اللغة الفصيحة غائبة عن الأبحاث والألعاب والمواهب
والفنون، وهذا ما يجعلها غائبة عن الشباب والأطفال
حاورتها ليندا خضر
الدكتورة سارة ضاهر باحثة وأكاديمية وإعلامية متخصصة في اللغة العربية وآدابها، حاصلة على درجة الدكتوراه، وتشغل منصب رئيسة مجمع اللغة العربية في لبنان. كرّست مسيرتها المهنية لتعزيز مكانة اللغة العربية وتطوير حضورها في التعليم والإعلام والثقافة، والإسهام في تطوير أساليب تعليمها وتقييم الكفايات اللغوية.
تمتلك خبرة واسعة في الإعلام والاتصال الاستراتيجي، وشاركت في إعداد وتقديم محتوى إعلامي وثقافي يتناول قضايا اللغة والهوية والمعرفة. وهي مؤلفة رواية «الجسر»، كما ألّفت كتابًا باللغة الإنجليزية يتناول اللغة العربية والذكاء الاصطناعي، مستكشفةً آفاق توظيف التقنيات الحديثة في خدمة العربية، وتعزيز دقة المحتوى اللغوي وجودته، مع الحفاظ على خصوصية اللغة وثرائها الثقافي.
في هذا الحوار نتلمس بعض التحديات التي تواجه اللغة العربية ونبحث عن آفاق حلها..
* حين نقول إن هناك تحدياً يواجه اللغة العربية، تذهب بعض الأصوات إلى أن هناك خطراً يهدد بالفعل اللغة العربية. هل بالفعل هناك خطر يتهدد هذه اللغة؟
ـ لا طبعاً، لا يوجد أي خطر يتهدد هذه اللغة. دائماً أي جديد يقف الناس حوله مذهولين أو متسائلين لأنهم يستغربون هذا الجديد؛ يستغربون هذا الفكر الجديد، هذا التوجه، والتغيير بين الحاضر والماضي فيما يخص استخدام الشباب للغة من حيث التراكيب والمفردات وكيفية إدخال الاكتشافات الجديدة في اللغة واستخدامها. أمام هذا الجديد نجد الناس أو العلماء يستغربون كيف سيتم إدخال هذه المفردات والتراكيب؛ هل هي صحيحة أم خاطئة؟ هل يجب أن نغير أم لا؟ لكن لا يوجد خطر. هناك تغيير، والتغيير يجب أن يكون طبيعياً لأن الفكر يتغير وبالتالي الإنسان يتغير، وهذا الأمر ينعكس على اللغة واستخدامها. لا يوجد أي خطر على اللغة العربية، ولكن هناك تغيير وتحديث وتجديد، هذا هو الواقع.
بحثاً عن المرادفات
* في بعض الأحيان تكون المصطلحات العلمية باللغة الأجنبية وليس لها مرادفات بالعربية. هل يجب أن تصبح العربية أكثر مرونة لكي تستوعب هذه المفردات الجديدة؟ هناك بعض المترجمين يقفون أمام كلمات لا مرادف لها بالعربية، فيضطرون إلى تعريبها لفظاً، أي يتركون اللفظ باللغة الإنجليزية ويكتبونه كما هو بدون ترجمة فعلية. في هذه الحالة، هل يجب أن تكون اللغة مرنة ونضيف مفردات جديدة إلى لغتنا أم أن هذا يشكل تهديداً للغة؟
ـ هناك معايير علمية ومقاييس يعتمدها الخبراء والعلماء عندما يريدون ترجمة مصطلحات إلى اللغة العربية. الطبيعي أن تكون اللغة مرنة، وبالتالي الإنسان يكون مرناً. كل ما هو أجنبي ونحن نستخدمه يجعلنا هنا المستهلكين والجهة المتلقية. وحتى نصل إلى مرحلة نكون فيها نحن المنتجين ومن يصدر ويبدع ويكتشف ويخترع، سوف نتلقى ونستورد. وبالتالي لا نستطيع أن نستورد الفكرة فقط، بل نستورد الفكرة مع الكلمة والمصطلح. لذلك من الطبيعي أن نستخدمها سواء تمت ترجمتها أو استخدمناها بلغتها الأصلية، هذا أمر طبيعي.
* في العالم العربي، هل أزمة الفصحى هي بالفعل مع العامية، أم هي نتيجة سياسات ثقافية خاطئة وممارسات خاطئة للغة؟
ـ كل اللغات فيها لهجات وفيها فصيحة، هذا الأمر لا ينطبق فقط على اللغة العربية، ولكن العرب يعتبرون أن هذا الأمر ينطبق فقط على لغتنا. لكن هذا شائع عند الكثير من اللغات. وعندما نطلع على تاريخ اللغات نجد أن بعض اللغات كانت لغة واحدة ثم تشعبت، كما في أوروبا، والصين، واللغة الإنجليزية؛ هناك أمثلة كثيرة على اللغة الأصل وكيف تعددت وأصبحت لغات متعددة.
