مسلسل “الفصول الأربعة” شكّل حالة خاصة أسّستها عوامل متعددة، من بينها المناخ العام الذي كان سائداً آنذاك
ريم حنّا كاتبة تستلهم في أعمالها روح النوستالجيا، إلى جانب الجرأة والقوة في الطرح، حيث تتحوّل الذاكرة إلى مساحة نابضة بالحياة تتداخل فيها التفاصيل الصغيرة مع مشاعر إنسانية عميقة.
هي كتابة تلامس العاطفة بهدوء، وتمنح القارئ فرصة للعودة إلى لحظات مفقودة، وكأنها تعيد إحياء ما يسكن في داخلنا من حنين دون أن تفرضه علينا.

من المسرح فوق السرير إلى كتابة أشهر الحكايات العائلية
متى أدركتِ أنكِ تريدين أن تكوني ريم حنّا الكاتبة؟
قبل الورقة والقلم، كانت لدينا عادة عائلية جميلة: الحكاية. كنا نتحدث كثيراً، وكان الخيال هو المحرّك الذي ينتج تلك القصص. وكان هناك دائماً مَن يصغي ويستمتع من الأصدقاء والأقارب.
أما أوّل مرّة خطرت لي فيها فكرة الإمساك بالورقة والقلم، فحين كنت في عمر أقلّ من عشر سنوات. كتبت نصاً اعتبرته في ذلك الوقت مسرحية، وتولّى شقيقاي مروان وبشار تمثيله. حوّلنا سريراً خشبياً إلى خشبة مسرح، وابتكرنا بطاقات لدخول العرض؛ أظن أن سعر البطاقة كان فرنكاً أو فرنكين، ما يعني أن المشروع كان تجارياً منذ بدايته! (تضحك).
وكادت المسرحية تفشل لولا تدخّل شقيقيّ وإجراؤهما بعض التعديلات التي جعلت الجمهور يضحك. بالطبع، كان الجمهور يومها من الأطفال دون الثانية عشرة، لكن ذلك أنقذ العرض بالفعل.
عندما نسمع اسم ريم حنّا نشعر بأننا نتحدث عن فرد من العائلة. هل ترين أن هذا هو أجمل نجاح يمكن أن يحققه الكاتب؟
يسعدني هذا الوصف بأنني جزء من العائلة، بالتأكيد. أما متى شعرت بذلك؟ (مازحة) أنا لم أشعر به، بل أنتم من شعرتم به. ربما يعود السبب إلى أنني دخلت إلى الناس من باب المسلسل العائلي، ذلك النوع من الأعمال الذي يقترب من تفاصيل حياتهم اليومية. وفي النهاية، أرى أن أهم نجاح يمكن أن يحققه العمل هو أن يصدق المشاهد ما يراه على الشاشة، وأن يشعر بأن ما يشاهده حقيقي ومقنع.
في عصر السرعة والتحولات المتلاحقة، ما أكثر ما يزعج الكاتبة في هذا الزمن؟
الكتابة هي رصد لتحولات المجتمع وتأمل في تغيّر الإنسان وعلاقته بنفسه وبمحيطه، وهذا يحتاج إلى وقت وسرد. أكثر ما يزعجني في هذا العصر السريع أنه لا يمنح الكاتب فرصة كافية للتأمل والتقاط التفاصيل. فالكاتب بطبيعته يحب التمهّل، بينما إيقاع الحياة اليوم يركض أسرع من الحكاية.
كانت الدراما السورية حاضرة في كل بيت عربي. كيف تنظرين إلى هذا الحضور اليوم؟
سبق لي أن قلتُ إن الدراما السورية مرّت بوعكة نتيجة الظروف الصعبة التي عاشتها. واليوم هناك محاولة لاستعادة حضورها وأنفاسها من جديد.
أتمنى أن تعود إلى المنافسة مثلما كانت في السابق، وأن تواكب المستجدات والتقنيات الحديثة، لأن الزمن تغيّر وكذلك ثقافة المشاهدة تغيّرت.

