أحمد الكبيري: أتيتُ إلى الكتابة من اليُتم وطعنة الموت وضياع المعنى

الروائي المغربي: الكتابة قلق وجودي وهوس ذاتي.. وفي ظل شروطنا الثقافية تبقى فعل مقاومة.

يعتبر أحمد الكبيري من الكُتّاب المغاربة الذين ظلوا أوفياء لجنس الرواية، وقد عالج في رواياته قضايا اجتماعية وإنسانية متعلقة بالمجتمع المغربي، والإنسان عامة، كما ساهم في تحديث الكتابة الروائية من خلال أعماله الروائية المتعددة، التي تلامس أسئلة الإنسان الكونية، بلغته الجميلة التي تجمع بين التخييل والواقع. وقد أصدر عددًا من الروايات، من بينها: «مصابيح مطفأة»، و«مقابر مشتعلة»، و«كلاي»، ثم «أرصفة دافئة»، وآخرها رواية «أحلام ملتبسة»، التي أصدرتها دار الفنك للنشر بالمغرب.

في هذا الحوار مع “العرب” نكتشف عوالمه الإبداعية، ونتعرف إلى آرائه حول الكتابة الروائية والإبداع في المغرب وخارجه، ومدى تأثير الكتابة في المجتمع، لا سيما في الزمن الراهن الذي يعرف تحولات سريعة وتقلبات غير متوقعة.

القدوم إلى الكتابة

حول تجربة الكتابة في البداية، وما الذي قاده إليها، يقول أحمد الكبيري

“كل الشكر لك على منحي هذه الفرصة للتواصل مع قراء جريدة ‘العرب‘ الغراء وباقي المهتمين بالأدب وقضاياه. وما أتمناه هو أن يكون هذا الحوار، مع حرارة الصيف المرتفعة، خفيفًا وواضحا ومفيدا.أما بالنسبة إلى تجربتي مع الكتابة، وبداياتها على وجه الخصوص، فأعتقد جازمًا، من خلال قراءاتي لسير كُتّاب كبار، وأيضًا من خلال تجربتي المتواضعة، أن البداية تكون دائمًا مبكرة، وتعبر، بشكل ما، عن وجود موهبة وشغف لدى الكاتب وهو ما يزال يافعًا، بالخربشة والقراءة والتقليد والتجريب.”

ويتابع “في مرحلة لاحقة تأتي البداية الحقيقية، عندما يصبح الكاتب واعيًا بهذه الموهبة، فيعلن للعالمين عن نفسه، من خلال نشر نصه الأول. طبعًا بعد أن يكون صقل هذه الموهبة بالتجربة والمعرفة. واختياره للنوع الأدبي الذي يجد نفسه فيه. وهذا ما حصل معي بالضبط. لقد بدأت بمحاولات شعرية، لكنني اكتشفت أن ثرثرتي الداخلية، ومفارقات الواقع وبشاعته، أكبر من كثافة وصور وبلاغة الجملة الشعرية. باختصار، وجدت أن ازدحام ما أود التعبير عنه لا يمكن أن تقوله إلا الرواية.”

الإبداع الأدبي ليس مطلوبًا منه، أو مفروضًا عليه، أن يُحدث، كما هو الأمر بالنسبة إلى السياسة، تغييرًا في المجتمع

يُقال دائمًا إن القراءة هي التي تورط الناس في الكتابة. نسأل الكبيري هل كتبت انطلاقًا من قراءاته، أم أن الصدف هي التي قادته إلى الكتابة، كما حدث للكثيرين؟ ليؤكد أن القراءة هي زاد الكاتب لصقل موهبته، وهي الشرفة الفسيحة التي سيطل منها على حدائق الكُتّاب الآخرين، وهي أيضًا المنظار الذي سيلتقط به تفاصيل بعض ما يحدث في سماوات الإبداع البعيدة. بل لعلها السبيل الأنجع لتراكم المعارف والخبرات، ولاكتساب وعي نقدي متبصر.

