حوار عن روايته “اسمي عليا وهذا أبي”

علي الشعالي:
دبي بطلة في الرواية لأنها مدينة عصرية

التمرس في الكتابة يأخذك تلقائياً إلى المنعطفات السردية

لم أقدم المرأة بشكل مثالي في الرواية لكسب تعاطف القارئات

حاورته ليندا خضر
(خاص لموقع العويس)

علي الشعالي، شاعر وروائي، وناشر، ومؤسس لمجموعة الهدهد للنشر والتوزيع أصدر العديد من المجموعات الشعرية منها “نحلة وربابة”، و”وجوه وأخرى متعبة”، و”للأرض روح واحدة”، و”دلّوني على الكهف”، “العشب يشبهنا والغيم”. كما صدرت له رواية بعنوان: “الحيّ الحيّ”، ومقالات وتأملات في الكتابة والنشر بعنوان “حجرات ذات نوافذ”.، ومؤخراً صدرت له رواية بعنوان “اسمي عليا وهذا أبي”.
وصلت أعماله للقائمة الطويلة لـجائزة الشيخ زايد للكتاب. كما حاز على جائزة العويس للإبداع الأدبي، وتُرجمت أعماله إلى لغات عدة، منها الإنجليزية، الإسبانية، التركية والكورية.
حول روايته “اسمي عليا وهذا أبي” الصادرة عن دار المتوسط في ميلانو، كان لنا معه هذا اللقاء الذي يحدثنا فيه أجواء هذه الرواية التي لاقت الإعجاب في أوساط القراء.

* دعنا نبدأ من عنوان الرواية: “اسمي عليا وهذا أبي”. لماذا احتاجت عليا أن تقول “أنا عليا وهذا أبي” وتشير إلى أبيها (خليفة) بعد ذلك؟
ـ من حيث المبنى الفني، عليا هي الشخصية الرئيسية، وخليفة هو شخصية رئيسية مساندة؛ لذا قُدّم هذا في العنوان بشكل عضوي، وهو أمر يفهمه القراء المتمرسون. من ناحية أخرى، عليا مؤثرة اجتماعية على منصات التواصل، تقدم نفسها بثقة، وتعتز بشهرتها وبحضورها الإعلامي، ولعل هذا يتناسب تماماً مع لغتها، والقارئ سيدرك ذلك.

* لماذا اخترت عليا لتكون الراوية؟ لماذا لم تختر الكاتب (والدها) مع أنه كاتب، أو أي كاتب خارجي؟ لماذا عليا تحديداً؟

ـ لدي إجابتان؛ الإجابة الفلسفية الدبلوماسية التي أستعرض فيها اختياراتي الحكيمة، والإجابة الحقيقية. في المسودة الأولى، كانت الفصول الأولى مكتوبة على لسان خليفة، وكان يسيطر على أجواء الرواية بشكل مطلق. ثم شعرتُ أن رابطة الأبوة على لسان أنثى، وأن عليا دورها أكثر ديناميكية في التحرك. ولكي لا نحرق الأحداث أيضاً، فإن خليفة سيضطر للغياب عن بعض الفصول؛ فكانت عليا هي الخيار الأنسب بعد المسودة الأولى.
لحظة الانفجار

* الرواية تبدأ من لحظة يفترض أن تكون احتفالية، ثم يحدث الانفجار. لماذا اخترت لحظة تكريم الكاتب لكي تنفجر الأحداث؟ لماذا لم تختر مكاناً آخر؛ في البيت، أو الشارع، أو أي مكان آخر؟

ـ إن كلمة “اختيار” منسحبة من السؤال الثاني إلى هذا السؤال. لن أقول إن الكتابة أشبه بوحي أو إلهام مطلق، ولكن عندما تتمرس في كتابة الأعمال السردية، تجد أن المنعطفات تأخذك بشكل تلقائي في مجراها.
هذه البداية أعطتني القدرة على استعراض خليفة ومن حوله بشكل بانورامي؛ من شخصيات محيطة به في العمل، وشخصيات محيطة به في المنزل. وأيضاً أسست لعلاقة سيكون لها تأثير في نهاية الفصل الأول؛ فلو لم يرجع الفضل لهذا المكان لما تعرف خليفة على الصحفي سفيان، ولما حدث كذا وكذا، فكان المكان مناسباً جداً.

* لكنك تقصدت أن يكون ذلك عبر بث مباشر، وليس فقط خلال حفل توزيع جوائز عادي.