الذاكرة والحنين… سرّ عالم ريم حنّا الإبداعي
كيف تتعاملين مع الذاكرة الشخصية والجماعية أثناء كتابة الشخصيات؟ وهل الكتابة محاولة لحفظ ما نخشى فقدانه؟
من أهمّ عناصر الكتابة هو رصد التحوّلات الاجتماعية. فالكاتب، في مكان ما، يشبه الكاميرا التي تلتقط اللحظة. والكتابة الدرامية هي أيضاً نوع من الوثيقة، لكنها تأتي في إطار الحكاية. والتوثيق لا يقتصر على المرحلة السياسية فقط، بل يشمل أسلوب الحياة: الأزياء، الأغاني، المأكل، قصات الشعر، وطرق التواصل قبل السوشيال ميديا، وحتى عبارات الحب وكيف كانت تتبدّل من زمن إلى آخر.
كذلك، يشمل أدوات كانت جزءاً من الحياة اليومية مثل الآلة الكاتبة، الحبر، والورق… وهي تفاصيل كثيرة لم تعد متداولة اليوم، وهنا تأتي أهمية العمل التلفزيوني في حفظها وتوثيقها ضمن الذاكرة الجماعية.
جعلنا “الفصول الأربعة” نشتاق إلى بيوت لم نعش فيها أصلاً. لو أعدنا مشاهدته اليوم، هل ترينه حكاية عائلة أم حكاية زمن مضى؟
مسلسل “الفصول الأربعة” شكّل حالة خاصة أسّستها عوامل متعددة، من بينها المناخ العام الذي كان سائداً آنذاك. وكأنه كان يصوّر سوريا قبل التحوّل وبعده. العالم يتغيّر بطبيعته، والزمن يتغيّر معه، وكذلك شكل العائلة وأدوارها داخل المجتمع. أما فكرة “يا زمان ارجع يا زمان”، فهي أقرب إلى الحنين منها إلى الواقع، لأن الرجوع إلى الماضي كما كان غير ممكن.
“الفصول الأربعة” ودراما الغد: ماذا بعد؟
هل هناك شخصية كتبتِها وشعرتِ بنفور منها أثناء الكتابة؟
أعتقد أن علاقتي بشخصياتي قد تكون “علاقة سامة” (تضحك). فأنا إذا لم أقع في حب شخصية لا أستطيع كتابتها.
كما أنني أنحاز إلى جميع الشخصيات، حتى أتمكن من فهم المنطق الذي يحكم تصرفاتها والتعبير عنه بصدق.
هل نكتب لنفهم الحياة أم لنعيش حياة أخرى عبر شخصياتنا؟ وهل ثمة شخصية كتبتِها تحمل شيئاً منكِ؟
الكاتب يلعب دور “المدرب الحياتي”، فكأن الكتابة تعيد ترتيب أولويات المشكلة وتمنحها زاوية نظر مختلفة. شخصياً، هناك روايات وأفلام ومسرحيات غيّرت طريقة تفكيري، وهذا ما يمكن أن تفعله الدراما التلفزيونية أيضاً. فالفن قادر على التغيير، بل هو في جوهره فعل تغيير.
هل هناك عمل تندمين عليه أو كنتِ تتمنين تقديمه بشكل مختلف؟
لم أندم، خصوصاً في الوقت الحالي. أحياناً، ومع بعض الضغوط والصعوبات التي ترافق عملية الكتابة، قد أصل إلى لحظة أكره فيها الساعة التي بدأت فيها هذا العمل.
لكن مع مرور الوقت، أصبحت أتعامل مع الأمر بواقعية وشيء من التصالح، وأدرك أن هذه التقلبات جزء طبيعي من التجربة الإبداعية.
ما النصيحة التي تقدمينها للشباب الذين يحلمون بدخول عالم الكتابة في زمن السرعة؟
لا أحب أن أقدّم نصائح، لكن يمكنني أن أتحدث عن تجربتي التي عنوانها الصبر.
المشكلة، كما قيل سابقاً، أن الحياة اليوم سريعة وكل شيء فيها مستعجل. لا ألوم الشباب على ذلك، بل أتعاطف معهم، لأن آليات العمل أصبحت أصعب مما كانت عليه سابقاً.
وكل ما يمكنني قوله هو: امضوا وراء شغفكم، أحبّوا ما تفعلونه وكأنه حبّ مستحيل، وابقوا دائماً في حالة حلم.
السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: هل ما يزال هناك أمل في جزء ثالث من “الفصول الأربعة”
لا يوجد جزء رابع من “الفصول الأربعة”، لكن قد يكون هناك عمل عائلي قادم، بطابع مختلف.
ذكرتِ سابقاً أنكِ تفضلين أن يتولى رامي حنّا إخراج الجزء الثالث. بعيداً عن صلة القرابة، لماذا رامي تحديداً؟
بالنسبة لرامي حنّا، أتمنى أن يجمعنا أكثر من عمل في المستقبل. ولماذا أفضّله؟ بالتأكيد هناك الكثير من المخرجين الرائعين، وأنا فخورة بكل شراكاتي السابقة.
لكن ما يجمعني برامي هو أمر خاص، صعب أن يتكرر مع غيره، وهو الذاكرة المشتركة.

هل هناك شيء في الشخصية اللبنانية يلهم الكاتبة فيكِ أو يثير فضولها دراميًا؟
ما يلفتني في الشخصية اللبنانية هو الوضوح وحرية التعبير، ورغم حدّة الخلافات في الآراء التي قد تصل أحياناً إلى حدّ القطيعة، فإننا نجد في الأزمات الكبرى نوعاً من التضامن والوقوف إلى جانب بعضنا البعض. ففي الشدائد، يتجلّى التكافل الاجتماعي لدى اللبنانيين بأبهى صوره.
إذا طلبتُ منكِ أن تكتبي مشهدًا واحدًا يلخص لبنان اليوم، فكيف سيكون هذا المشهد؟
ألعاب نارية وقذائف تفرقع وتضيء سماء لبنان في وقت واحد.