ويضيف “هذه قناعتي. لكنني، مع ذلك، لا أعتبر القراءة، وإن كانت كثيرة ومتنوعة وبلغات مختلفة، قادرة وحدها على صنع كاتب. وإلا أصبح ملايين القراء في العالم كُتّابًا. وأظن أن الكاتب الحقيقي يأتي من التجربة، من الجرح، من الألم، من المعاناة، وربما من قلق وجودي ذي ظلال كثيرة، لا يعرف الكاتب نفسه كيف يسيطر عليه. وبمعنى ما، تصبح الكتابة رؤية صاحبها للحياة وموقفه الذاتي من العالم.”

ويذكر “أنا أتيت إلى الكتابة من اليتم، من طعنة الموت القاسية، ومن ضياع المعنى في زمن مبكر جدا. أنا مثلا لا أعرف إحساس الشخص الذي له أم؛ ففي سن الثانية عشرة، عندما ماتت أمي، فقدت، إلى الأبد، معناه. وربما كانت شرارات الكتابة الأولى، قد تفجرت في وأنا لا أزال طفلا، بحثًا عن هذا المعنى، أو ربما لمواجهة متاهات الضياع.”

ثلاث مراحل

كتب الكبيري منذ البداية في جنس الرواية، وبقي وفيًّا له. تسأله “العرب” عن هذا الاختيار، وهذا الوفاء أيضًا، ليجيبنا “ربما لأن الرواية بنت التفاصيل. وأيضًا لأنني جربت، في البداية، كتابة الشعر، لكن القصيدة لم تمنحني شرف ارتداء معطف شاعر حقيقي، باستطاعته أن يختصر مأساة العالم في صراخ يمامة، روَّعت حدأةٌ كتاكيتها. ثم لأن الرواية مجال يتسع لكل الفنون والأنواع الأدبية الأخرى بما فيها الشعر والقصة والمقالة والحوار.”

لكل كاتب عالمه الخاص. نسأل الكبيري: كيف يعيش هذا العالم، وكيف يختاره أيضًا؟ فيقول “عالمي الروائي غالبا ما ينطلق من حدث واقعي معيش، محسوس وملموس، لكن فكرة الكتابة عنه تسكنني فترة طويلة، ولا أتخلص من وطأتها عليَّ إلا بعد أن تصبح نصًّا مكتوبًا. لكن هل هذا معناه أنني أنقل الواقع كما هو، بينما أساس الكتابة الروائية هو التخييل؟ طبعًا لا. ذلك أنني، عند كتابة أي نص روائي، أمر بثلاث مراحل أساسية”.

◄ أحمد الكبيري من الكُتّاب المغاربة الذين ظلوا أوفياء لجنس الرواية، وقد عالج في رواياته قضايا اجتماعية وإنسانية متعلقة بالمجتمع المغربي، والإنسان عامة

ويواصل “أولًا: جمع المادة الخام حول الموضوع أو الفكرة التي سأكتب عنها. وهذا يتطلب بالضرورة القيام بقراءات وبحوث مكتبية وميدانية، وقد يستغرق ذلك شهورًا أو سنوات. ثانيًا: إعداد التصميم، أو الوعاء الذي ستُصب فيه، بشكل فني وتخييلي ممتع، حمولة الخطابات والرسائل والأسئلة والمواقف والرؤى التي تشغلني. وثالثًا: وهي المرحلة الأصعب، مرحلة الإنجاز، التي قد تصادفني فيها، كما في باقي المشاريع، صعوبات وإكراهات وعراقيل، وقد تجعلني، لسبب ما، مضطرًا إلى التوقف والانتظار لبعض الوقت ريثما أستأنف الكتابة.”

ويظن أن أصعب ما يعيشه الروائي في هذه المرحلة، هو ذلك الحرص الدائم والمتواصل على أن تسير الأحداث وفق منطقها الواقعي، الذي يحكمه زمن وقوع الحدث، وما ينبغي اعتماده تخييليا، بناء وخطابا، في زمن الكتابة، كي يوهم القارئ بواقعيته وصدقه. ناهيك عن تحرك الشخصيات المستمر وتشابك الأحداث وتعالق المصائر، والانتقال من فضاء إلى آخر. فأي إهمال أو سهو، قد يؤدي إلى الإخلال بهذا المنطق. وبالتالي قد نصبح في رمشة عين، أمام بناء مترهل وخطاب ضعيف ومتعة مفتقدة.

