الروائي الجزائري أمين الزاوي: العالم يبتدئ من عتبة البيت

بسبب الانتكاسات مع الواقع نستجلب الماضي  بديلًا عن الحاضر أو بديلًا عن المستقبل

حاوره خالد منصور

(خاص موقع العويس)

أمين الزاوي أحد أهم الأصوات الأدبية في الجزائر، وبسبب مشاغبته وبسبب كسره للتابو وُضع على قائمة الاغتيالات، بل وتعرّض لمحاولتي اغتيال وحُرقت كتبه في ميدان عام ربما لقدرته على هدم جدار التابوهات في المجتمع الجزائري ولقُدرته على مساءلة التاريخ، ومساءلة ما حدث بعد ثورة التحرير.

 

 أكثر من 15 رواية باللغة العربية ومثلها باللغة الفرنسية إضافة إلى كتب نقدية باللغتين العربية والفرنسية، إلى جانب العديد من الترجمات.

حصل على جائزة الحوار الثقافي عام 2007 التي يمنحها الرئيس الإيطالي. ومن المناصب التي شغلها أنه كان مدير المكتبة الوطنية بالجزائر وأيضًا مدير قصر الثقافة بوهران إضافة إلى عمله كمقدم لبرنامج ثقافي، وبالتالي فنحن ما بين مناحي واتجاهات إبداعية مختلفة من الرواية والنقد والترجمة وأيضًا الإعلام والعمل في الشأن الثقافي.

 *ماهي طبيعة علاقتك بجائزة العويس خاصة إنك كنت ضمن لجنة التحكيم في إحدى دوراتها أهمية هذه الجائزة وعلاقتك بها؟

ـ مؤسسة العويس أصبحت محوراً مركزياً في الثقافة العربية وأيضًا في الثقافة الإنسانية ونادر ما يجتمع المال الخاص بالثقافة نادر ما نجد رجال الأعمال يدفعون بالشأن الثقافي الإبداعي وحينما يكون المرحوم العويس يعني يمد هذه اليد السخية للثقافة فهذه هذه ظاهرة حضارية كبيرة تشرفت بأن أكون، للمرة الثانية، في لجنة تحكيم الجائزة ودائمًا كانت الجائزة مستقلة حرة في الاختيار وهذا ما يجعلها تأخذ مكانة حقيقيه في المشهد الإبداعي والمشهد الثقافي والأدبي في العالم العربي.

حكاية أمي

*بداية الكتابة كانت مع طفل صغير يريد أن يكتب حكايات أمه بطريقة ألفونس دودي، وبالتالي هذا يثير السؤال حول تحويل الشفهي إلى مكتوب وربما هذا من الأشياء التي يهتم بها أمين الزاوي هو تحويل العادي إلى رواية هذه العملية من تحويل تراثنا الشفهي إلى رواية مكتوبة بأساليبها الحديثة وأيضًا التقاط العادي وجمال الانتباه إلى العادي وتحويله إلى الرواية؟

ـ لقد وضعت إصبعك على شيء مهم جدا وهو كيف يمكن للأديب أن يحول اليومي إلى أسطوري هذه العملية قمت بها في علاقة حميمية وعلاقة اندماجية مع أم أمازيغية تتحدث اللغة العربية بصعوبة، وكنت أستمع إليها وهي تحكي وهي تروي الحكايات الشعبية الأمازيغية بلغة عربية مكسّرة حاولت منذ البداية أن انقل مثل هذه الحكايات إلى دفاتري كتدريب أو كممارسه رياضية على الكتابة لأنني اعتقد أن الكتابة هي أيضًا تشبه ممارسة الرياضية. علاقتي مع أمي علاقة داخلية حميمية وكنت قد قرأت كجائزة مُنحت لي، قصة صغيرة جدا اسمها «عنزة السيد سوغان» لألفونس دودي فحينما قرأت هذه القصة وجدتها تحكي عن معزة يأكلها الذئب في الغابة وقلت في نفسي حينما عرفت بأن الذي كتب هذه القصة سوغان أو عنزة السيد سوغان كاتب كلاسيكي كبيرًا جدا اسمه ألفونس دودي إذا كان ألفونس دودي هو كاتب كلاسيكي كبيرًا فتصورت بأن أمي تحكي أفضل من هذا.

