي عبدالله خليفة صوتاً جديداً، حداثياً قطعاً، لكنه حافظ على وشائجه بالموروث والتقليدي، سواء في أشعاره الشعبية المجددة أو شعر الفصحى ذي التفعيلة والإيقاع، مع الابتكار في الصورة والأسلوب.

غير أن أهمية علي عبدالله خليفة لا تكمن في كونه واحداً من رواد الحداثة الشعرية في الخليج فحسب، بل في أنه أدرك مبكراً أن الحداثة الحقيقية لا تقوم على القطيعة مع الذاكرة، بل على إعادة اكتشافها.

وبينما انشغل كثير من أبناء جيله بتجارب التجديد الشعري وحدها، كان هو يلتفت إلى الكنوز المخبأة في التراث الشعبي، إلى الأغاني والحكايات والأمثال والسير الشفوية التي شكلت وجدان الناس عبر أجيال متعاقبة.

ومن هنا جاءت تجربته الفريدة التي جمعت بين الشاعر والباحث. فقد رأى أن الثقافة الشعبية ليست بقايا من الماضي ينبغي تجاوزها، بل جزء حي من الهوية الجماعية يستحق الحفظ والدراسة.

لذلك أمضى سنوات طويلة في جمع وتوثيق التراث الشعبي الخليجي والبحريني، وأسهم من خلال مؤلفاته ومشاريعه الثقافية في إنقاذ جانب مهم من الذاكرة الشعبية من الضياع في زمن كانت التحولات الاقتصادية والاجتماعية السريعة تهدد كثيراً من الموروثات بالتلاشي.

ولعل هذه العلاقة العميقة بين الشاعر والموروث هي التي منحت قصيدته نكهتها الخاصة. ففي شعره الحديث لا يشعر القارئ بانفصال بين الجديد والقديم، بل يرى الاثنين يتحاوران داخل النص الواحد.

هناك البحر الذي حضر في أعماله رمزاً ومكاناً وذاكرة، وهناك النخيل والسفن والصواري والقرى والناس البسطاء، لكنها تظهر كلها ضمن رؤية شعرية حديثة وصور مبتكرة بعيدة عن النقل المباشر أو الحنين الساذج إلى الماضي.

وقد ساعده هذا التوازن النادر على الوصول إلى جمهور واسع. فقصائده لم تبق حبيسة النخب الثقافية، بل وجدت طريقها إلى الناس عبر الأغنية أيضاً. ولعل التعاون الذي جمعه بعدد من الفنانين البحرينيين والخليجيين، في مقدمتهم خالد الشيخ، جعل كلماته جزءاً من الذاكرة السمعية لجيل كامل.

وهي ميزة لم تتح لكثير من شعراء الحداثة الذين ظلوا محصورين في نطاق القراء والمتابعين المتخصصين.

ومع مرور السنوات لم يتحول علي عبدالله خليفة إلى مجرد اسم من أسماء جيل السبعينيات، بل إلى أحد رموزه الثقافية المستمرة. فقد واصل الكتابة والإنتاج والمشاركة في المبادرات الثقافية، وظل حاضراً في المشهد الأدبي والبحثي، مؤمناً بأن الثقافة مشروع طويل النفس لا يرتبط بموسم أو مرحلة عابرة، ولذلك فإن أثره تجاوز حدود الدواوين الشعرية ليشمل المؤسسات والمشاريع والأفكار التي أسهم في إطلاقها أو دعمها.
عندما نتأمل مسيرته اليوم نكتشف أن ما يميزها حقاً هو قدرتها على الجمع بين عناصر تبدو متناقضة للوهلة الأولى: الحداثة والتراث، الشعر والبحث، المحلية والانفتاح على الفضاء العربي الأوسع.

فقد ظل ابن البحرين والخليج بكل ما في المكان من خصوصية، لكنه استطاع في الوقت نفسه أن يقدم تجربة ذات أبعاد إنسانية وجمالية تتجاوز حدود الجغرافيا.

برحيل علي عبدالله خليفة لا تفقد البحرين شاعراً كبيراً فقط، بل تفقد واحداً من حراس ذاكرتها الثقافية.

أما ما يبقى فهو ذلك الأثر الذي تتركه الشخصيات النادرة في حياة أوطانها؛ أثر لا يقاس بعدد الكتب أو القصائد وحدها، بل بما تضيفه إلى الوعي الجمعي من معنى واستمرارية.

وستظل قصائده وأبحاثه شاهدة على تجربة ثقافية رأت في التراث جسراً إلى المستقبل، ورأت في الشعر وسيلة لفهم الإنسان ومكانه وزمانه.

وما زلت أتذكره حين زارنا في مكاتب مجلة «الأزمنة العربية» عام 1980، فأشاع بيننا محبته، هذا الشاب الأسمر طويل القامة ذو الابتسامة الوضاءة، رقيق المشاعر دمث الخلق والمتحدث اللبق. وظل على هذا الحال من الجمال، جمال الروح، أينما التقيت به بعد ذلك، حتى فارق الحياة جميلاً محبوباً.
إيه يا بحر، حكايانا كثيرة
مَلَّها الليل ومجَّتها الظهيرة
كدّني الغوص، وما زلت أسيره
ها همُ قد خلفوني…
كالبقايا… من نفايات حقيرة
تلك هي السيرة الأجمل لعلي عبدالله خليفة: شاعر حمل الصارية بيد، وحمل الذاكرة باليد الأخرى، ومضى بهما معاً في رحلة طويلة تركت أثرها في الثقافة الخليجية الحديثة.