كشف الروائي الياباني هاروكي موراكامي عن الدور المحوري الذي أدته الترجمة الأدبية في تشكيل لغته وأسلوبه الروائي، موضحاً أن انتقاله بين الإنجليزية واليابانية في بدايات تجربته ساعده على الوصول إلى كتابة أكثر بساطة وإيقاعاً، وأبعده عن الصياغة التقليدية التي لم يكن راضياً عنها في محاولاته الأولى.
واستعاد موراكامي البدايات التي سبقت صدور روايته الأولى، مشيراً إلى أنه كان يترجم إلى اليابانية مقاطع من روايات إنجليزية أحبها. وكان للكاتبين الأميركيين فرانسيس سكوت فيتزجيرالد وترومان كابوت تأثير خاص في تجربته، إذ عززا لديه الإيمان بقوة الكتابة وإمكاناتها، وأسهمت أعمالهما في بلورة ملامح أسلوب هاروكي موراكامي.
وعندما بدأ كتابة روايته الأولى باللغة اليابانية، شعر بأن لغتها وبناءها أقرب إلى الصياغة التقليدية، ما دفعه إلى تجربة مسار مختلف. فأعاد كتابة بداية النص باللغة الإنجليزية، رغم أن معرفته بها آنذاك لم تكن تسمح له باستخدام حصيلة واسعة من المفردات أو بناء تراكيب طويلة ومعقدة.
وتحوّلت هذه المحدودية، على نحو غير متوقع، إلى أداة أسلوبية ضمن تجربته في الكتابة الإبداعية. فقد اضطر موراكامي إلى الاعتماد على مفردات محدودة وجمل قصيرة متتابعة، ثم أعاد النص الذي كتبه بالإنجليزية إلى اليابانية. ومن خلال هذه العملية اكتشف لغة أبسط وأكثر مباشرة، وواصل كتابة الرواية مستفيداً من أسلوب قريب من النص المترجم.
ولم تكن الترجمة والكتابة وحدهما وراء تكوين لغته الروائية؛ فقد شكّلت الموسيقى عنصراً أساسياً في طريقته في التعامل مع الأدب. وينظر موراكامي إلى النص من خلال مفاهيم الإيقاع واللحن والتناغم والارتجال، ويولي أهمية كبيرة للطريقة التي تقع بها الكلمات والجمل على أذن القارئ.
وتكشف العلاقة بين الموسيقى في أدب موراكامي واللغة جانباً من الخصائص التي ارتبطت بأعماله لاحقاً؛ فالجملة لديه لا تؤدي وظيفة سردية فحسب، وإنما تتحرك داخل الإيقاع العام للنص، في تجربة تجمع بين بساطة العبارة وبناء عالم روائي يتداخل فيه اليومي بالغرائبي والواقعي بالمتخيل.
وصدرت روايته الأولى «اسمع الرياح تغنّي» عام 1979، وحصلت على جائزة غونزو للكتّاب الجدد، وحققت مبيعات قاربت مئة ألف نسخة، لتضع صاحبها منذ بداياته في موقع متقدم بين كتّاب جيله، وتفتح الطريق أمام واحدة من أبرز التجارب في الأدب الياباني المعاصر.
أما محاولات تصنيف تجربته ضمن اتجاهات نقدية محددة، فيبدي موراكامي تحفظاً تجاه وضع أعماله تحت مسميات جاهزة، مثل ما بعد الحداثة أو ما بعد الاستعمار، ويفضل التعامل مع تجربته بوصفها ذات هوية خاصة أطلق عليها ببساطة «الموراكامية».
وتضيء تجربة هاروكي موراكامي مع الترجمة جانباً لافتاً من علاقة الكاتب باللغة؛ فالترجمة التي تبدو في ظاهرها انتقالاً لنص من لغة إلى أخرى، تحولت لديه إلى مختبر لاكتشاف صوته الخاص، فيما منحت الموسيقى كتابته الإيقاع الذي أصبح لاحقاً إحدى العلامات المميزة لعالمه الروائي.
المصدر: «العربي الجديد»