عالم الروايات

الرواية العربية عرفت منعطفات متعددة منذ القرن الماضي، وفي الزمن الراهن يعتبرها كثيرون ديوان العرب. أما أحمد الكبيري فيعتقد أن هذه المفاضلات في الإبداع عمومًا، وفي الإبداعات الأدبية على وجه الخصوص، خارج نطاق البحث النقدي والأكاديمي، لا قيمة لها ولا معنى. صحيح أنه في السنوات الأخيرة، ولعدة أسباب ذاتية وموضوعية، أضحى حضور الرواية في المكتبات، وفي الإعلام، وفي الحياة الثقافية عمومًا، لافتًا. بل يبدو أحيانًا مهيمنًا.”

ويتابع “لكن هل يعني ذلك أن الشعر والقصة والمسرح وباقي التعبيرات الأدبية الأخرى قد انقرضت؟ لا أظن ذلك. يكفي أن تولي الجهات الداعمة والمشجعة للثقافة في العالم العربي، اهتمامها بنوع معين من هذه الإبداعات، (شعر /قصة…) تماما كما فعلت مع الرواية، عندما خلقت لها عدة جوائز سمينة ومحفزة، ليرتفع منسوب هذا النوع، وتتعاظم الهجرة إليه. والسؤال الأساسي، الذي يجيب عنه واقع القراءة وسيجيب عنه التاريخ لاحقا، هو: هل كل ما يُنشر ويُدعم ويُكافأ من أعمال روائية، تحت يافطات شتى يُعد بالفعل عملا أدبيا حقيقيا ويستحق فعلًا تلك المكانة وذلك التتويج؟”

ويرى أن الغربلة النقدية غير المتواطئة للكثير من الأعمال المروج لها، سيكشف أن الغث فيها أكثر بكثير من السمين. حتى إننا أصبحنا نلاحظ، أن كل من اشتغل بالأدب، تدريسًا أو نقدًا، فكر في فذلكة رواية (ولو بقيت رواية واحدة ويتيمة في مساره الأدبي كله)، وخرج بها إلى العالمين، طمعًا في جائزة أو في لقب أو حظوة متوهمة، إلى درجة أنك حين تقرأ رواية حصلت على جائزة ما، تتساءل عمَّا إذا كان الهدف الحقيقي من هذا التتويج هو الانزياح بالكتابة بعيدًا عن المرامي والأهداف التي تنشدها كتابة رواية حقيقية، وهي الانشغال بهموم الإنسان وقضاياه.”

في المغرب يُقال إن الرواية ليست مقروءة على نطاق واسع. يعلّق الكبيري

“للأسف، ليست ثمة، حسب علمي، بحوث أو أرقام يمكن الارتكاز عليها لإصدار حكم موضوعي في هذه المسألة. لكن، حسب تجربتي المتواضعة، سواء كمهتم ومتابع عن قرب للشأن الثقافي في المغرب، منذ حوالي أربعين سنة، أو ككاتب نشر جل أعماله على نفقته، ثم النشر مع دار كبيرة كدار الفنك، أقول لك إن كل مؤشرات المبيعات، سواء بالنسبة إلي أو لغيري من الكُتّاب المغاربة المكرسين، لا تتجاوز، في معظمها، ألف نسخة، خلال سنة أو عدة سنوات من صدورها.”

ومعنى هذا، في اعتقاده، بشكل موضوعي، أن قراءة الأدب المغربي بالنسبة لعدد سكان المغرب، ضعيفة جدا وغير مستمرة. بينما المفروض، كما هو الحال بالنسبة إلى كتب محمد شكري وبعض الكُتّاب القلائل جدًا، أن تحظى الرواية الناجحة بشرف الاستمرار في الطبع والنشر والترجمات والحضور والتداول المستمرين. لكنه، في الوقت نفسه، لا يمكنه الجزم بأن الناس لا يقرأون.

