علي عبيد الهاملي: كتبت كل أصناف الأدب لكن الصحافة سرقتني

*تأثرت بكبار الكتاب مثل إحسان عبد القدوس، ويوسف السباعي، ونجيب محفوظ
*الكثير ممن قرأ كتاب “دوائر النمل” تواصل معي وقال لي: “أنا النملة”

علي عبيد الهاملي، أحد الأسماء اللامعة في سماء الثقافية في الإمارات فهو قاص وصحفي وإعلامي وناشط ثقافي له حضور واسع في الساحة الثقافية المحلية والعربية، تولى عدداً من المناصب الإدارية منها: مدير عام تلفزيون الإمارات العربية المتحدة من أبو ظبي، ومدير مركز التدريب الإعلامي في مؤسسة البيان للصحافة والطباعة والنشر، ومدير إدارة التدريب في مؤسسة دبي للإعلام، ومدير مركز الأخبار في مؤسسة دبي للإعلام أيضاً، درس الصحافة في مصر وأصدر مجموعة من الكتب التي حققت حضوراً لافتاً في الساحة الثقافية وبين المهتمين.

من كتبه البارزة: “ذاكرة الفرح”، “همس الذاكرة”، “حيث يممتَ زايد”، “قال الراوي”، “ما زال الشغف”، وأخيراً كتاب “دوائر النمل”، لكنه لم يصدر مجموعة قصصية رغم أنه من أوائل من كتب القصة في الإمارات.
عن تجربته الطويلة في الثقافة والصحافة كان لنا هذا الحوار:

*أنت من أوائل الذين كتبوا القصة القصيرة في الإمارات، ولكنك لم تطبع كتاباً أو مجموعة قصصية حتى الآن، ما هو السبب؟

ـ صحيح، أنا في الحقيقة محظوظ لأنني في بداية تفتح الوعي لدي، وجدت أمامي مناخاً ثقافياً وإعلامياً يتشكل في دولة الإمارات قبل قيام الاتحاد بطبيعة الحال، وفي إمارة دبي على وجه الخصوص لأنني من مواليدها. لقد نشأت في “فريج الضغاية” في منطقة ديرة، وفي أوائل الستينيات والسبعينيات كانت بدايات الصحافة في دولة الإمارات، ولم تكن هناك الكثير من الصحف والمجلات.
لكنني كنت محظوظ لأنني في بداية السبعينيات كنت أتابع أول مطبوعة تصدر بانتظام في الإمارات قبل قيام الاتحاد وهي مجلة “أخبار دبي”، التي صدرت في شهر يناير عام 1965 ويؤرَّخ بها لنشأة الصحافة في الإمارات، وكانت تصدر كمجلة أسبوعية بدأت في الأصل على شكل نشرة ربع سنوية ثم شهرية، وتحولت بعد ذلك إلى مجلة أسبوعية منتظمة، وهي أول مجلة أدخلت الألوان إلى المطبوعات في الإمارات.
وخلال هذه الفترة، أي بعد ست سنوات تقريباً من صدورها، كانت المجلة قد وصلت إلى مرحلة أن تصبح مجلة شاملة تحتوي على التحقيق، والخبر، والشعر، والأدب، والاقتصاد، والرياضة، وحتى الكلمات المتقاطعة. وكانت تنشر قصصاً قصيرة لكتاب عرب في البداية، ثم بدأت بعض الأقلام الإماراتية تظهر فيها، وكانت البدايات الحقيقية لهذه الأقلام؛ بعضها استمر وبعضها توقف.

*هل نشرت في أخبار دبي، وما هو الصنف الأدبي الذي كتبته؟

ـ لقد تأثرت بالقصص التي كانت تنشر في مجلة “أخبار دبي”، وأصبح عندي حلم أن أكتب قصة قصيرة وأنشرها، وهذا ما حدث معي فعلاً في عام 1971؛ حيث نشرت أول قصة قصيرة لي في المجلة تحت عنوان “ضحية الطمع”. وبعد ذلك واصلت وكتبت حوالي أربع أو خمس قصص نشرت كلها هناك، ولكنني لم أركز في كتابة القصة القصيرة؛ إذ كان عندي نوع من الحماس الزائد للكتابة في كل مجال، فكتبت المقالة، والشعر، والخواطر، وحتى الكلمات المتقاطعة، ولذلك وزعت نفسي بين أكثر من شكل من أشكال الكتابة ولم يحصل عندي تركيز على صنف معين مثل القصة القصيرة. طبعاً هذا شيء كنت أتمنى ألا يحدث، وفي نفس الوقت أنا سعيد بأنه حدث لأنني حاولت أن أبدع في كل هذه المجالات قبل أن أركز على المقالة بعد ذلك.