*اقتحم أمين الزاوي تابوهات الجنس والدين والسياسة ومما جعله على راس قائمة الاغتيالات، بل وتعرّض لمحاولتي اغتيال وأيضًا في إطار المد التطرفي أيضًا حُرقت روايته «السماء الثامنة» في ميدان عام، بل وأيضًا الناشر تعرّض لمضايقات بسبب روايته الأولى هل كسر التابو هو غاية ام وسيلة أو هو عنصر أساسي في تكوين الكاتب أن يقتحم ويقلق القارئ؟

ـ نحن، للأسف، في الثقافة العربية المعاصرة نناقش أشياء وكأنها جديدة أنا اعتقد أن الفقهاء القدماء من الفقهاء المسلمين كسروا الكثير مما يسمى الآن تكسير التابوهات شعراء العربية كسروا كثيرًا من التابوهات يعني حينما نقرأ بعض فصول «الحيوان» للجاحظ أو نقرأ بشار بن برد أو أبو نواس أو نقرأ ابن الراوندي أو نقرأ النفزاوي أو السيوطي، نقرأ هذا التراث العربي القوي جدا الذي كان فيه المثقف المبدع حقيقي ما معنى المثقف المبدع المثقف المبدع هو الذي يوسع مجال الحرية أكثر بمعنى أن العالم يعيش داخل جدار، فالمبدع الذي يتحمل مسؤولية المغامرة هو الذي يستطيع أن يدفع هذا الجدار إلى الأمام حتى يوسع مسافة الرؤية بالنسبة إلى القارئ وهذا ما نسميه في نهاية الأمر تكسير التابوهات.

استثمار الثقافة

*هل الرواية هي أصدق الخطابات للتعبير عن المجتمع.

ـ اعتقد بأن العالم يبتدئ من عتبة البيت، ولكن لا ليعود إلى البيت لا يعود إلى الداخل ليذهب إلى الخارج، حينما ترجمت أعمالي إلى اللغة الألمانية دعوني إلى لقاء في لايبزغ، حيث حضر هذا اللقاء مجموعة من المستثمرين رجال الاقتصاد والمال، فسألت: ماذا يفيد الأدب بالنسبة لرجل أعمال مستثمر فقالوا  لي حينما نريد أن نستثمر في بلد ما فإننا نقرأ ادبه، لأن الادب هو الصورة الصادقة عن هذا المجتمع بمعنى أنه هو الذي يعطينا سيكولوجية الفرد الذي سنستثمر فيه علاقة الانسان علاقة الرجل مع المرأة علاقة الرجل مع الطبيعة علاقة الرجل مع الآخر إلى غير ذلك فاعتقد أن الرواية هي الخطاب حينما تكون رواية مكتوبة بشكل جيد.

*تقول علينا أن ندرس تاريخنا وأن ندرك هويتنا وعدم تحديدها في هويه ضيقة أو على مسار زمني محدود؟

ـ نحن بشكل عام في العالم العربي وفي شمال افريقيا نعيش ضحايا الماضي وهذه كارثة، كأننا نريد أن نعيش الماضي من كثرة ما نخاف ربما  بسبب  الانتكاسات مع الواقع فإننا نريد أن نستجلب الماضي بديلًا عن الحاضر أو بديلًا عن المستقبل وهذه الكارثة الكبرى، كأننا في سيارة ننظر إلى الماضي في المرآة الخلفية ولكنه ليس إلى الزجاج الامامي للسيارة إذا الماضي يجب أن يُحترم ويبقى في الماضي وألّا يكون بديلاً عن، يجب أن نتخلص من اعتزازنا بالثورة الجزائرية الكبيرة، ولكن علينا أن نقرأ أيضًا بعض التفاصيل فيها، وأن نقرأ نقائصنا هل أن هذه الثورة أنتجت دولة وطنية كبيرة، لأن الثورات الكبرى قد لا تنتج دولة وطنية كبيرة.

ثورة الثقافة

*تؤكد أن الثورة لم تنجح فقط بالمدافع التي كانت في الجبال، بل بالمسرح والفن والثقافة الذين تعتبرهم الإسمنت الحقيقي لبناء الأمم، لذلك نجد صورة المثقف حاضره في رواياتك ولعل الابرز هو عمار النسّاخ في رواية «الباش كاتب».

