الشاعر علي جعفر العلاق: أنا شديد النفور من تقليد الآخرين

الشعر لا يكتبه بشر عاديون بل كلام يهبط من غيب معجز

النقد أدب وموهبة وإحساس عالٍ وليس مجرد علم أو شهادة دكتوراه

 

حاوره سليمان المعمري

(خاص لموقع العويس)

الحديث مع الشاعر علي جعفر العلاق ليس عن الشعر فحسب، بل عن تجربة نقدية ثرية وحياتية غنية، امتدت مسيرته بين الشعر والنقد والعمل الأكاديمي.

ولد عام 1945 في محافظة واسط بالعراق، وحصل على بكالوريوس اللغة العربية من الجامعة المستنصرية عام 1973، ثم الدكتوراه في الأدب والنقد الحديث من بريطانيا، وعمل العلاق في عدد من الجامعات العربية، منها الجامعة المستنصرية وجامعة بغداد وجامعة صنعاء، قبل أن يعمل أستاذًا للأدب الحديث والنقد في جامعة الإمارات حتى عام 2015، كما تولى رئاسة تحرير مجلتي “الأقلام” و”الثقافة الأجنبية”، وعمل مديرًا للمسارح والفنون الشعبية في العراق.

قدم العلاق عددًا كبيرًا من الدواوين الشعرية والكتب النقدية، منها “لا شيء يحدث.. لا أحد يجيء”، و”وطن لطيور الماء”، و”مملكة الغجر”، و”أيام آدم”، إلى جانب دراساته في الشعر العربي الحديث. وحصل على عدد من الجوائز العربية البارزة، منها جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية في الشعر (الدورة 16)، كما فاز عام 2023 بجائزة الشيخ زايد للكتاب في فرع الآداب عن كتابه “إلى أين أيتها القصيدة؟ سيرة ذاتية”، ومؤخراً حصل على جائزة النيل للمبدعين العرب.

في هذا الحوار الخاص لموقع العويس نتعرف إليه أكثر:

 

* عندما نقرأ سيرتك الذاتية عن طفولتك في البيوت الطينية ببغداد، وعن الوالدة التي كانت أول معلّمة شعر بصوتها الحزين وحكاياتها الشجية كما تروي؛ عندما نقرأ هذه الشهادة نشعر أن الشعر تسلل إليك من تجربة الحياة وليس من الكتب، اليس كذلك؟

ـ نعم، ويبدو لي أن هذا الافتراض يجب أن يترسخ في الذهن: أن الموهبة لا تأتي من الكتب، الكتب تغذي الموهبة مثل البئر التي تنضح مساماتها بالماء نتيجة للدفق والتغذية بالمياه الجوفية. في أول مرة تتوفر الموهبة، ثم يأتي الإنضاج والمران والدربة حتى تتعمق وتنضج تدريجياً.

لكن الموهبة وحدها قد تنتج لك نصاً أو مجموعتين شعريتين، لكنها ليست ذات أمد طويل إلا إذا غُذيت، والتغذية تأتي من رافدين مهمين: رافد القراءة والثقافة، ورافد الحياة، أن تفتح حواسك بشراهة لالتهام الدنيا بما تقدم لك من خير وسوء وعقبات. وثمة مطحنة في الخفاء، تلك المطحنة الشعرية التي تصهر كل هذه الجزئيات وكل هذا الغذاء وتُعطيه طعماً خاصاً؛ هو طعمك أنت وطعم قصيدتك المتميزة.

الإصغاء للشفاه

* على ذكر المطحنة، ماذا طحنت من الوالدة؟ وإلى أي مدى أثرت والدتك في تكوينك الشعري؟

ـ صحيح، الوالدة تلك الريفية البسيطة التي كثيراً ما أردد هذه العبارة عنها: “إنني كنت أصغي إلى شفتيها الغائمتين وهما تستجلجان الشعر”. ربما غذّتني بحدّة النظر للحياة بلوعة؛ قصيدتي ليست قصيدة محايدة في النظر للأمور، هي قصيدة أقول عنها دائماً إنها قصيدة قلبية. في وقت تجد كثيراً من النصوص الشعرية مثل “الإسفنجة المعصورة” تتكلم بحيادية وبورود، وكأنها لا شأن لها بالجرح، نقرأ القصيدة بها براعة وذكاء ومهارة، بها “عدّة نجارة” كما يقول الراحل خالد علي مصطفى، لكن ليس فيها هذا الشجن ولا هذا الخيط المجروح الذي يربطك بالأشياء.

