سارة ضاهر: «العربية» لا تعاني من «ضعف» بل من فقر في المحتوى الرقمي

يقولون إن اللغة هي وعاء الفكر ومرآة الهوية، ولكن.. كيف تبدو هذه المرآة اليوم في زمن التسارع الرقمي والانفتاح الثقافي؟
وهل يمكن لـ لغة الضاد أن تظل أداة حية للمستقبل في مواجهة الذكاء الاصطناعي، أم ستبقى مجرد إرث تاريخي؟، حول الذكاء الاصطناعي وتأثيره على اللغة العربية استضافت النهار الدكتورة سارة ضاهر رئيس مجمع اللغة العربية في لبنان وأجرت معها حوارا خاصا لخصت فيه ما أسمته مرحلة انتقالية للغة العربية وإعادة تشكل، وليس أزمة في ظل تنامي استخدام الذكاء الاصطناعي والعالم الرقمي بقولها مستقبل لغتنا مرتبط بالقرارات التي نتخذها اليوم.

ورأت أنه من الضرورة نقل العربية من خانة المادة الدراسية إلى كونها أداة تفكير وتعبير، عبر مناهج حديثة، وتدريب المعلمين، وربط اللغة بالثقافة والإبداع. وأشارت إلى أولويات العمل في مجمع اللغة العربية في لبنان، وبينت أن التعاون القائم بين مجامع اللغة العربية لا يقتصر على القرارات الرسمية، بل يشمل البحث والتدريب وإنتاج محتوى موحد للعالم العربي. وعبرت عن تفاؤلها الحذر من المستقبل، ، كما أضاءت العديد من الجوانب المرتبطة باللغة العربية وواقعها الحالي، ووجهت كلمة خاصة للأجيال الشابة في هذا الحوار:

– ماذا تعني لكِ الاحتفالية باليوم العالمي للغة العربية؟

– بالنسبة إليّ، اليوم العالمي للغة العربية ليس محطة احتفال بقدر ما هو مساحة حوار مفتوحة مع الذات والمجتمع. هو يوم ندعو فيه الجميع – مختصين وغير مختصين – للتفكير في علاقتهم الشخصية باللغة: كيف نتكلمها؟ كيف نعلّمها؟ وكيف نمنحها مكانها الطبيعي في حياتنا اليومية؟ أراه فرصة لكسر النمطية التي تحصر العربية في الماضي أو في المناسبات الرسمية، وإعادة تقديمها كلغة حيّة قادرة على التفاعل مع أسئلة العصر، والتعبير عن التعدد، والاختلاف، والإبداع. الاحتفالية الحقيقية تبدأ حين نشعر أن اللغة ليست عبئًا معرفيًا ولا رمزًا جامدًا، بل أداة تفكير وحوار وبناء مشترك للمستقبل.

– كيف تصفين الحالة الراهنة للغة العربية في ظل التداخل الثقافي واللغوي؟

– اللغة العربية تمرّ بمرحلة انتقالية دقيقة، لا أصفها بالأزمة بل بإعادة التشكل. التداخل الثقافي واللغوي واقع عالمي لا يمكن مقاومته، بل يجب التعامل معه بوعي. العربية تملك مرونة تاريخية مكّنتها عبر القرون من التفاعل مع لغات وثقافات متعددة، والتحدي اليوم هو أن نعيد تفعيل هذه المرونة ضمن سياق معاصر، يحفظ الخصوصية دون انغلاق، وينفتح دون ذوبان. اللغة العربية بحاجة اليوم إلى أن تكون أداة للتفكير المعاصر، لا مجرد أثر تاريخي جميل.

– هل تراجع استخدام الفصحى تراجع في الهوية؟ ومن المسؤول؟

– لا أرى الأمر على هذا النحو المباشر. الهوية لا تُختزل باللغة وحدها، لكنها تُضعف حين تُهمَل اللغة. التراجع في استخدام الفصحى لا يعني رفضها، بل يعكس فجوة بين اللغة كما ندرّسها ونفرضها، واللغة كما يحتاجها الناس في حياتهم اليومية. المسؤولية مشتركة بين النظام التعليمي، والإعلام، والسياسات الثقافية التي لم تُحدّث أدواتها بما يكفي لتواكب التحولات الاجتماعية. اللغة لا تُبنى بالقوة أو بالترهيب، بل بالقدرة على جعلها حية وملهمة.

– الرقمنة والذكاء الاصطناعي: تحدٍّ أم فرصة؟

– هي فرصة كبرى إذا أُحسن التعامل معها. الذكاء الاصطناعي لا يُقصي لغة بعينها، بل يتفاعل مع اللغات التي تُنتج محتوى معرفيًا رقميًا. التحدي الحقيقي هو ضعف المحتوى العربي الرقمي، لا ضعف اللغة نفسها. المطلوب اليوم هو الاستثمار في المعالجة الحاسوبية للعربية، وتطوير قواعد بيانات ومصطلحات تتيح لها أن تكون لغة فاعلة في التقنيات الحديثة. المستقبل للغة التي تُستثمر رقميًا، لا لمن يكتفي بالدفاع عنها نظريًا.

