فتّش عن الأب – بقلم إنعام كجه جي

إنعام-كجه-جي

كيف يمكن لرجل تربى في أحضان أب مصري شيوعي، وأم أميركية من أنصار جبهة التحرير الجزائرية، أن يلتحق بطاقم جو بايدن؟ خلطة من نوع سمك لبن تمر هندي. وهي تنطبق على روبرت مالي، الخبير الذي اختاره الرئيس الأميركي الجديد ليكون مبعوثاً إلى إيران.
حكاية الابن عادية. فهو نشأ في وسط مسيّس وتلقى تعليمه في أرقى المدارس والجامعات. تولى عدة مناصب مهمة ووصل إلى ما وصل إليه في بلد يمنح لكل مجتهد نصيباً. أما حكاية الأب، سيمون مالي، فهي التي تستوقف الفضوليين. كان يهودياً حلبي الأصل، عيّنه عبد الناصر مراسلاً في نيويورك لجورنال «الجمهورية»، صحيفة الثورة. ولعل هناك من ما زال يذكر الرسائل الإذاعية التي كان يبعث بها من مقر الأمم المتحدة ويختمها بعبارة: «هنا سليم مالك من نيويورك».
في دهاليز الأمم المتحدة تعرّف مالي على معظم قادة العالم. كما التقى بشابة أميركية تدعى بربارة، تعمل متطوعة في مكتب جبهة التحرير الجزائرية، أيام كان آيت أحمد مديراً له. وبربارة يهودية من أصل روسي، والدها كان يسارياً معروفاً من «المنشفيك»، أو جماعة المناشفة التي انشقت عن «البلشفيك»، خط لينين. وكانت بربارة قد تمكنت من الاتصال بالسيناتور جون كيندي، الرئيس لاحقاً، وحصلت منه على رسالة يعترف فيها بجبهة التحرير أيام حرب الجزائر. اعتراف أقام القيامة في فرنسا.
فاز سيمون مالي بقلب بربارة. تزوجا وانتقلا، أواخر الستينات، للإقامة في باريس. أسسا مجلة «أفريك آزي» المتخصصة في شؤون حركات التحرر. ولم يكن صاحب المجلة محايداً. أقام علاقات وطيدة مع أحمد سيكوتوري في غينيا ومع حزب مانديلا في جنوب أفريقيا ومع الزعيم الفلسطيني عرفات. وكانت علاقاته متوترة مع الزعماء الأفارقة المقربين من الغرب. يكتب افتتاحيات تهاجمهم ويكشف عن صفقات مشبوهة. صار سيمون مالي مزعجاً لفرنسا، يسمم علاقاتها مع حلفائها.
تجرأ ونشر مقالاً عن فضيحة أحجار الألماس التي تلقاها الرئيس جيسكار ديستان هدية من الإمبراطور الأفريقي بوكاسا. وذات يوم سحبه رجال الأمن من سيارة أجرة كان يهمّ بركوبها واقتادوه إلى المطار ووضعوه في طائرة ذاهبة إلى نيويورك. ولم يكن معه جواز سفره الأميركي الذي حصل عليه بعد أن منع السادات تجديد جوازه المصري. انتهى به المطاف في جنيف. ومن هناك اتصل بالعراق وتلقى الدعم للاستمرار في إصدار مجلته.
خسر جيسكار الانتخابات، بسبب هدية بوكاسا، وجاء الرئيس الاشتراكي ميتران إلى الحكم. عاد سيمون مالي مظفراً إلى باريس. كان الصحافي الذي اشتهر بإجرائه مقابلة مع كاسترو استمرت لعشرين ساعة متواصلة. رياضة معتادة للزعيم الكوبي، لكن هات من يتحمّل. وكان سيمون مالي قد بدأ حياته في المهنة بمقابلة مع الزعيم الصيني شو إن لاي، أيام كانت الصين مقفلة حتى على الطير. وأثارت المقابلة ضجة قبل أن يتبين أنها مفبركة.
بعد مسيرة حافلة زادت على الثمانين حولاً، توقف قلب سيمون مالي في صيف 2006. وكانت صدمة احتلال العراق قد كسرته. رفض أن تقام له جنازة دينية. وأوصى أن يوضع تسجيل لأم كلثوم خلال التشييع.
وعودة إلى روبرت مالي، نجل سيمون وبربارة، الولد الذي لعبت مقاعد الدراسة دوراً في ترتيب مصيره. فهو كان زميلاً لباراك أوباما في الجامعة، ما أتاح له، فيما بعد، العمل في حملة الرئيس. لكن البداية كانت في باريس، حين تشارك منضدة الصف في المدرسة الدولية مع طالب أميركي آخر يدعى أنتوني بلينكن، هو اليوم وزير خارجية الولايات المتحدة.

جريدة الشرق الاوسط