انخفضت جودة الأدب، بعد اتساع مساحة النشر اتساعا هائلا، وتقلصت مساحة الفرز، وأصبح الأدب الضعيف أكثر ظهورا، والأدب الجيد صعب العثور عليه… ففي القرن العشرين مثلا، كان الطريق إلى القارئ طويلا، يبدأ بمخطوط، ثم ينتقل إلى محرر، دار نشر، ناقد، صفحات ثقافية، مكتبات، وصولا إلى القارئ. كانت لهذه المنظومة عيوبها بالتأكيد، لأنها استبعدت أصواتا مهمة أحيانا، لكنها كانت تعمل أيضا بوصفها مصفاة. اليوم يستطيع آلاف الأشخاص نشر رواياتهم سنويا، ورقيا أو إلكترونيا، وبعض دور النشر أصبحت قدرتها على الإنتاج أكبر بكثير من قدرتها على التحرير الحقيقي، فازداد عدد الكتب، ولم يزد عدد المحررين والنقاد الجيدين بالنسبة نفسها.
وهناك تحول آخر أخطر، حيث انتقلت سلطة الاختيار جزئيا من الناقد والمحرر إلى السوق والمنصة، فالكتاب الذي يستطيع أن يشرح في ثلاثين ثانية، وتقتبس منه جملة جميلة، ويملك غلافا جذابا، قد يحصل على حضور يفوق كتابا أكثر تركيبا، وهذا لا يعني أن الكتب الرائجة رديئة بالضرورة، إنما يعني أن قابلية الكتاب للتداول أصبحت قيمة مستقلة عن قيمته الأدبية.
كما أن بنية الرواية نفسها، تعرضت لأمر مماثل. فبات جزء كبير من الإنتاج المعاصر يكتب بإيقاع قريب من المسلسل، مثل الفصول القصيرة، والنهاية الخاطفة، إلى تكرار الحوار، والوصف المقتضب، والشخصيات التي يسهل التعرف إليها بسرعة.. وهذه تقنيات قد تنتج رواية عظيمة أيضا، لكن حين تتحول إلى وصفة سوقية تصبح الكتب متشابهة.