*أين وجدت نفسك في كل تلك الأصناف الأدبية؟

ـ أجد نفسي في الإبداع؛ إذا استطعت أن أبدع في القصة فأنا سعيد، وإذا استطعت أن أبدع في المقالة فأنا سعيد كذلك. ولكن، بدأت قبل شهور بجمع بعض القصص القصيرة التي نشرتها في بدايات دخولي عالم الكتابة، ولدّي مجموعة قصص كتبتها على مراحل مختلفة، ومجموعة أخرى أكتبها الآن، وسوف يكون هذا الإصدار هو مشروعي القادم بإذن الله، وإذا مد الله في العمر سيكون هذا الكتاب هو الذي سأوقعه في مؤسسة سلطان بن علي العويس في يوم الكاتب الإماراتي عام 2027 إن شاء الله.

تأثير لا بد منه
* درستَ الصحافة في مصر، وأجواء مصر في تلك المرحلة كانت أجواء أدبية بامتياز، فيها حضور قوي لكتاب ومبدعين؛ بمن تأثرت من الكتاب المصريين في تلك المرحلة وأنت طالب، أو ربما فيما بعد؟

ـ في بداية النشأة وقبل أن أذهب للدراسة في مصر، تأثرت بكبار كتاب الرواية المصريين، وأتحدث هنا عن إحسان عبد القدوس، ويوسف السباعي، ونجيب محفوظ؛ الأسماء الكبيرة المؤسسة في مجال كتابة الرواية. بالإضافة إلى هؤلاء، كانت هناك أسماء كبيرة في كتابة القصة القصيرة مثل محمود تيمور، ونجيب محفوظ أيضاً، ويوسف إدريس؛ هؤلاء مبدعون تألقوا في القصة والرواية معاً.

كنت مهووساً بالقراءة، وبقراءة القصص على وجه الخصوص. كانت هناك مطبوعات متخصصة بالقصص، وكانت تصلنا مجموعات قصصية وروايات تصدر في كتب، وتأثرت كثيراً بمجموعات مثل “خمارة القط الأسود” لنجيب محفوظ، لأنني وجدت فيها كتابة من النوع الذي يمكن أن نطلق عليه “السهل الممتنع”؛ فعندما تقرا قصة قصيرة لنجيب محفوظ تعتقد أنك تستطيع أن تكتب قصة مثلها، لكنك عندما تحاول تجد صعوبة بالغة، وهذه هي فرادة نجيب محفوظ؛ فلغته سهلة جداً وفصحى جميلة وسليمة لا تدخلها العامية، وتتعجب كيف لا تستطيع الكتابة بنفس الأسلوب.

*هل تعتقد أن الصحافة سرقتك من الأدب؟

ـ الذي سرقني هو التلفزيون وليس الصحافة، لأنني تخصصت في الإعلام المرئي. دخلت مجال التلفزيون عام 1974 في تلفزيون دبي، وعملت في تلفزيون دبي “الأبيض والأسود” الذي كان وريث تلفزيون الكويت من دبي (أول محطة تلفزيونية افتتحت في إمارة دبي عام 1969، وبعد قيام الاتحاد قامت دولة الكويت بإهدائها إلى وزارة الإعلام وعملت أنا في هذه القناة). بدأت كمذيع ربط كأي مذيع مبتدئ، ثم قدمت مجموعة من البرامج كان منها برنامج “آداب وفنون” مع الدكتور نجيب الكيلاني رحمه الله، وبرنامج “الرياضة والشباب”، وبعد ذلك بسنة أصبحت قارئ نشرة أخبار.

بين المقال والرواية
* في كتابتك الصحفية أنت تقارب القصة القصيرة؛ وكبار كتاب العالم والعرب يكتبون المقال المقارب لعالم القصة القصيرة. وقد انتظمت بكتابة المقال في جريدة “البيان” لسنوات وحققت حضوراً لافتاً. وخاصة كتاب “قال الراوي” الذي قدمت من خلاله عرضاً لروايات متميزة في الثقافة العربية؛ هل كتابة المقال ممتعة وبذات الأهمية والمستوى مثل كتابة القصة؟

ـ المقالة ممتعة جداً لمن يحب كتابتها وقراءتها. وبسبب خلفيتي القائمة على قراءة الروايات والقصص القصيرة والأدب أكثر من القراءة الصحفية، تأثرت في كتابتي بالجو أو الأسلوب الأدبي، وحاولت المقاربة بين المقال الصحفي والقصة القصيرة.

وفي كتاب “قال الراوي” أنا لم أقدم مجرد قراءة في روايات عربية وعالمية أو اقتباسات، بل قدمت نوعاً من التأثر بموقف معين في رواية ما، بنيت عليه مقالاً وقاربت فيه بين هذا الموقف الروائي ومواقف كثيرة تحدث لنا في الحياة؛ فهي استنباطات وتأملات، ولذلك يجد القارئ أن الأسلوب يجمع بين الكتابة القصصية وكتابة المقال. واكتشفت بعد فترة أنني جمعت مجموعة كبيرة من المقالات المتشابهة من حيث البنية المبنية على روايات وقصص لكتاب عرب وعالميين من ثقافات ومصادر مختلفة، فجمعتها كلها وبلغت أكثر من 60 أو 70 موضوعاً.