ـ طبعاً، كلنا نعلم في هذا العصر أن البث المباشر يجعل الشيء مضخماً عشرات المرات. كيف والأمر يتعلق بابنته التي تدرك قيمة الإعلام؛ فعليا سيدة في منتصف الثلاثينيات من عمرها، وتسمع أن أباها يتعرض لما تعرض له في بث حي على منصات التواصل الاجتماعي. أبوها على المحك، وسمعتها كذلك على المحك. والسمعة شيء غالٍ جداً، كما سيكتشف القارئ أثناء قراءته لهذا العمل.
كتابات الإعجاب

* برأيك، ما الفرق بين أن نحكي مأساة ما، وبين ما نتكلم عنه من بث مباشر وتناقل للشائعات والأحداث؟ ما الفرق بين أن ننقل مأساة إنسانية أو نستغلها من أجل الانتشار أو الشهرة؟ وهذا يبدو واضحاً في الرواية.

ـ عليا لم توظف مأساة أبيها للحصول على متابعين أكثر، أو إعجابات (لايكات) أكثر، أو أي مكاسب من شأنها أن تصنفها في فئة النفعيين البحتين. ولكنها أُجبرت أو أُلجئت لهذا الاختيار بعد أن حدث الأمر بأيدي آخرين؛ فالصحفي المعتدي الذي تسبب لخليفة في فضيحة وفي إصابات أخرى سيكتشفها القارئ، وضع عليا في هذه الخانة، وتعرضت بعدها إلى خسارات في الحقيقة.
وإجابة عن سؤالك بشكل مباشر: إن تحويل كل شيء إلى محتوى مدر للنفع أو المكاسب ليس بالسلوك الذي يتمناه المرء بطبيعة الحال، ولكنه واقع حاصل في عالمنا الحالي.

* عليا في الرواية تقرر أن تكتب لأول مرة. ما الذي دفع عليا إلى اتخاذ قرار الكتابة؟ هل لتدافع عن أبيها أم ماذا؟ لماذا جعلتها كاتبة؟

ـ الكتابة بالنسبة لعليا كانت قراراً مشتركاً، وهنا محور خفي لكنه قوي في الرواية. كما سيكتشف القارئ، فإن رابط البنت بأبيها يتوطد باختيار هذا النشاط المشترك. هي ليست بعيدة عن القراءة والكتابة؛ فهي مستشارة أبيها في مسوداته، وهي أول من يهديها كتبه. بل إنها في الصفحات الأولى تقول إنها تملك نسختين وثلاثاً وأربعاً، وتعدد النسخ التي تحصل عليها من أبيها دعماً له وإهداءً لآخرين. وهي أيضاً تعمل في مجال إنشاء المحتوى كإعلامية، إذن هي تملك القدرة على كتابة من نوع آخر.
لكن المأساة بحجمها الكبير التي تعرض لها خليفة (أبوها)، تجعلها أمام خيار شبه مؤكد لتوثيق هذه المرحلة بكتاب رصين؛ وهنا نلمس إعلاءً من شأن النص الأدبي في معالجة الهم الإنساني.
إعادة تشكيل

* في الرواية، تعيد تشكيل العلاقة بين الأب وابنته، ولكن يبدو أنك تقصدت ألا تظهر الأب بشكل مثالي. هل أردت تحريره من صورته التقليدية والتركيز على الإنسانية في العلاقة بينهما؟

ـ عليا ليست براغماتية تماماً ولكنها ليست ملاكاً؛ هي تحاول أن تحافظ على سمعتها بينما تتابع علاج أبيها في المدينة الفلانية، وتحاول أن تحافظ على شراكاتها وتماسك الأسرة بشكل عام.
إذن، الإنسان يسعى إلى النجاة ما دام لم يتخطَّ حواجز أخلاقية كبيرة، وأعتقد أن من حقه أن يقوم بما يلزم ليبقى واقفاً على قدميه. خليفة شخصية طبيعية، وأنا سعيد لأنها بدت لكِ على هذه الشاكلة. علياء، ونهلة، والموجودون كلهم بشر، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم.