غذّتني بهذا الجانب؛ كنت أصغي ـ وأنا طفل ـ إليها وهي تقرأ في التعزيات والمناسبات الدينية لنساء القرية، وأبكي بشجن شديد لجمال صوتها، وللمعاني العميقة والبسيطة في آن لقصائد شعبية ترتجلها. هذا جانب.

الجانب الثاني يقع خارج النصوص؛ إصرارها – وهي الريفية البسيطة – على أن نترك القرية لأن والدي أصيب بضغط الدم ونحن في قرية بعيدة عن المدينة، فكانت دائماً تقول له: “لماذا علمتهم القراءة والكتابة؟” والوالد هو الذي علمنا القراءة والكتابة. نحن أربعة إخوة، ثلاثة أشقاء وأخ من زوجة أخرى. كانت تقول: “هل سيبقون عبيداً للأرض؟ دعهم يرون العالم والدنيا”. هذا وحي كبير منها وهي الريفية البسيطة، لم تكن ترى أن أبناءها يجب أن يبقوا في الأرض بل يستحقون حياة معرفية أفضل. وظلت تلح على الوالد، وهو الشديد الارتباط بالأرض والناس والجلوس في الدواوين، وكان متحدثاً لبقاً على بساطة ثقافته، وفعلاً استطاعت أن تقنعه أن نذهب إلى بغداد.

* دعني أسألك عن الوالد؛ هل وصيته هي التي حدت بك إلى إكمال دراستك فعلاً، وليس البكالوريوس فقط بل الدراسات العليا أيضاً؟ وكأنك كنت وفياً لهذه الوصية.

ـ أنت اخترت تعبيراً موفقاً؛ إنها وصية قبل حادثة الوفاة التي لم تكن حادثة عادية بل أسرعت بي إلى الهرم كما أقول في قصائدي. قبل ذلك زرع فيّ الثقة بالقدرة على الحديث؛ كنت معجباً بقدرة الوالد وهو فلاح (أكثر من فلاح وأقل من مالك أرض)، وكان يتباهى بي عندما أحفظ شيئاً من القرآن أو الشعر الشعبي حتى أقرأه أمام الناس، إلى أن أصبحت أرى ذلك حاجة نفسية وروحية أطالبه بها.

الوصية جاءت لتعزز الحلم لكسر القفص الاجتماعي الذي حدّني في بيئة معينة وأطل على عالم أفضل. الوالد خمن أن لدي هذا الطموح والمقدرة. وتلك الوصية ظلت حريصة عليّ عمري كله.

مرة في احتفالية ببغداد قلت: “وصايا الوالد حالت بيني وبين أخطاء ضرورية في الحياة كان عليّ ارتكابها حتى أنضج”، لأنني في كل موقف كنت أسأل نفسي: هل يليق هذا الموقف بي وأنا ابن فلان، ذلك الإنسان الحالم بأن يكون لابنه شأن في الكتابة؟ ظلت شخصيته حاضره تراقبني أخلاقياً.

زوال الوهم

* الآن نأتي إلى لحظة التماس المباشر الأول مع القصيدة، في صباحك الأول بالمدرسة رأيت شاعراً يقرا قصيدته لشعورك وكأنك رأيت شيئاً من المستحيل. احكِ لنا عن هذه اللحظة.

ـ حينما سمعت أول قصيدة تقال من قبل أحد الطلاب المتقدمين في الابتدائي (الصف السادس)، القصيدة كانت من درس المحفوظات. ما حفظته سابقاً من شعر لم يكن مقترناً بمؤلف، فولد لديّ وهم بأن الشعر لا يكتبه بشر عاديون بل كلام يهبط من غيب معجز.

تبخر هذا الوهم ذلك اليوم حين سمعت القصيدة مقترنة باسم معلم في المدرسة ذاتها وهو “خطاب سلمان العبيدي”. التفتُّ وتساءلت وظلت عيناي معلقتين به: لماذا هو دون غيره أصبح شاعراً؟ وهل شرط الشاعر أن يكون معلماً أو يمتلك تخصصاً معيناً؟

المفارقة أنه في الدرس الأول جاء ليغطي حصتنا، فكنت غائباً عما يقول وأركز في طريقته في السير والحديث وتصفيف شعره وملابسه، ظاناً أنها كلها من عُدة الشاعر. فكانت هذه الصباحية بداية لزوال قشرة الوهم العالقة عندي.

*  أود أن أسألك عن أول قصيدة تكتبها، خصوصاً أنك وصفتها في سيرتك الذاتية بأن بغداد نفسها كانت تنحني فوق الورق لترى اسمك.

ـ كانت هناك بدايات متعثرة، لكن في عام 1964 بعثت بقصيدة إلى مجلة “العاملون في النفط” التي تصدرها شركة نفط العراق، وكان الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا مشرفاً عليها.

