أمين معلوف يوم كان فتى – بقلم سمير عطا الله

أمين معلوف يوم كان فتى – بقلم سمير عطا الله

كيف تُصنع الرواية؟ مثلما يتصور الأطفال ألعابهم. يعثر الطفل على لعبة خشبية تمثل فِيلاً، وعندما يتباهى أمام أقرانه، يدّعي أنه عثر على الفيل في غابة بعيدة، وأن هذا الفيل يطير في الليل ويتحول خرطومه إلى ضوء قوي وأذناه إلى جناحين هائلين.
لكن الروائي طفل ناضج. يعرف أن عليه أن يقنعك. لذلك، يبالغ في تخيّل الواقع وفي رسم الحقائق التي تبحث عنها مخيلته. في الرواية التاريخية أو في الرواية العاطفية أو في الرواية البوليسية، يحرص الكاتب على الواقعية. ويبحث عن أبطاله وأحداثه ودرامياته في الصحف وسجلات المحاكم، ثم يستخدم سحره في إعادة صياغتها بأسلوب يتجاوز السرد العادي.
ولا شك في أن الروائي يستخدم كل ذكرى وكل منظر وكل حادثة مرت به، ثم يبحث لها عن مكان مناسب في أعماله. أوائل الستينات ذهبنا في وفد صحافي إلى قبرص، وأقام السفير اللبناني شحادة الغصين مأدبة عشاء للوفد، التقينا خلالها فتى مؤدباً قدمه السفير على أنه ابن شقيقته، أمين معلوف.
أمضينا في قبرص ثلاثة أيام، وكانت أجمل معالم الزيارة مدينة فماغوستا على البحر. وفي المدينة مرفأ قديم مليء بالمقاهي والحمالين والزوار والتجار والفنادق العتيقة. عام 1997 منح أمين معلوف جائزة «غونكور»؛ أرفع جائزة أدبية في فرنسا، وربما في أوروبا، على روايته «صخرة طانيوس».
منذ أن كان أمين يكتب بالعربية، قرأت كل كلمة كتبها. لم أتحمس مطلقاً لقراءة «صخرة طانيوس». شعرت مما كتب عنها أنها ذات موضوع ضيق، خصوصاً بالمقارنة مع أعمال أمين الأخرى: «سمرقند» و«ليون الأفريقي» و«الحروب الصليبية كما رآها العرب» وغيرها! كلما سافرت من مطار بيروت أمرّ بالمكتبة لأرى ما الجديد فيها. لكنني هذه المرة رأيت «صخرة طانيوس» فاشتريتها.
نزلت الطائرة بعد ساعات، والرواية لم تنزل من يدي. وعندما أكملت قراءتها فيما بعد، كنت أزداد انبهاراً بهذا الطرزي الرائع: كيف يبتكر لأشخاصه الألوان، وكيف ينقل أبطاله في المدن والقرى والموانئ. يلملم المشاهد من ذكرياته ورحلاته وقراءاته. وأتذكر الفتى الباسم في قبرص وأنا أتابع بطله في «فماغوستا». لقد حمل المدينة في ذاكرته إلى يوم احتاجها ملجأً لبطله، هي وميناءها العتيق ومقهى العجوز الفتريوس وخمول لاعبي النرد.
الذاكرة بحر الروائيين، خصوصاً إذا سافرت وترحلت في ديار الله كما فعل أمين المولود في عائلة تغرّب رجالها في القارات الأربع، وتحولوا جميعاً إلى أشخاص في رواياته. وأكثر ما يذكّرنا الفتى، المعد اليوم لجائزة نوبل، بقول ابن زريق البغدادي:
كأنما هو حلّ ومرتحل
موكَل بفضاء الله يذرعُهُ

نقلا عن جريدة الشرق الاوسط

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
Close Menu