الفن هوس ذاتي

الكتابة الإبداعية، بالنسبة إلى الكاتب الحقيقي، شبيهة بالقلق الوجودي الذي يسكنه؛ فهي مستمرة معه وفيه

يرى ميلان كونديرا أن الإبداع الأدبي هو بحث دائم عن الوجود الإنساني. انطلاقًا من ذلك، تسأل “العرب” أحمد الكبيري كيف يرى تأثير الإبداع في المجتمع؟

فيجيبنا “باختصار شديد، الإبداع عمومًا، والإبداع الأدبي على وجه الخصوص، ليس مطلوبًا منه، أو مفروضًا عليه، أن يُحدث، كما هو الأمر بالنسبة إلى السياسة، تغييرًا في المجتمع.”

ويقر بأن الفن، أولًا وأخيرًا، ابن المتعة. لكنها متعة مولدة للأسئلة الذكية، وناقلة، بسلاسة، للمعارف والخبرات والمواقف المنتصرة للإنسان وقضاياه. أما ما قد يُحدثه من تغيير، فهو تغيير  في العقليات والوعي والفكر. وهو رهان قد يتحقق فعلا، ولكن عبر سنوات طويلة وربما عبر أجيال.

الكتابة صارت بلا جدوى، هكذا يردد الكثير من المتشائمين. نسأل الكبيري: هل يرى أن الإبداع الأدبي يقوم بدوره في الزمن الراهن؟ ليقول “أعتقد أن الكتابة الإبداعية، بالنسبة إلى الكاتب الحقيقي، شبيهة بالقلق الوجودي الذي يسكنه؛ فهي مستمرة معه وفيه. ومتى طُرح سؤال الجدوى، توقف وانتهى. ففي الكتابة، كما في الفن عمومًا، ثمة هوس ذاتي يشغل الكاتب طول الوقت، هو التعبير، فنيًا، عما يعتمل في دواخله من مخاضات وأفكار، وإخراجها إلى الوجود. أما الباقي، فمجرد تفاصيل لاحقة قد لا تعنيه البتة.”

أصدرالكاتب المغربي الكثير من الروايات، ولعل بعضها يتشكل الآن، وقد ينشره في المستقبل. نسأله لماذا يكتب ولمن؟

يقول “أحيانًا، وبكل صدق، لا يعرف الواحد منا كيف يجيب على مثل هذه الأسئلة. لكن الشيء المؤكد، هو أنني أكتب لأن ثمة شيئًا ما هادرًا بداخلي؛ شيئًا يسكنني، يتمخض، ويتلاطم، ويصرخ، ويتوجع، ويتساءل، ويثور، وقد يظل على تلك الحال شهورًا وسنوات. ولا أرتاح وأتخفف منه، إلا عندما أفلح في تنويمه مغناطيسيًا على بياض الصفحات. أما مسألة نشر الرواية وتوزيعها، فتلك عملية لاحقة للكتابة، لها شروطها وحكاياتها الخاصة، لا يتسع المجال للخوض في تفاصيلها.”

وبسؤاله عن الواقع الثقافي في المغرب وخارجه. هل هو واقع صحي مطمئن، أم أن هناك أزمات كثيرة تحتاج إلى العلاج؟ يجيبنا “أعتقد أن وضعنا الثقافي يشبه، إلى حد كبير، وضع بلداننا. فبلدان متخلفة، غير ديمقراطية، لا تولي القطاعات الأساسية، كالتعليم والصحة والشغل والثقافة، أي اهتمام حقيقي، وتنعدم، أو تكاد تنعدم فيها الحريات؛ لا يمكن أن يكون وضعها الثقافي إلا متخلفًا وعلى جميع المستويات. وأنا جد آسف لأقول لك بأن للكتاب ودور النشر والمؤسسات والجمعيات الثقافية في عالمنا العربي، يد طويلة في هذا التخلف.

لذلك اعتبرت دائمًا أن الكتابة، في ظل هذه الشروط، فعل مقاومة.”