عبد العزيز السبيل يتحدث عن واقع الجوائز العربية وأبعادها الثقافية

منتدى الجوائز العربية منصة عربية للحوار

 ولتبادل الأفكار ولتعزيز قيمة العمل الثقافي

 

جائزة العويس حققت معايير النجاح عبر النزاهة

 والمصداقية واحتفت انسانياً بالمبدعين العرب   

 

 

حاوره عبده وازن

(خاص لموقع العويس)

 الدكتور عبد العزيز السبيل، الأمين العام لجائزة الملك فيصل، ورئيس منتدى الجوائز العربية، والناقد الأكاديمي الذي له دور مهم في إرساء الثقافة العربية والنقد العربي. سيكون ضيف هذا الحوار لموقع العويس الثقافي..

يُعرف الدكتور عبد العزيز السبيل بنشاطه الثقافي الملحوظ في جميع المحافل المحلية والعالمية، وإسهاماته العديدة في الترجمة والبحث العلمي، ولد في القصيم عام 1955، ودرس في مكة وحصل على البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة الملك عبد العزيز عام 1978. أكمل دراساته العليا وحصل على الماجستير في الأدب العربي، قسـم لغات وثقافات الشـرق الأدنى، في جامعة إنديانـا عام 1984م، ثم على الدكتوراة من جامعة إنديانا عام 1991، وكانت دراساته في الأدب العربي الحديث والأدب المقارن.


عمل مدرسا اكاديمياً وعُيّن وكيلًا لوزارة الثقافة والإعلام للشؤون الثقافية، وأسس عدد من المجلات العلمية والثقافية، ويشغل عدد من المناصب فهو رئيس مجلس أمناء مركز الملك عبد العزيز للتواصل الحضاري من فبراير 2018. وكيل وزارة الثقافة والإعلام للشؤون الثقافية من عام 2005 إلى عام 2010. عضو مجلس الأمناء في جائزة الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمية للترجمة من 2009. الأمين العام لجائزة الملك فيصل العالمية من عام 2015.

من مؤلفاته وترجماته: «قصائد من كوريا»، ترجمة بالاشتراك (1995). «أصوات التغيير: قصص قصيرة للنساء السعوديات» في ترجمة مشتركة عام (1997). «الثقافة عبر الترجمة: القصة القصيرة نموذجًا» (2003). «قصص من الجزيرة العربية» مترجم للإسبانية (2005). «أصوات عربية جديدة: القصة القصيرة» (2014). «نسج الريح: قراءات نقدية في السرد» (2025).

التقيناه بمناسبة الذكرى المئوية لولادة الشاعر سلطان بن علي العويس،

*أود أولاً أن أسألك عن رأيك بهذه المناسبة التي تحمل ذكرى هذا الشاعر الذي بات اسمه محفوراً في الذاكرة الثقافية العربية بفضل هذه الجائزة المهمة التي أسسها وارساها.

ـ سلطان بن علي العويس، قبل تأسيس المؤسسة كان شاعراً كبيراً ومتميزاً. وحينما نحتفي جميعاً بالذكرى المئوية لولادته، فنحن نحتفل به مبدعاً وشاعراً في المقام الأول. وما تركه من أثر ثقافي كبير امتد في حياته وسيبقى لزمن طويل إن شاء الله، من خلال مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية. وهي ليست مجرد جائزة فقط، بل مؤسسة متكاملة تقوم بجهد كبير في صناعة فعل ثقافي حقيقي مستدام، بعيداً عن الاستعراض أو “الألعاب النارية” التي تقوم بها بعض الجهات؛ نحن نتحدث هنا عن عمل ثقافي رصين يؤثر في الناس ويمكث في الأرض من خلال الندوات، والمؤتمرات، وطباعة الكتب.

جوانب إنسانية

وإذا أذنت لي، أود أن أعرج قليلاً على جائزة سلطان بن علي العويس؛ فهذه الجائزة تقترب الآن من الاحتفال بذكراها الأربعين خلال عامين. وهي تُمنح كل عامين في حقول إنسانية محددة، وهذا ربما ما يميزها؛ إذ ركزت بشكل مباشر على الجوانب الإنسانية وتركت جوانب العلوم لجوائز أخرى كثيرة. فنحن نتحدث عن النقد الأدبي، والسرد بعمومه من قصة قصيرة ورواية ومسرحية، والإبداع الشعري، والدراسات المستقبلية، وبذلك تغطي الإنسانيات بشكل عام في حقولها الأربعة. ومن ينظر في أسماء الفائزين بتاريخ الجائزة يشعر أنها تسير في خط تصاعدي كبير.

