الشيخة بدور القاسمي.. «أخبرهم أنها هنا»

‏كثيرة هي التصورات حول حياة أبناء الأمراء، خصوصاً أخبار وسائل التواصل الاجتماعي الصحيح منها والمختلق. لذا توقفت أمام كتاب سمو الشيخة بدور القاسمي «أخبرهم أنها هنا.. بحث عن مملكة مليحة». دار ببالي أكثر من تساؤل حول المادة، التي يحملها الكتاب، لسيدة أعرف تماماً شغفها بالعلم والمعرفة والكتاب، وأعرف أنها سليلة بيت فكرٍ وثقافة، وأسرة يقودها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي حاكم الشارقة، رجل ينتمي إلى الفكر والبحث والتاريخ والثقافة والمسرح والكتابة وأهلها بقدر انتمائه إلى السلطة والحكم.
‏مع الصفحات الأولى شعرتُ أنني أمام مادة مختلفة، وكتابة مختلفة تغوص في أعماق النفس البشرية، مثل ما تبحث في تاريخ بلادها، وتعيد اكتشاف الأماكن والآثار والحكايات والأساطير، وهذا كله يأتي متصلاً بفهم صوفي تجاه الحياة، ومسيرة الإنسان، وعلاقته بخالقه، وقدره ونفسه!

كتاب «أخبرهم أنها هنا»، يقول عن عالم الشيخة بدور القاسمي الخاص بشكل آسر، وهو يقول أيضا كيف يمكن أن تكون عزيمة وإصرار أميرة قادرة على أن تفتح آفاقاً كبيرة في تسجيل تاريخ جديد لآثار الشارقة والإمارات، مثلما تفتح كوة كبيرة لمعرفة النفس الإنسانية خصوصًا، إن مادة الكتاب تأتي بشكل مشوّق أقرب ما يكون إلى الرواية.

«هذا الكتاب هو نسيجي السرمديّ، نسجته من نول قلبي.. لا أكتب لمجرّد الحكاية، بل لأتذكّر، واستحضر، وأعيد بناء ما ظل حيًّا في الروح ولم يندثر.. إننا لا ننسج من الذاكرة وحدها، بل من الممكن أيضاً، من قماش تنبت خيوطه من الجذور، وتتشكّل من الأسطورة، التي وظيفتها أن تحمل الروح الإنسانية إلى الأمام.. إذ ليست الكتابة مجرّد فعل، بل دعاء وابتهال».

تُشكّل هذه الكلمات مفتاح فهم الكتاب، فهو كتابة للاستحضار الذي يُراد له ألا يندثر، مثلما يُراد له أن يقول جديداً في علامات التراث والجغرافيا وتاريخ الأرض وروح الإنسان!

يقدّم الكتاب صورة مغايرة لا تمت بصلة لتلك الشيخة، التي نراها زاهية في افتتاحات معارض الكتب، ومجالس إدارات المعاهد والجامعات، فهي بعد أن قاست أصناف التعب البدني والنفسي في رحلتها للوصول إلى قمة جبل كليمنجارو، رددت تقول: «وأنا أصعد كليمنجارو، أدركت أنني لا أرتقي نحو القمة فحسب، بل أنحدر أيضًا إلى معرفة أعمق بنفسي.. علّمني هذا الجبل كيف أنصت، كيف أتنفّس، كيف أستسلم، كيف أتغيّر.. رأيت بصفاء ما يجب أن يتغيّر في حياتي، وما ينبغي تركه، وما يستحق البقاء، وما يجب أن أحفظه عميقًا في القلب».

في الغرب اليوم عدد هائل ومتجدد من كتب «التنمية البشرية وتطوير الذات»، وكتاب الشيخة بدور يمكن أن يندرج تحت هذه الكتب في تنمية الذات، لكنها تنمية مختلفة تأتي عبر فهم عميق للآيات القرآنية، واقتراب ملموس للتراث الصوفي الإسلامي: «فجأة، من دون إنذار، ارتفع صوت، ليس في أذني، بل في أعماق ذهني. همسة واضحة، آمرة، آتية من ما وراء: أخبروهم أنها هنا..، حدّقت من حولي محتارة ومنتبهة، لم أرَ إنسانًا، ومع ذلك ارتعش جسدي بأكمله.. شعرت كأنهم كانوا يهتفون ويزغردون ويغنون، تتردد فرحتهم حولي كجوقةٍ خفية لا تُرى.. جرفني تيار من المعنى والغاية، وشعرتُ أن الحجاب بين العوالم قد انزاح لبرهة عابرة، وكافية لأن يبوح بما وراءه».

كل صفحة في الكتاب تقول عالمها ببوحها عن قناعات ورؤى وممارسات، مثلما تسجّل تاريخ: أشواك كلباء، وطقوس عبادة الأفاعي، وشمس تُشرق على العتبات، والحيوات المنسيّة في مليحة، والملكات الراقدات في صمت مليحة، وهمس الملكات، والخيل والصقور والقوس الخالدة، وغيرها كثير.. تحية مُستحقّة لكتاب مختلف، يقدّم «بدور» ساطعة في سماء كلمات لا تغيب!

جريدة القبس