ـ صحيح يعني اشتغلت كثيرا على المثقف، لأن كثيرًا من الأزمات التي تعيشها المجتمعات هي نتاج وهن وكسل المثقفين، واعتقد أن في رواية «الباش كاتب» كتبتها عن مثقف السلطة المثقف الذي يتحول إلى بوق للسلطة هذا المثقف هو نَفًسه قصير جدا بمعنى أن بمجرد ما تنتهي سلطة معينه ينتهي دوره وهو عباره عن ينسخ خطابات السلطة المثقف الحقيقي هو الذي ينقد النقد ليست معناه المعارضة السياسية، المثقف الحقيقي هو الذي يمارس النقد البنّاء الذي يكون مثل بنكًا للأفكار ويجب على الأنظمة الذكية أن تنتبه للمثقف الذي ينتقدها أكثر من المثقف الذي يمدحها، لأن المثقف الذي ينتقد يقدم أفكاراً يمكن أن تساهم في إنقاذ هذه السلطة إذا ما صححت من خطواتها وبذلك اشتغلت كثيرا على المثقف أيام الثورة الجزائرية وأيام حركات التحرر الوطنية في بلدان شمال افريقيا و في البلدان المغاربية كيف كان هذا المثقف مثقفاً من الشيخ عبد الحميد بن باديس إلى محمد إلى محمد ديب إلى كاتب ياسين باللغة العربية باللغة الفرنسية إلى مولود معمري باللغة الأمازيغية إلى علال الفاسي في المغرب إلى محمود المسعدي في تونس إلى غير ذلك كل كيف كان هؤلاء المثقفون نبراساً حقيقياً للسياسة اي كانوا يكتبون السياسة أو يمارسون السياسة من حقولهم الإبداعية والمعرفية لا لم يتلوثوا بالخطاب السياسي العاري أو العابر أو الموسمي.

 

*كنت مديرًا عامًا للمكتبة الوطنية وأيضًا مديراً لقصر الثقافة بوهران وأيضًا قدّمت لقاءات وبرامج ثقافيه، وبالتالي فالسؤال هو عن دور المؤسسات الثقافية والإعلام في ترغيب الناس في حب المعرفة؟

ـ أنا أؤمن أن المبدع الروائي والكاتب والمثقف هو أيضًا مناضل ثقافي في بلداننا لا يزال النضال الثقافي ضروري جدا فاعتقد اننا نتحمّل مسؤولية نضال ثقافي حقيقي وهذه الكلمة ليست بالية، وحينما أدرت مجموعة من المؤسسات الثقافية في الجزائر كنت مؤمناً أن المؤسسة يجب أن تكون فضاء للمثقف ولحرية الحوار وللنقاش الذي لا سلطة فيه الا سلطة المعرفة واعتقد أن المكتبة الوطنية وقصر الثقافة أيضًا في المراحل وهذه بشهادة الأصدقاء بانها كانت بالفعل فضاءات للنقاش وللحوار ولإعطاء صورة كبيرة جدا عن الجزائر من اليابان إلى امريكا إلى إيطاليا إلى فرنسا إلى إسبانيا إلى القاهرة إلى دمشق إلى الرباط إلى نواكشوت، كل الكتاب الكبار كانوا حاضرين في هذا الفضاء ناقشنا كتبهم وأفكارهم، مثال على ذلك نظمنا ملتقى حول جاك دريدا في الجزائر ولأول مرة جاءت زوجته للجزائر ورجعنا لبيته الذي سكنه 16 سنة وحضر أصدقاؤه من الفلاسفة من اليابان امريكا البرازيل فرنسا وكانت قاعة المكتبة ممتلئة.

الإعلام والإبداع

 *وماذا عن تجربتك في البرامج الثقافية؟

ـ عملت برنامجاً اعتقد أن الجزائريين كلهم يتذكرونه في الإذاعة الوطنية مده تقريبًا 15 سنة كان عنوانه جواهر اقول فيه شعب يقرأ شعب لا يجوع ولا يُستعبد، كانت مدته سبع دقائق صباحا يُذاع صباحًا ويُعاد لتقديم كتب أو كاتب، وقدّمت أيضًا برنامج في التلفزيون الجزائري بعنوان «أقواس» استضفت فيه محمود درويش وأدونيس وعبد الرحمن منيف وغيرهم من الرموز الثقافية.

 

 

*سؤالنا الأخير عن جديد أمين الزاوي؟

ـ صدرت لي رواية بعنوان “متاع الدنيا “وهي رواية في في التصوف إذا صح التعبير، ولكن التصوف من خلال عائلة تعمل في مهنة الخياطة، وهي ليست خياطه الألبسة فقط، ولكن خياطه السياسة يعني من خلال هذا النسيج كيف ينسج هذا الخياط خيوط وهو يخيط لباسًا أو طقمًا إلى غير ذلك، ولكن في الوقت نفسه كيف الجزائر كانت تخيط عالمها.

والكتاب الآخر هو كتاب حول «رفع الكمامة عن أنفاس الكتابة» وهو كتاب سيصدر في القاهرة بمناسبة معرض الكتاب القادم عن منشورات بيت الحكمة هو تناولت فيه مسألة حرية التعبير.