وشخصياً، أشعر أنه بقدر ما نفتخر بمن يفوز بالجائزة، فإن الجائزة تفتخر أيضاً بهؤلاء الفائزين؛ فكثيراً ما يضيف الفائزون قيمة ثقافيه كبيرة للجائزة، وهذا ما يحصل بالضبط مع جائزة العويس. ولا أود بالطبع كشف كواليس الجائزة، ولكنك -بصفتك أحد الذين شاركوا في عمليات التحكيم- تدرك مدى الدقة والحكمة في التحكيم، حيث تقف المؤسسة محايدة تماماً وتترك الأمر بالكامل لأهل الخبرة من المثقفين والأكاديميين لاتخاذ القرار بطريقة علمية رصينة.

وقد أشرتَ في مقدمتك إلى منتدى الجوائز العربية، وهنا تجدر الإشارة أولاً إلى أن جائزة العويس هي أحد المؤسسين لهذا المنتدى الذي تأسس في الرياض عام 2018. والأمر المهم الذي يشغلنا في المنتدى، وهو متحقق بامتياز في جائزة العويس، هو عدم ثبات لجان التحكيم.

العمل الجماعي

*كيف انطلقت فكرة منتدى الجوائز العربية الذي تترأسونه؟

ـ بصفتي أميناً عاماً لجائزة الملك فيصل تواصلت مع عدد من الزملاء والأصدقاء فيها، تبين لي أن كل جائزه تعمل بمفردها في جزر معزولة، دون أي تواصل أو تنسيق، رغم أنها تؤدي رسالة مشتركة ينبغي لها أن تتكامل وتتعاضد ليستفيد بعضها من خبرات بعض.

فكانت الخطوة الأولى أن دعونا في جائزة الملك فيصل مجموعة كبيرة من الجوائز العربية للالتقاء في الرياض وتدارس الأمر. كانت فكرة المنتدى حاضرة في الذهن، لكننا كنا بحاجة لمعرفة طبيعة الاستجابة الأولى، وسعدنا جداً بالحماسة الشديدة والحرص على التعاون؛ إذ حضر في أكتوبر 2018 بالرياض ممثلون عن 23 جائزة عربية امتدت من شنقيط إلى البحرين.

وجدنا الأرضية مهيأة تماماً لطرح الفكرة، واقترحنا تحويل هذا الاجتماع الأول إلى اجتماع تأسيسي لما أسميناه “منتدى الجوائز العربية” ككيان ثقافي عربي مستقل. ومن الطريف أنه يجمع جوائز حكومية، وجوائز يرعاها القطاع الخاص، وجوائز تديرها مؤسسات غير ربحية، فهو مزيج ذو طابع عربي خالص.

* من الإشكالات المطروحة أن هناك تفاوتاً كبيراً في القيمة المادية بين الجوائز العربية؛ حيث تملك بعض الجوائز إمكانيات مادية ضخمة لا تملكها جوائز أخرى، أليس كذلك؟

ـ صحيح، هناك تفاوت في القيمة المادية فقط، لكني لست مع فكرة التركيز على الجانب المادي دائماً؛ فهناك جوائز قيمتها المادية ليست كبيرة ولكنها تحظى بقيمة معنوية وأكاديمية هائلة، وهذا هو الأهم. نحن في المنتدى لم نركز على المعيار المادي، بل كان همنا الأكبر هو حوكمة هذه الجوائز وآليات عملها؛ فقضية التحكيم وعدم ثبات اللجان -التي أشرتُ إليها سابقاً- تعد من أهم الأمور التي ناقشناها لترسيخ ديمقراطية الجوائز وحياديتها وإنصافها.