* عليا تنتمي إلى عالم مختلف عن عالم أبيها؛ فأبوها من عالم الكتابة الرمزية والأدب، وعليا من عالم التسويق الرقمي، والكتابة الحديثة، والنسخ القصيرة، والصورة، والانتشار. كيف وفقت بينهما؟

ـ هذان العالَمان ليسا متباعدين تماماً كعالمين لا يلتقيان؛ بل هما عالمان بينهما مساحات متقاطعة كثيرة. النقطة الأولى هناك إنشاء محتوى؛ أكبر وأصغر، أطول وأقصر، رصين واستهلاكي، يومي ودائم.
النقطة الثانية هي أن الأحداث في الرواية هي السيد، وأرجو أن أكون قد وُفقت في هذا؛ فالأحداث تفرض على عليا سلوك هذا المسار، وتفرض عليها أن تقارب عالم أبيها لدرجة أنها تضطر إلى استشارته فيما ستكتب، لأنها جاهلة بما يمكن أن تكتبه دفاعاً عنه.
خليفة أقل اجتماعية، هادئ لا نسمع صوته إلا في الضرورة، حازم ولا يسمح لأحد أن يتلاعب برأيه. وعليا ترى المصلحة في أن نجيب المتابعين حتى لا تتطور الأمور، ولكي نكسب كذا وكذا، وتبقى الأمور على شاكلة مقبولة.
مواجهة المشاعر

* بعيداً عن الرواية، هل تخاف على الأدب من السرعة؟ أم تشعر بأن الأدب قادر على دخول هذا العصر الرقمي واكتشاف خفاياه والتأقلم معه؟

* بطلة الرواية عليا هي التي كتبت الأحداث، وهي التي وجهت المشاعر وكل هذا الذكاء الموجود في الرواية. هل تعمدت أن تظهر عليا بشكل مستقل وقوي، وكأنك تحاول الابتعاد عن السيطرة الأبوية أو عن ارتباطها بالرجل لتبرزها كصوت مستقل؟

ـ اردت تقديم عليا كشخصية حقيقية موجودة أراها في دبي، وفي محيطي العملي والاجتماعي. لكني لم أقدم المرأة بشكل مثالي لكسب تعاطف القارئات؛ لأن هناك أم عليا التي تقدم نموذجاً آخر للأنثى، وهناك أخوات عليا؛ منهن المشغولة بدراستها حد إهمال الواجبات الاجتماعية قليلاً، ومنهن المشغولة بأسرتها حتى الانغماس التام.
فالنماذج الأنثوية في الرواية أرجو أن تكون متنوعة بشكل كافٍ. أما عليا فهي نموذج المرأة المعاصرة التي نراها في دبي.

* هل برأيك أحداث هذه الرواية كانت ستكون مشابهة لما حدث لو أنها وقعت في مدينة أخرى غير دبي؛ في مدينة ذات إيقاع بطيء أو مدينة عادية؟

ـ لا أعتقد ذلك. وأعتقد أنه إذا وُفِّق العمل في الاحتفاء بالمكان وتقديمه بما يتناسب معه من إيقاع وتفاصيل، فهذا يُحسب للعمل لا عليه. المدينة في الرواية موصوفة؛ دبي موصوفة بطرقها، وخورها، ومائها، وصحرائها، وجبلها. هي تنتقل مع زوجها إلى شاطئ المنطقة الشرقية، إذن هناك احتفاء بالمكان على الصعيد الملموس، وعلى الصعيد المفهومي والإيقاعي. دبي حاضرة هنا، ولا يمكن أن تجري احداث هذه الرواية في مدينة بدائية أو أقل تحضراً من دبي.

* سؤال حول كيفية تعاملك مع لغة عليا؛ أنت كاتب أدب، ومع ذلك كتبت بصوت فتاة تعمل في التسويق الرقمي وتتكلم لغة العصر. هل فصلت ما بين لغتك ولغة عليا؟ وكيف تمكنت من الموازنة بين اللغتين؟

ـ الفصل بين الأصوات كان تحدياً؛ فخليفة إجاباته محددة وفيها نوع من الحسم لأنه قارئ وله قناعات راسخة على مدى عقود. وعليا تمثل النموذج الحديث في التعاطي مع الأمور، حتى على شق القناعات والقيم. حاولت أن أضبط ذلك، وتلبس صوت الأنثى بشكل عام يشكل تحدياً أيضاً، لكني أرجو أن أكون قد وُفقت وأن يكون العمل مقنعاً على صعيد الصوت. فالصوت -كما لا يخفى عليكِ وعلى المشاهدين- من الأشياء الهشة والحساسة جداً في العمل السردي؛ إذ قد يكون الحدث جيداً ومشوقاً، لكن يأتي الصوت بنشازه -إن لم يوفق الكاتب- ويفسد على العمل هذا الانسجام.
بين السطور