اللغة العامية مشتقة من اللغة الفصحى، وهي لا تواجهها ولا تجابهها وليس لها أي مشكلة معها، بل بالعكس هذا طبيعي. واللغة العربية الفصحى لم تكن في أي يوم لغة تواصل اجتماعي؛ دائماً كانت الفصحى هي لغة الدواوين والكتابة والشعر والبلاط، أما لغة التواصل الاجتماعي فكانت العامية، وهذا ليس بالأمر الجديد. بل بالعكس، كانت هناك أكثر من فصحى ولذلك نقول “الفصحى”، ولكن الآن لدينا لغة فصيحة واحدة وعامية، وهذا أمر قديم وطبيعي وبديهي. ليس هناك مواجهة، بالعكس اللغة الفصحى تكمل العامية والعكس صحيح.
لغة في المدارس
* بعض الأشخاص من الجيل الجديد، خاصة الشباب، يجدون صعوبة في التحدث باللغة الفصحى ومتابعة أي محتوى بها. معظم الشباب يتابعون المحتوى الخفيف والبسيط، ويبتعدون غالباً عن قراءة المصطلحات الثقافية الثقيلة أو متابعة الأشياء المقدمة بلغة عربية فصحى. ما سبب هذا البعد؟
ـ سببها هو بعد اللغة الفصحى عن حياتهم واهتماماتهم اليومية. في دراسة أجريتها، ينتهي الأمر بالطفل إلى دراسة اللغة العربية الفصحى فقط في مدرسته من خلال كتابه وفي حصة اللغة العربية، بينما باقي المواد تدرس باللغات الأجنبية. وعندما يعود إلى المنزل، يتواصل سواء في أبحاثه أو مع أهله بالعامية، ومع أصدقائه باللغات الأخرى، وحتى من خلال ألعابهم على الإنترنت وتواصلهم بلغات مختلفة عن اللغات التقليدية. هذا أمر طبيعي لأن اللغة مبتعدة عن اهتماماته. وهذا ما ننادي به: أن نعالج المشكلة من جذورها، وهي أن اللغة الفصيحة غائبة عن الأبحاث والألعاب والمواهب والفنون، وهذا ما يجعلها غائبة عن الشباب والأطفال. ولا نستطيع أن نقول إن الشباب يتجه للمحتوى الخفيف فقط؛ عدم كون المحتوى بالفصحى أو بالعربية لا يعني أنه خفيف، وكونه مختلفاً عن المحتوى الذي كان يحبه الجيل السابق لا يعني أنه خفيف أيضاً، بل يعني أنه محتوى يناسب هذا الجيل ويناسب هذا العصر.
*في إحدى حواراتك ذكرتِ أن “اللغة التي لا نبتكر بها تبقى جامدة”، ماذا تقصدين بالابتكار باللغة العربية؟
ـ الابتكار في كل المجالات؛ طبياً، نحن نستورد الأدوية والاكتشافات العلمية والعلاجات والتكنولوجيا من الخارج، كل شيء نستورده. أعطيك مثالاً صغيراً: عندما فازت فرقة “مياس” (وهي فرقة رقص) في برنامج “أميركان غوت تالنت”، سألت اللجنة عن معنى “مياس”، فشرحوا لهم المعنى، فأصبحت كلمة “مياس” عالمية. أي شيء تنتجه من بلدك وبلغتك يصبح عالمياً، فأنت تنشر لغتك بهذه الطريقة. لا تستطيع نشر لغتك فقط بالقراءة أو من خلال إسقاط الأمر على الحياة مجرداً، بل عليك أن تنشر لغتك من خلال القوة الناعمة والدخول في الحياة واهتمامات الناس طبياً، تكنولوجياً، رياضياً، فنياً، وثقافياً. أما أن تكون الجهة المستهلكة والمتلقية طوال الوقت، فهذا يؤثر على لغتك، لأن أي شعب لن ينتج بلغته طالما ينقل من لغة أخرى. أنت الآن تقول “واتساب”، “إنترنت”، “شات جي بي تي”، لماذا؟ لأن هذه المنصات والتطبيقات تم اختراعها بلغات أجنبية، وهذا أمر طبيعي.
* أحد المشاريع اللافتة في تجربتك هو “اختبار الكفاءة باللغة العربية”. ماذا كشف هذا الاختبار عن واقع اللغة اليوم؟
ـ أسسنا اختبار كفاءة باللغة العربية وحصلنا على اعتماد من وزارة التربية سنة 2018. وقبل ذلك قمنا بدراسات في المدارس والجامعات والشركات لنعرف مشكلة هذه المؤسسات مع اللغة العربية، ووجدنا عدة مشاكل عملنا على معالجتها من خلال هذا الاختبار. يهدف الاختبار إلى أن يكون كل من يستخدم اللغة العربية في مهامه الوظيفية متمكناً من أدواته؛ كأن يكون الإعلامي متمكناً من لغته ليتأثر به المتلقي والمستمع والقارئ، وننتج لغة صحيحة ونتجنب الأخطاء الشائعة. نعمل على نشر هذا الاختبار هنا في الإمارات استجابة وتوصية لسياسة الدولة في الحفاظ على اللغة العربية ونشرها وتثبيتها في المجتمع، حيث يستهدف الموظفين والطلاب والتلاميذ للتأكد من تمكنهم ومعرفتهم بالمعايير والمواد المطلوبة منهم.