بالإضافة إلى ذلك، يقيم المنتدى أنشطة مختلفة تدعم الشباب؛ فنحن نقيم دورات في الكتابة الإبداعية، ودورات في قضايا النشر، فالجوائز تقوم أساساً على المنتج الثقافي، ويهمنا كيف يصل هذا المنتج عبر الترجمة والنشر داخل البلاد العربية وخارجها، وكيفية التواصل مع الناشرين. ناقشنا أيضاً كيفية الاستفادة المشتركة من لجان التحكيم وقواعد البيانات، وفي اجتماعنا الأخير في أكتوبر الماضي ركزنا على أهمية وجود مواقع إلكترونية تفاعلية للجوائز، وتقوم أمانة المنتدى بمساعدة الجوائز التي لا تملك الإمكانيات التقنية لإنشاء مواقعها وتطويرها.

تطوير الجوائز

* هل لك أن ترصد لنا حركة التطور الفعلي التي شهدها المنتدى منذ تأسيسه حتى اليوم؟ ما الذي استطعتم تحقيقه على أرض الواقع، وهل واجهتكم صعوبات معينة؟

ـ نحن في المنتدى لا نفرض أمراً على أحد، بل نطرح الأفكار والرؤى ونسهم في تطويرها دون التدخل في شؤون الجوائز الداخلية أو طريقة عملها الخاصة. على سبيل المثال، طرحنا قضية التحكيم وأهمية تغيير اللجان كقضية أساسية ودون الإشارة إلى جهة بعينها، لأننا لا نريد التدخل في العمل الداخلي.

ومع ذلك، استجابت العديد من الجوائز وأعادت النظر في نظمها؛ فبدلاً من لجان تحكيم ثابتة تستمر لعشر أو خمس عشرة سنة، أصبحت بعض الجوائز تغير لجانها كل سنتين أو ثلاث سنوات، وبعضها يغيرها سنوياً كحال جائزة الملك فيصل وجائزة العويس. هذه خطوات ممتازة لتطوير الواقع الثقافي.

كذلك، بعض الجوائز التي تفتقر إلى قواعد بيانات كاملة عن الأكاديميين والمحكمين أصبحت تستعين بالجوائز الكبرى مثل جائزة الملك فيصل وجائزة العويس اللتين تملكان قوائم ضخمة ومحدثة. ونحن في أمانة المنتدى نمثل همزة الوصل، وفي كثير من الأحيان ننشئ قنوات تواصل مباشر.

هذا التعاون الثنائي المشترك جاء ثمرة للقاءات منتدى الجوائز العربية الذي يربطنا ببعضنا. ونحن نعمل دائماً على تنشيط هذا التحرك؛ فعندما نجد مبدعاً يفوز بعدة جوائز، نسعى لتنظيم ندوات ومحاضرات مشتركة بين تلك الجوائز، وهذا يحقق جوهر مهمتنا الأساسية وهو تعزيز التواصل العربي-العربي. نحن نسعد عندما تفوز شخصية سعودية بجائزة شنقيط مثلاً، ولكي يطلع الجميع على هذه الأخبار والأنشطة، يمكن للمشاهدين الكرام زيارة الموقع الإلكتروني لمنتدى الجوائز العربية، حيث سيجدون معلومات وافية وتغطيات شاملة لكافة الندوات والمحاضرات المقامة.

اهتمامات أكاديمية

* بصفتك الأمين العام لجائزة الملك فيصل، التي تعد بحق في طليعة الجوائز العربية ذات الصيت العالمي؛ حدثنا قليلاً عن أبعاد هذه الجائزة، كيف انطلقت، وأين أصبحت اليوم؟ وسلط لنا الضوء على بعض كواليسها.

ـ جائزة الملك فيصل أُنشئت عام 1977، ومُنحت لأول مرة عام 1979، ونحن الآن في دورتها السابعة والأربعين. وهي جائزة سنوية تتكون من خمسة فروع:

  • فرع خدمة الإسلام: وتُمنح للشخصيات الإسلامية والعالمية التي قدمت خدمات جليلة للإسلام، أو للمؤسسات الخيرية التي تدعم العمل الإنساني في المناطق المحتاجة بغض النظر عن الديانة؛ فالجانب الإنساني هو الأساس هنا.
  • أربعة فروع أكاديمية وعلمية دقيقة وهي: الدراسات الإسلامية، اللغة العربية والادب، الطب، والعلوم.

ويمكن أن خصوصية جائزة الملك فيصل تتمثل في أن هذه العناوين الأكاديمية العريضة يتفرع منها في كل عام موضوع محدد بعينه يُعلن عنه مسبقاً ليكون أساس التنافس والترشيح.

