صحيح أنّ صفة الشاعر هي التي تسبق اسم علي عبدالله خليفة، الذي رحل عن الدنيا، قبل أيام قليلة، عن اثنين وثمانين عاماً، لكنّ التوقف عند هذه الصفة وحدها لا ينصف تجربةً أدبية وثقافية شاملة امتدت لأكثر من نصف قرن، لم يقتصر أثرها على وطنه البحرين، بل تخطاها إلى أفاق خليجية وعربية وأبعد من ذلك أيضا.
اقترنت تجربة علي خليفة الأدبية والثقافية بالريادة في أكثر من مجال. كان لما يزل في الخامسة والعشرين من عمره، حين صدر ديوانه الأول “أنين الصواري” عام 1969، عن دار “الآداب” في بيروت، ليكون إعلاناً عن صوت شعري جديد يحمل ملامح بيئته المحلية، فحضر البحر في قصائده، كما السفن والبحارة والمدينة القديمة والذاكرة الشعبية، بوصفها مكوّنات أساسية لرؤية شعرية تتشكل بأفق أرحب ورؤية أشمل، فمن خلال فضاء البحرين الصغير استطاع أن يفتح نوافذ على أسئلة أكبر تتعلق بالإنسان والانتماء والزمن، وحمل ديوانه (أنين الصواري)، وديوان (البشارة) لقاسم حداد الذي تلاه في الصدور بعد قليل، بواكير التجربة الشعرية الجديدة في البحرين.
وكما كان لعلي خليفة ريادة في القصيدة الجديدة، فإنّه كان من أبرز وجوه الدينامية الأدبية والثقافية الجديدة في البحرين والمنطقة في تلك الفترة، كونه وجهاً بارزاً بين مؤسسي أسرة الأدباء والكتاب، التي أصبح ثاني رئيس لها بعد محمد جابر الأنصاري، وظلّ فاعلاً فيها، قبل أن يصبح من أبرز مؤسسي الملتقى الثقافي الأهلي، وتحوّل اسمه لاحقاً إلى (مركز عبدالرحمن كانو الثقافي)، الذي ظلّ رئيساً له على مدار عقود حتى وفاته، ومثّل كلّ ذلك إثراءً للنشاط الثقافي بأوجهه المتعددة في البحرين.
وفي وقتٍ كان فيه الاهتمام بالثقافة الشعبية محدوداً نسبياً في منطقتنا، أدرك علي خليفة أنّ الأغنية الشعبية والحكاية والأمثال والموروث الشفهي عامة ليست مجرد بقايا من الماضي، بل وثائق حية لفهم المجتمع وتاريخه وتحوّلاته، فتعامل مع التراث بوصفه مجالاً للبحث والمعرفة والحفاظ على عناصر الهوية الثقافية، وهذا ما أهلّه، لأن يصبح أول رئيس لمركز التراث الشعبي التابع لمجلس التعاون الخليجي، وكان مقرّه الدوحة، وهو المركز الذي يعود له فضل كبيرفي مأسسة جهود حفظ التراث الشعبي في دول المنطقة.
ولا يمكن هنا أنّ نغفل أنّ من أوائل إصداراته، بعد (أنين الصواري) كان ديوان (عطش النخيل) الذي حوى مواويل شعبية، مستلهمة من روح الموال الذي شاع في بلدان المنطقة، وعبّر عن حياة ومعاناة الإنسان، التي استلهم منها علي خليفة مادةَ لتجربته الشعرية، يكفي أن نقف عند أول مفردتين في عنواني أول ديوانين له: (أنين) و(عطش)، فهما تكادان أن تلخصان هذه المعاناة.
مع مرور السنوات أخذ اهتمامه بالثقافة الشعبية يحتل موقعاً مركزياً في مشروعه الثقافي، وليس من الصعب أن نرى الصلة بين الشاعر والباحث في شخصيته، فكلاهما ينطلق من الإيمان بقيمة الذاكرة الجمعية وبأهمية الأصوات التي تصنعها حياة الناس اليومية، ومن تجليات هذا الاهتمام إصداره لمجلة (الثقافة الشعبية)، التي شكّلت آخر محطاته في الإشراف على دوريات ثقافية مختلفة.
هناك من يترك أثراً بكتاب، وهناك من يترك أثراً بقصيدة، وهناك من يترك أثراً في حياة ثقافية كاملة. وفي شخص وتجربة علي عبدالله خليفة اجتمع كلّ هذا؛ تعبيراً عن وحدة مشروع ثقافي صنع الشاعر والباحث والمثقف، الذي سيترك رحيله فراغًا كبيرًا، لكنّ سيبقى إرثه الثقافي الثري ملهماً.
خاص موقع مؤسسة العويس الثقافية