– ما أولوياتكم الاستراتيجية في مجمع اللغة العربية في لبنان؟

– نضع في مقدمة أولوياتنا ربط العمل اللغوي بالواقع التربوي والرقمي، وتحديث آليات العمل داخل المجمع، والانفتاح على الجامعات والباحثين الشباب. نعمل على جعل المجمع منصة حوار علمي، لا مؤسسة مغلقة، وعلى أن يكون له دور استشاري فاعل في السياسات اللغوية والتعليمية. نؤمن بأن اللغة تحتاج اليوم إلى مختبر للتجربة والابتكار أكثر من كونها حارسًا للقواعد.

– هل من توجه لتبسيط القواعد أو تحديث المعاجم؟

– نعم، هناك توجه واضح لإعادة النظر في طرائق عرض القواعد والمعاجم، بما يجعلها أكثر وظيفية وأقرب إلى المتعلّم المعاصر.
التبسيط لا يعني التفريط بالأصول، بل ترتيب المعرفة اللغوية بما يخدم الاستعمال والفهم والتواصل، خصوصًا لدى الأجيال الشابة. هدفنا أن تصبح العربية أداة يفهمها الجميع بسهولة، لكنها لا تفقد عمقها.

– كيف يتم التنسيق مع المجامع العربية الأخرى؟

– التنسيق قائم ويتطوّر، خصوصًا في مجال المصطلحات العلمية والتقنية. نعمل على تعزيز العمل المشترك وتبادل الخبرات، لأن التحديات اللغوية اليوم عابرة للحدود، ولا يمكن لأي مجمع أن يواجهها منفردًا. التعاون بين المجامع لا يقتصر على القرارات الرسمية، بل يشمل البحث والتدريب وإنتاج محتوى موحد للعالم العربي.

– فجوة الطالب مع العربية: أين الخلل؟

– الخلل الأساسي في طرق التدريس، لا في اللغة ذاتها. حين تُقدَّم العربية كمنظومة قواعد معزولة عن الحياة، يفقد الطالب علاقته بها. المطلوب نقل العربية من خانة “المادة الدراسية” إلى كونها أداة تفكير وتعبير، عبر مناهج حديثة، وتدريب المعلمين، وربط اللغة بالثقافة والإبداع. العربية تُحَبّ حين تُستعمل، لا حين تُفرَض.

– العربية وسوق العمل؟

– العربية لن تستعيد مكانتها إلا حين تصبح لغة إنتاج. هذا يتطلب سياسات تشجع البحث العلمي والترجمة والنشر بالعربية، إلى جانب الانفتاح على اللغات الأخرى. التعدد اللغوي قوة، شرط ألا يكون على حساب اللغة الأم. العربية قادرة على أن تصبح لغة علم، إدارة، وإبداع إذا وجد لها محتوى وفضاء حي.

– الإعلام والسوشيال ميديا: كيف تقيمين الأداء؟

– الإعلام العربي يعكس الواقع الاجتماعي: سريع، متوتر، وأحيانًا مهمل لغويًا. لا أدعو إلى رقابة صارمة، بل إلى رفع مستوى الحسّ اللغوي والمسؤولية المهنية. اللغة في الإعلام ليست ترفًا، بل أداة تشكيل الذائقة الثقافية، والمجتمع بحاجة إلى إعلام يحترم لغته ويغذي فكره.

– دور المجمع في الترجمة؟

– ننظر إلى الترجمة بوصفها ركيزة أساسية في إبقاء العربية لغة معرفة. دعم الترجمة، وتوحيد المصطلحات، ومواكبة الإنتاج العلمي العالمي، كلها عناصر حيوية لضمان حضور العربية في المشهد الفكري المعاصر. اللغة التي لا تُترجم تُصبح لغة استهلاك لا إنتاج.

– العربية بعد 20 عامًا: ما رسالتك؟

– أنا متفائلة بحذر. مستقبل العربية مرتبط بالقرارات التي نتخذها اليوم. رسالتي للأهل أن يجعلوا العربية لغة حياة في البيت، وللمؤسسات أن تعتمدها لغة عمل ومعرفة، ولصنّاع القرار أن يدركوا أن الاستثمار في اللغة هو استثمار في الاستقرار الثقافي والحضاري. العربية لغة حية إذا تم استثمارها بوعي وإبداع.

– كلمة أخيرة للأجيال القادمة؟

– العربية ليست لغة الماضي، بل لغة قادرة على المستقبل إذا آمنتم بها وطوّرتموها. هي ملككم، ومسؤوليتكم، وفرصتكم للتعبير عن أنفسكم في عالم متغيّر. حافظوا عليها، استثمروا فيها، واجعلوها جسرًا بين هويتكم
والإبداع العالمي.

جريدة النهار الكويتية