أسمهان ـ بقلم د. حسن مدن

د حسن مدن

صوتان نسائيان عملاقان في الغناء العربي عاشا في زمن واحد، يمكن وصفه بزمن عمالقة الغناء، هما السيدة أم كلثوم والمطربة أسمهان. ولكل واحدة منهما مسارها الحياتي والفني المختلف.
عاشت أم كلثوم المولودة في العام 1908 حوالي سبعة وستين عاماً، حيث توفيت في الثالث من فبراير/ شباط 1975، فيما لم يتجاوز عمر أسمهان عند وفاتها، في ظروف غامضة، الثانية والثلاثين (1912 – 1944).
أتت أم كلثوم، واسمها الحقيقي فاطمة بنت الشيخ إبراهيم السيد البلتاجي، من عائلة فقيرة في قرية بالريف المصري، لكنها سرعان ما ارتقت سلالم المجد، لتغدو الصوت الغنائي الأبرز بدون منازع وتتربع على عرش الغناء العربي خلال حقبة زمنية طويلة، عرفت فيها مصر، والعالم العربي، تحولات كبرى.
أما أسمهان، واسمها الحقيقي آمال الأطرش، فقد ولدت لأبوين معروفين بالوجاهة من جبل العرب في سوريا، وتشاء الأقدار أن أمها وضعتها على ظهر باخرة متوجهة إلى بيروت خلال رحيل والديها من تركيا بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية.
يذكر الدكتور نبيل حنفي محمود في كتابه «الغناء المصري.. أصوات وقضايا» أن الطائفة الدرزية اختارت والدها فهد الأطرش ليعمل مندوباً لها لدى الفرنسيين كونه أول درزي يحمل شهادة جامعية وصاحب خبرة إدارية يعتد بها، لكن الأب سرعان ما انضم للمقاومة السورية بقيادة سلطان باشا الأطرش ضد الفرنسيين ما اضطر والدتها إلى الرحيل مع أبنائها فؤاد وفريد وآمال إلى القاهرة.
احتضنت البيئة المصرية الخصبة فنياً وثقافياً واجتماعياً مواهب آمال الأطرش، التي سيغدو اسمها أسمهان، وشقيقها فريد، كما فعلت مع الكثير من أصحاب المواهب المهاجرين من بلاد الشام، ومن غير بلاد الشام، في المجالات الإبداعية والفنية والصحفية.
تلقّف صوتها هناك ملحنو ذلك الزمن الكبار مثل داوود حسني ومحمد القصبجي. قدمت أغنيات من ألحانهم لم تنل الانتشار المطلوب لأن صوتها لم يكن قد نضج بعد بسبب حداثة سنها، على نحو ما أشار د. نبيل حنفي محمود.
غادرت أسمهان القاهرة بعد أن تزوجت ابن عمها الأمير حسن الأطرش زعيم الدروز وحاكم جبل العرب، لكن مثل أسمهان لم تخلق لتكون أميرة أو زوجة أمير، وإنما لتكون فنانة مقبلة على الحياة ومفاتنها، فسرعان ما ضاقت بالزواج وبالبيئة المحافظة، وعادت أدراجها إلى القاهرة، لتطلق من إذاعتها عام 1938 أغنيتها الجميلة «ياطيور» من كلمات يوسف بدروس وألحان محمد القصبجي.
كانت هذه العودة للقاهرة انطلاقة مجد أسمهان الفني، قبل أن ترحل عن الدنيا جسداً، لتظل حية بصوتها الباقي أبداً.

جريدة الخليج

madanbahrain@gmail.com