المحاور
* نسمع عن الكثير من المبادرات والمشاريع للنهوض باللغة العربية، لكن بعد فترة تنطفئ ولا نجد نتائج قابلة للقياس. لماذا برأيك أغلب هذه المشاريع تنتهي دون تحقيق أي نتيجة مرجوة؟
د. سارة ضاهر: كل مبادرة لا تعالج المشكلة من جذورها سوف تنطفئ بطبيعة الحال، لأنها لم تستند إلى أرضية واقعية وحقيقية. نحن عندما انطلقنا بـ “مجمع اللغة العربية” عملنا على شقين: الشق الاجتماعي والشق الأكاديمي. الشق الاجتماعي لأن الفجوة موجودة بين اللغة العربية الفصحى والمجتمع، لذلك أطلقنا “جائزة المجمع” مع مختلف فئات المجتمع (المسنين، الأطفال، المساجين، الأيتام، ذوي الاحتياجات الخاصة) ليعرفوا أن هناك يوماً للغة العربية. كانوا يستغربون ماذا يكتبون وبماذا يعبرون، فطلبت منهم أن يكتبوا ما يشاؤون. أطلقنا أيضاً مبادرات للأطفال مثل “نادي ماريا للغة العربية”. ومن الناحية الأكاديمية، أطلقنا اختبار الكفاءة وعملنا على تطوير المناهج لتناسب العصر؛ كأن يتخرج الطالب ليعمل كمتحدث مؤثر، صانع محتوى، مستشار أكاديمي، أو مستشار تربوي بدلاً من المهن الكلاسيكية فقط. إدخال مواد جديدة يناسب العصر ويشعر الطالب بأنه سيجد وظيفة من خلال انتسابه لهذا الاختصاص. كل مبادرة يجب أن تراعي المشكلة الأساسية من الجذور لتحقق نتيجة صحيحة.
العربية قوة ناعمة
* ما هو أكثر مشروع نحتاجه حالياً للنهوض باللغة العربية؟
ـ نحن بحاجة إلى مشروع يقرب التلاميذ والأطفال من اللغة العربية من خلال مواهبهم بالاستفادة من القوة الناعمة. لا تجذب الأطفال بالكتابة أو الدرس أو الندوة فقط، بل اعبر نصف الطريق إليهم. إذا كان الطفل يحب الغناء، التمثيل، أو الحديث، قل له: “تستطيع عرض موهبتك أمام الناس ولجنة التحكيم بشرط أن تكون باللغة الفصحى”. هنا سيهتم الطفل والأهل والمدرسة، وتتحقق النشر للغة العربية بالقوة الناعمة. بالإضافة إلى جانب الاختبار، ليكون كل شخص يستخدم اللغة مسؤولاً عما يكتبه ويقرؤه ويقوله.
* هل الاعتماد المفرط على أدوات الذكاء الاصطناعي يشكل تهديداً أو يجعل العربية تفقد هويتها ونفقد التنوع النصي؟
ـ الذكاء الاصطناعي أمر إيجابي جداً. هذا تطور طبيعي مثل الانتقال من الآلة الكاتبة إلى الفاكس ثم الإيميل والواتساب. لن تفقد الهوية، لأنك عندما تطلب من الذكاء الاصطناعي الكتابة، فأنت تملي عليه ما تريد بأسلوبك وفكرك وإحساسك. الاعتماد عليه طبيعي كأنك تبحث في جوجل أو الكتب، وهو عامل مساعد ومسهل ومسرع ولا يشكل خطراً. لو كان كل جديد يشكل خطراً لجلسنا في منازلنا ولم نتطور، نحن بطبيعتنا نخاف من الجديد ونشيطنه، بينما أنا أستخدمه في كل شيء وأعتمد عليه وأسأله في كل شيء.
* هل إتاحته أمام جميع الناس ـ حيث يستجيب ويتغذى من إجاباتنا ـ قد يكون خطراً عند استخدامه من قبل أشخاص ليس لديهم دراية بالموضوع، أم أنه أمر طبيعي في البدايات؟
ـ هذا أمر طبيعي في بدايات الاستخدام. الشركات المصنعة ستطور نسخاً جديدة بشكل أكثر ضبطاً وتطوراً. لكن على أرض الواقع، التراكم هو الذي يثبت الموهبة والحضور والإمكانيات، مثلما يحدث في أي مجال كالغناء مثلاً. الذكاء الاصطناعي لن يشهر أحداً ضعيفاً، ولن يخفت نجم أحد مهم، وطالما العرب يعملون على أنفسهم ويطورون لغتهم سوف تبقى لغتهم قوية وحاضرة بشكل طبيعي.