الحكاية والرواية

*في كتابك الصادر مؤخراً بعنوان “دوائر النمل”، أسميته “حكاية”، ولم نعتد في الروايات أن تصنف الرواية بـ “حكاية”، ماهي قصة هذا الكتاب؟ ومن هي النملة؟

ـ ترددت بين اختيار كلمة “رواية” أو “حكاية”، وفي النهاية قررت أن أسميها حكاية لأكثر من سبب؛ أولاً لكي ألفت نظر من يقرأ غلاف الكتاب فيتساءل لماذا ليست رواية؟ وإثارة التساؤل نوع من التشويق ولفت الانتباه. ثانياً، هناك فروق بسيطة بين الحكاية والرواية وليس هناك فرق جوهري كبير؛ فأهم الحكايات التي تأثر بها كتاب العالم هي “ألف ليلة وليلة” وكانت تسمى حكايات وليست رواية، وكذلك حكاية سندريلا، وعلي بابا، والسندباد البحري، وكلها عبارة عن قصص.
لقد اخترت لها اسم حكاية لسبب واحد؛ وهو أن الكتاب كله قائم على موقف حدث لنملة في مكان عملها، وترتبت على هذا الموقف تداعيات كثيرة تشبه “أثر الفراشة”، حيث ترتبت عليه مجموعة من المواقف، وفي وقت من الأوقات ذهبت هذه النملة في غفوة لمدة ستة أشهر تفكر، ثم عادت بعد ذلك.

*أعتقد أنك في البداية كتبتها كمقال في البيان، هل هذا صحيح؟
ـ نعم، بدأت في عام 2009 حيث نشرت “دوائر النمل”، ولم أكن متوقعاً أن يكون لها هذا الصدى؛ آنذاك لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي موجودة، والواتساب كان قد ظهر حديثاً، قبلها بشهرين تقريباً (في فبراير

2009 وأنا كتبتها في مارس) ولم يكن منتشراً، والتيك توك لم يكن مخترعاً، والفيسبوك وتويتر في بداياتهما. لكنني وجدت أن هذا المقال، الذي صيغ على شكل قصة قصيرة، انتشر بشكل لا يصدق على المواقع الإلكترونية؛ وجلست في إحدى المرات لأحصي المواقع التي أعادت نشره فوصلت إلى 100 موقع ثم توقفت. بعضها أشار للكاتب وبعضها نسبه لنفسه.
الكثير ممن قرأ المقال تواصل معي وقال لي: “أنا النملة”، لأن ما حصل للنملة في الدائرة التي تعمل بها يحدث مع كل موظف تقريباً بدرجات متفاوتة.

*هذه الطريقة تعيد إحياء عالم “كليلة ودمنة” بطريقة مختلفة؛ فهل تقصد بالحديث على ألسنة الحيوانات التورية والترميز حتى لا تقول رأيك بشكل مباشر؟
ـ الإسقاطات واردة في كل كلمة وموقف في الكتاب؛ فالنملة تنقلت وهي تبحث عن نفسها وتفكر لماذا حدث لها هذا، وتحاول العودة لعملها فتجد البيئة قد اختلفت تماماً، وتبحث عن وظائف في أماكن مختلفة، وفي النهاية تتحول إلى فيلسوفة وتتكلم

في مواضيع لها علاقة بالفلسفة وقصة الكون نتيجة الضغط والتجارب الكثيرة التي مرت بها.
وفي نهاية الحكاية تقرر النملة أن تغادر الحكاية كلها؛ فبعد أن مرت بكل تلك المواقف قررت المغادرة عندما اكتشفت أن غيرها هو من يكتب حكايتها، وتساءلت: لماذا أدع غيري يكتب حكايتي؟ فرمت كل الأوراق وقررت أن تكتب حكايتها بنفسها، وهذه هي خلاصة الكتاب الممتع.

*هل هذه مقدمة لأن تكتب روايات مستقبلاً؟
ـ لا يوجد كاتب في عصرنا الحالي لا يتمنى كتابة رواية. أنا أعتبر هذا العمل رواية أو ربما مقدمة لرواية مختلفة، وأتمنى أن تكتمل عندي الفكرة وأستمر، فهذه كانت الخطوة الأولى وكل كاتب له خطوة أولى ينطلق منها، وبالتأكيد يجب أن

تكون الخطوة الثانية أفضل لأن ردود الفعل تحتم على الكاتب ألا يرجع إلى الوراء بل يتقدم دائماً.

الشعر عالم آخر
*وماذا عن الشعر؟ أشرت إلى أنك كتبت الشعر أيضاً.
ـ عندي مجموعة من القصائد، المشكلة أنني أتردد كثيراً في نشر الشعر، ليس لأن جانبه أصعب من المقال أو الرواية، بل لأنني أعتقد أن الشعر عالم آخر، وهو عالم شخصي جداً بالنسبة للشاعر؛ فالشاعر يعرض نفسه على القارئ وإذا لم

يعرضها بشكل جيد يكون قد أخفق. ولكنني آمل أن يكون هناك ديوان شعري إلى جانب مجموعة القصص القصيرة.

**خاص لموقع العويس الثقافية