كنت معتاداً على شراء المجلة شهرياً دون أمل بالنشر. بعد شهرين من إرسال القصيدة ذهبت واشتريت نسخة، وتصفحتها فوجدت قصيدتي في الصفحة الأولى من العدد قبل قصائد شعراء راسخين مثل إبراهيم الزبيدي وراضي مهدي السعيد.

عدت للإدارة لأشتري أربع نسخ، وسألني السكرتير “أبو توفيق”: “ماذا تفعل بالأربع نسخ؟” قلت له إن لي قصيدة بالصفحة 10 باسم علي جعفر العلاق، فضحك وأعطاني النسخ مجاناً ووجهني للمحاسب لاستلام مكافأتي!

عدت أعبر الجسر متخايلاً أنني أصبحت شاعراً كبيراً ومهمّاً، وأن كل فتاة تمر تقصدني. هذه القصيدة كانت مفتاحاً لثقة غير عادية بالنفس؛ لأن الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا لا يمكن أن ينشر قصيدة ضعيفة، واختياره لها لتكون في صدارة العدد أعطاني غروراً واعتداداً بالمسؤولية تجاه القارئ.

السعي للابتكار

* وهذا ظهر في مجموعتك الأولى “لا شيء يحدث.. لا أحد يجيء” التي كانت إعلاناً مبكراً عن ولادة شعرية مغايرة.

ـ هذا صحيح، المجموعات الأولى هي الخزين لعدّة التقنيات الشعرية؛ الصورة الشعرية أساسية في قصائدي، والتركيز والإيجاز، والابتعاد عن الكلام الشائع. كنت شديد النفور من تقليد الآخرين، وأسعى دائماً للابتكار والمغايرة حتى لو وصلت الصورة أحياناً للغرائبية والتعقيد.

* ظهرت في الستينيات وتصف نفسك بأنك كنت قريباً من جيل الستينيات في المناخ وبعيداً عنه في الروح والمنهج. كيف تفسر هذا التموضع؟

ـ ضمّنا زمن واحد وهو الستينات، لكن اللغة وعدّة الشعر والبيئة مختلفة. أنا لا أكتب قصيدة بدافع ثقافي محض بل بحوافز لا أقوى على مقاومتها.

كنت خارج “الفنتازيا السريالية الستينية”. البيان الشعري الستيني كان يعكس شعرية فاضل العزاوي ولغته والنمط الذي يبشر به، بينما الشعراء الآخرون المذكورون فيه مثل سامي مهدي وخالد علي مصطفى وفوزي كريم لم يكونوا من نفس المناخ وسرعان ما انفضوا عن هذا التجمع.

نسور الشعر

* في شهادة لك بمناسبة فوزك بجائزة العويس ذكرت ثلاثة نسور شعرية: السياب، البياتي، وأدونيس. قلت إنهم يلتهمون أجيالاً كاملة. ما الذي أخذته منهم وما الذي رفضته بوعي؟

ـ أخذت الجذوة الوجدانية للنص دون التضحية بالتقنية الشعرية والمباشرة.

السياب: تجد في قصائده محنة إنسانية هائلة دون لجوء للمباشرة.

البياتي: لفتت انتباهي في الأساطير والأقنعة التي استخدمها بغزارة (وهو ما ظهر في شعري عبر الأساطير الرافدينية).

 أدونيس: أحببت غنائيته في مثل “أغاني دمشق”، لكنني لا أحب التركيب الذي يبعد القصيدة عن كونها شعراً ويحولها لعمل فكري.

قصائد أدونيس أحياناً مثقلة بحمولات فكرية تُخرجها إلى فضاء نثري فلا تلهب الوجدان. لكن ما استهواني عنده هو الفهم الجديد للشعر بأن اللغة انزياح عن المطابقة مع الواقع للارتقاء بالواقعة الإنسانية.

* سؤال أخير عن علي جعفر العلاق الناقد؛ كيف حافظت على حرارة قصيدتك من برودة النقد خشية أن يأكل الناقدُ الشاعرَ؟

ـ أنا أؤمن أولاً أن النقد أدب وموهبة وإحساس عالٍ وليس مجرد علم أو شهادة دكتوراه. النقد هو شهادة جمالية على النص وليس على العالم.

ثقافة الشاعر شيء وثقافة النص شيء آخر. الشاعر الحقيقي يمرر ثقافته (سواء كانت أسطورية أو ديننية أو تاريخية) لتتكامل وتتحد بمعاناته وطفولته وتجربته، أما الثقافة المعزولة عن القصيدة فتتحول لمعلومات تصدّ بها القصيدة ولا تصلح لتكون جزءاً من نسيجها الشعري المؤثر.