الكاتب العماني محمود الرحبي يتوج بجائزة الملتقى للقصة القصيرة.
حول ما يمثله له فوزه بـجائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية، على المستوى الإنساني والإبداعي معا، يقول محمود الرحبي “جائزة مهمة عربيا كجائزة الملتقى تشكل مطمحا لأي كاتب قصة، خاصة وأنها تمر بمراحل في الفرز، وآخر هذه المراحل هو التواجد ضمن الصفوة الخمسة”.
ويضيف “حقيقة شعرت بغبطة عميقة كوني أولا أزاول جنس القصة القصيرة كتابة ونشرا منذ التسعينات، وثانيا كوني أصل إلى القائمة القصيرة للمرة الثالثة، وكأن القاص يظل يكتب القصة حتى يحصل على جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية بدولة الكويت. الجائزة محترمة في مجالها، ولا يجب أن ننسى أنها جائزة للفن الأدبي الأصعب وهو القصة القصيرة”.
يعرف الرحبي بصفته أحد أبرز أصوات القصة القصيرة العربية اليوم، يتحدث لـ”العرب” حول ما تمنحه له القصة القصيرة ولا يجده في الرواية، يقول “القصة ساحة لعب حرة ولكنه لعب غير مفتوح على مصراعيه، لعب مبني على الاقتصاد الشديد من جهة وعلى إنفاق الوقت في المراجعة وإعادة الكتابة من جهة أخرى. أتذكر في هذا السياق كاتبا روسيا كتب رسالة طويلة إلى صديقه، وقد ذيلها بعبارة ‘للأسف لم أجد الوقت لكتابة رسالة قصيرة’. القصة صالحة جدا لمثل هذه الرهانات الصعبة وأيضا هناك اللغة والتخييل الذي تقتضيه القصة في سياق تجويدها”.
في زمن يميل إلى الرواية بوصفها ديوان العصر، نسأل الرحبي كيف يرى مستقبل القصة القصيرة عربيا، وهل ما زالت قادرة على المنافسة والتأثير؟ ليجيبنا “جزء كبير من هذه العودة إلى القصة يعود الفضل فيه إلى جائزة الملتقى، ويجب هنا ذكر الدور الاستثنائي الذي يقوم به مؤسسها الأديب الكويتي طالب الرفاعي، فهو أيضا قاص وقد أصدر قصصا في السبعينات عن دار الآداب البيروتية”.
القصة القصيرة هي فن الالتقاط، فصنارة القصة تشتبك أكثر مع المتواري والهامشي والقصي وغير العادي وتتطلب الانتباه
قصص الرحبي تنحاز غالبا إلى التفاصيل اليومية والهامش الإنساني. نسأله إن كان ذلك اختيارا جماليا واعيا أم نتيجة حساسية خاصة تجاه العالم، فيقول “الأمر ربما يعود أيضا إلى طبيعة القصة القصيرة، فهي فن الالتقاط بامتياز، فصنارة القصة تشتبك أكثر مع المتواري والهامشي والقصي وغير العادي، وهي أمور تقتضي الانتباه. التركيب أيضا صار جزءا من بنيات القصة الحديثة، حيث يمكن مزج اللقطة العينية واللوحة والصورة لتركيب قصة قصيرة تمنح قارئها شعورا غامضا ولكنه مستحب”.
الكثير من نصوصه تقوم على الاقتصاد اللغوي وكثافة الدلالة. يتحدث لـ”العرب” عن كيفية موازنته بين ما يُقال وما يُترك للقارئ، مشددا على أن الكثافة والاقتصاد عنصران أساسيان في تركيب القصة، ولكن هذا الاقتصاد يفترض الوفرة، فلا يمكن أن تكون مقتصدا خارج الوفرة، وهذه الوفرة تتأتى من القراءة والحصيلة اللغوية المتراكمة وأيضا من التجربة.
لمحمود الرحبي تجربة في الرواية أيضا، بسؤاله متى يشعر بأن الفكرة تطلب شكل القصة، ومتى تلح عليه الرواية؟ يقول “غالبا الموضوع يفرض النوع الروائي، وهناك أيضا حدود الفكرة. لا أميل إلى الثرثرة، كما أني لست ضد الروايات الموسعة، بعض المواضيع التاريخية تقتضي التوسع. هناك روايات بأجزاء استمتعت بقراءتها. لا يمكن تخيل مثلا أن تكون رواية ‘الحب في زمن الكوليرا’ قصيرة، وفي الآن نفسه يصعب استيعاب أن تكون ‘المعطف’ لجوجول في حجم ‘الأنفس الميتة’ لنفس الكاتب، التي جاءت في جزأين، للأسف تخلص الكاتب من الجزء الثاني في حالة يأس، ولكن الجزء الأول أبان عن عمل إنساني هائل”.
يحضر المكان العماني في أعمال الرحبي دون فجاجة أو مباشرة. يعلّق “المكان يفرض حضوره عند أي كاتب، سواء كان مكان الطفولة أو مكان الإقامة، فالكاتب ابن بيئته، وهو أيضا ابن ما يعرف وما يشعر، مع وجود استثناءات في ما يتعلق بالفضاءات المتخيلة. عمان بلد ثري بيئيا، لذلك يشكل مادة خصبة للكتابة القصصية بسبب هذا التنوع”.
وبوصفه كاتبا ومحررا ثقافيا، تسأله “العرب” عن تقييمه للمشهد القصصي العربي اليوم، فيقرّ بأنه مشهد متنوع وثري، مضيفا أن هناك مفاجآت جميلة عند جيل الشباب ونزوع جميل نحو التجريب. وجائزة الملتقى للقصة القصيرة، في رأيه، ساعدت كثيرا على التنافس وكتابة القصة وإحيائها.
بعض الكتّاب بعد تتويجهم بجائزة مهمة يشعرون بثقل التوقعات، لكن الرحبي يؤكد أن الجائزة محطة مهمة للقاص، وخاصة إذا كانت بحجم جائزة الملتقى ذات الطبيعة الاحترافية. ويتابع “العبء ربما يتعلق بعدم تكرار الكاتب نفسه، ومحاولة التنويع والاستمرار، والتجريب بالنسبة إلي يتعلق بتجريب المواضيع أكثر منه تجريبا على مستوى الشكل واللغة، بيد أني أولي اهتماما بالشكل واللغة ولكن بما لا يؤثر على المضامين أو يلغيها”.
تسأل “العرب” محمود الرحبي ختاما: ما النص الذي لم يكتبه بعد ويخيفه؟ وما النص الذي يحلم بأن يترك أثرا طويلا في القارئ؟ فيجيبنا “لدي نصوص تنتظر أن أتفرغ لها دون أن أسميها. هناك حاجة دائمة لحرث أرض جديدة، والقصة تتيح هذه المغامرة”.
صحيفة العرب