فضاءات محمد الحارثي – بقلم عبدالله محمد السبب

6620181n

أن تستحضر ما في جعبة ذاكرتك من أحداث وأحاديث، ومن كائنات وكيانات، ومن حكايات وحياكات.. ذلك أنك تستعيد نفسك وهمسك وهمك واهتماماتك، وأنك تقود أنفاسك إلى الوراء، إلى زمن بعيد، وإلى مكان قديم، في محاولة الالتقاء بأناس قد التقيتهم سابقاً في ذلك الزمان، ممن كانوا أطرافاً رئيسية لتلك الأحداث والأحاديث والحكايات والحياكات.. فهنالك، حيث معرض الشارقة للكتاب في دورته الدولية السادسة عشرة، وحيث نهار وليل السابع من نوفمبر 1997م، وحيث الصحبة الأدبية الطيبة: (يوسف أبولوز، هاشم المعلم، عبدالعزيز جاسم، عبدالله عبدالوهاب، أحمد العسم)، وكاتب هذه الكلمات، والشاعر العُماني العزيز «محمد الحارثي، رحمه الله».. الذي غادرنا جسده المريض فجر يوم الأحد 11 رمضان 1439 ه، 27 مايو 2018م، فيما روحه المرحة وآثاره الثرية باقية بيننا، تشاطرنا تنفساتنا، وتبث همساتها، وتمارس حضورها وفق بصماتها المعنوية والمعرفية الإبداعية الأدبية..
هنالك، حيث ذلك التاريخ النوفمبري من العام 1997م، جمعني بالصديق الشاعر «محمد الحارثي» لقاء يتيم على أرض شارقة الثقافة الإماراتية العربية المتحدة، بعد لقاءات عدة عبر متابعة متبادلة لما يبث من نصوص إبداعية عبر قنوات إعلامية، وما يمثل في أسماعنا من أخبار عبر وسائل إعلامية مختلفة وبواسطة أصدقاء مخلصين للكلمة وللصحبة الصائبة.. ففي ذلك اللقاء، جرى تبادل إبداعي أدبي: باكورتي الشعرية (الآن: 1996م)، وثاني حزمه الشعرية (كلّ ليلة وضُحاها: 1994م) بعد باكورته الشعرية (عيون طوال النهار)، ليطلق في ما بعد العنان لجمع من إصدارات في مختلف حقول الثقافة الإبداعية الأدبية.. وفي ذلك اللقاء النوفمبري اليتيم، لم يكن «محمداً» وحيداً في تلك الأثناء، بل كان مصطحباً معه مرحه وصدق ابتسامته وبياض قلبه وثقافة قلمه..
نعم، ذلك هو الأديب والشاعر العالمي العربي الخليجي العماني «محمد الحارثي»، المأسوف على فراقه، تماماً كالشاعر الخورفكّاني «أحمد راشد ثاني، رحمه الله»، المولود معه في العام ذاته «1962م»، والراحل قبله في 20 فبراير 2012م، وكلاهما كتب الشعر العمودي، وقصيدة النثر، والمقالات، وكتباً في أدب الرحلات، ونشرا أعمالهما في دوريات عربية، وحازا على جوائز، وحازا على رضا الأصدقاء والمشهد الثقافي العربي والمحلي، وكلاهما لم يؤذيا أحداً، ويُكِنّان المحبة للجميع، دون استثناء ودون ثناء مفتعل..
«محمد الحارثي»، رحمه الله وطيَّب ثراه.. شاعر إنسان.. يصل بصوت قصيدته إلى خارج الخريطة الجغرافية، عبر خريطته الذهنية النابضة بالقول الحسن من الحروف، الواصفة ل «أبو الكلام» بما هو أهل لقصته:
(لم يضرب بعصاه الرمل/ أتى من قريته النائية/ في خليج البنغال/ تاركاً أبويه في رصيف المحطة/ بين كسرة خبز وبطانية مرقعة/ بحواسها الخمس.// مستسلماً في حارته الجديدة/ لمكيّف هواء ومذياع صغير/ يدلق في أذنيه/ انقلاباً عسكرياً/ وفيضاناً بحذافيره.// (مثرثراً مع رفاقه عن مقاول جديد)/ بعد ظهيرة من الأسمنت/ وأربعين دولاراً/ يرسلها كل هلالين/ لأبيه المجدور). 

جريدة الخليج