نحن نعلن أسماء الفائزين عادة في شهر يناير من كل عام، وفي شهري مارس أو أبريل نحتفي بهم في حفل كبير، ويظل الفائز يحمل لقب فائز بجائزة الملك فيصل طوال العام، لأننا نبدأ مبكرين في إعلان المواضيع للدورة القادمة وبدء أعمال لجان التحكيم.

على سبيل المثال، موضوع فرع اللغة العربية والأدب لعام 2026 هو “الأدب العربي باللغة الفرنسية”؛ حيث أردنا لفت النظر إلى جهود عدد من المستشرقين والباحثين الذين خدموا اللغة العربية والثقافة العربية وقدموها للقارئ الفرنسي، في حين قد لا يكون القارئ العربي على صلة وثيقة بجهودهم.

* فعلاً هذه خطوة رائدة، لا سيما عندما أصدرتم الكتيبات التعريفية بهؤلاء الأعلام.

ـ  صحيح، هذا كان مشروعاً ثقافياً سريعاً ومهماً تحت عنوان “100 كتاب وكتاب”؛ حيث أصدرنا كتباً تعريفية لشخصيات فرنسية وعربية ساهمت في التقارب والحوار الثقافي بين الثقافتين والانفتاح على الآخر.

وفي فرع الدراسات الإسلامية تتنوع الموضوعات بشكل واسع؛ وقد يستغرب البعض أن ثلاثة من الفائزين بجائزة الملك فيصل في الدراسات الإسلامية كانوا من غير المسلمين، مثل البروفيسور وائل حلاق، والبروفيسورة كارول هيلينبراند، وزوجها البروفيسور روبرت هيلينبراند الذي فاز في موضوع “العمارة الإسلامية”. فنحن لا نقف عند حدود الموضوعات التقليدية الفقهية الفروعية، وإنما ننطلق نحو الفنون، والآثار، والتاريخ، والجغرافيا.

الأمر نفسه ينطبق على فرعي الطب والعلوم (الفيزياء، الكيمياء، والرياضيات) حيث نحدد موضوعات دقيقة سنوياً. وقبل أسابيع قليلة، حينما فاز العالم العالم عربي الأصل عمر ياغي بجائزة نوبل، احتفى به العالم العربي، وأشار البعض إلى ريادة جائزة الملك فيصل؛ لأنه كان قد فاز بجائزة الملك فيصل في فرع العلوم عام 2015.

ونحن نقول دائماً إننا نسعد كثيراً بنجاحات فائزين؛ إذ فاز بالجائزة لدينا 24 عالماً نالوا بعد ذلك جائزة نوبل. نحن لا نربط أنفسنا بالجوائز الأخرى ولكن يسعدنا بالطبع هذا التوافق، فهو يعطي دلالة واضحة على رصانة المسار التحكيمي العلمي الذي تسير عليه الجائزة. وإلى جانب الجوائز، لدينا مشاريع موازية لترجمة وطباعة كتب الفائزين، وإقامة ندوات ومحاضرات في أماكن كثيرة داخل وخارج العالم العربي؛ فبعد أسبوعين مثلاً سنكون في “مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية” لإقامة محاضرة للبروفيسور محسن جاسم الموسوي يتحدث فيها عن قضايا الأدب ونظرياته وتأثيرها في العالم الغربي.

عتبة عالمية

* هنا نود أن نلفت إلى ظاهرة بالغة الأهمية، وهي انتقال الجوائز العربية من العتبة الإقليمية إلى العتبة العالمية، والقيام بدور محوري في السجال والحوار الثقافي العربي العالمي.

ـ  نعم، هذا دور أساسي؛ وقبل ثلاث سنوات فاز بجائزة الملك فيصل المستعرب الأسترالي مايكل كارتر، وهو عالم قدم جهوداً هائلة في ترجمة كتاب سيبويه وتأليف كتب حول النحو العربي، وفوجئنا أن كثيراً من النحاة العرب الشباب لا يعرفون هذه الجهود الفذة. لذلك جاء هذا العالم إلى الرياض وقدم محاضرات وندوات، وفتح ذلك قنوات تواصل واعتراف بجميل هؤلاء العلماء؛ وهذا هو الواجب الحقيقي للجوائز: البحث عن المبدعين والمجهولين وتكريمهم والاحتفاء بهم.