* سؤالي الآن حول ما أردت قوله في هذه الرواية. في الروايات الجيدة، هنالك دائماً شيء يريد الكاتب إيصاله لكنه لا يعلنه بشكل مباشر، وإنما يتركه يتسرب بين السطور. ما الذي أردت أن يشعر به القارئ ولم تطرحه بشكل مباشر؟

ـ الرسالة الأقوى بالنسبة لي هي محبة الأب لابنته، واستثماره فيها، وزرعه لهذه المحبة، ثم ما يعود عليه من نفع من محبة الابنة لأبيها. وكما يُقال: “كل فتاة بأبيها معجبة (مغرمة)”. عليا تقف أمام مصائب وكوارث اجتماعية وأكبر من ذلك، وتنجح في اختبارات الزمن. وكان لديها خيارات كثيرة؛ كأن تتخلى عن أبيها أو أن تنسحب ولو جزئياً، لكنها لم تختر هذه الخيارات في أي مرحلة من مراحل الرواية، وبشكل واقعي دون مثالية مفرطة.

* هل يمكن أن نقول إن عليا قالت “هذا أبي” بفخر أم بوجع؟

ـ أتصور في العنوان، عندما اخترته، أردت أن أنقل شيئاً حيادياً: “أقبل أيها القارئ لأعرفك بأبي وقصته”. لكن بنهاية الرواية سيعلم القارئ أنها كانت تقولها بفخر بالتأكيد. على مر الفصول، ترى أن هناك مواقف لا يمكن لأي ابنة عادية أن تقوم بها، إلا إذا كانت محبة على درجة عالية جداً. كان من الممكن لعليا أن تخسر شركتها أو زواجها، وكان يمكن أن تخسر أشياء كثيرة، لكنها لم تضع علاقتها ومحبتها لأبيها في الميزان أمام أي من هذه المكتسبات، لأنها تعلم أن هذه الرابطة هي الأقوى.

* هل تعتقد أننا نعرف آباءنا بالفعل؟ يعني أنت حين تتذكر والدك، هل تشعر أنك تعرفه بحق، أم تعرفه بما يتيحه لك المجتمع، والذاكرة، والعلاقات الأسرية؟
ـ كل العلاقات لها خصوصية بعناصرها وعواملها المختلفة. وكي لا أنحرف بالسؤال إلى الشخصنة تماماً، لكن الفرق بيني وبين أبي مثلاً كان 40 سنة. أما الفرق بين عليا وبين أبيها فأقل من 20 سنة؛ هي متعلمة وهو متعلم، وهما من جيلين مواكبين لبعضهما البعض تقريباً في دولة ناهضة؛ فخصوصية العلاقة هي التي تحدد الإجابة عن هذا السؤال. ولكن بالتأكيد، تبقى هناك جوانب خفية وغرف سرية في كل شخصية وفي كل علاقة، لا تكتشفها إلا مع الصدمات والملمات الكبيرة.
الحاجة إلى الحماية

* في أحد حواراتك السابقة، أشرت إلى حقوق الملكية الفكرية والحدود، وما يمكن أن يتعرض له الكاتب أحياناً من مضايقات. هل تعتقد أنه في زمننا الحالي، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات في كل مكان، لم يعد الكتاب وحده هو ما يحتاج إلى حماية؟ بل أصبحت حياة الكاتب، وذكرياته، وتسجيلاته معرضة لتسريبات غريبة. هل تعتقد أن الحماية وحقوق الأفكار يجب أن تمتد من الكتاب إلى الكاتب نفسه أيضاً؟

ـ نجد هنا أن هناك دوراً كبيراً يلعبه مركز الثقل في هذه العملية، وهو الكاتب في حالتنا هذه. فإذا كان هو من يجعل حياته مشاعاً للجميع، فلا يلومنّ إلا نفسه. هناك استعراض على مدى الأربع وعشرين ساعة لبعض مفاصل الحياة على صعيد الإبداع والمشاركات، بل إن البعض يغرق حتى في استعراض مشروباته ومأكولاته؛ وهنا يعود التقييم للشخص نفسه.
أما كلمة “حماية”، فأتصور أنها بعيدة المنال بعض الشيء، خصوصاً أننا انتقلنا من عصر التواصل الاجتماعي إلى عصر الذكاء الاصطناعي؛ فهنا أصبحت مادتك في أيدي آخرين، وعلى الكاتب أن يتخذ ما يستطيع من إجراءات، ولكن لا ندري إلى أين سنصل.