هنا وُلِد «بابا» همينغواي… هنا اشتعل فتيل الموهبة الخالدة – بقلم آمال نوّار

هنا وُلِد «بابا» همينغواي… هنا اشتعل فتيل الموهبة الخالدة – بقلم آمال نوّار

في الذكرى 119 على شروق شمس الكاتب الأميركي العظيم إرنست همينغواي (21 تموز – يوليو، 1899)، والذكرى 57 على وداعه الحياة (2 تموز – يوليو،1961) كان لي أن أزور بيته الذي تحول إلى متحف تختصر محفوظاته ناحية من مسار هذا الكاتب اتكبير. من عائلة غنية ومترفة تحدّر الأديب، شيخ البحر، الملقّب بِـ «بابا»؛ فأبوه كلارنس همينغواي كان طبيبًا، وأمه غرايس هُول عازفة موسيقية ومغنية أوبرا، وجده لأمه إرنست هول (الذي حمل اسمه) من وجهاء مدينة أُوك بارك الواقعة في ضواحي مدينة شيكاغو. هواية الصيد تحدرت معه من نسل العائلة، من جد الجد إلى الجد إلى الأب ثم إليه (حمل بندقية في العاشرة من عمره)، ليورثها بدوره إلى أولاده. أيضًا الموت انتحارًا، هي لعنة موروثة، تترسّب أسبابها المرضية (داء ترسّب الأصبغة الدموية) في جينات العائلة، حيث انتحر والد همينغواي (بسبب أزمة مالية) قبل انتحاره هو بثلاثة وثلاثين عامًا، ثم انتحرت أخته أُورسولا بعده، ولحق بها أخوه ليستر ثم من الأحفاد أيضًا مَن انتحر. أما روح السَّرد، فورثها عن جده إرنست هُول، الذي أشبع خيال حفيده الطفل بقصص ساحرة، شيقة، كان ينتظرها بلهفة يوميًا حول مائدة العشاء؛ فأسرة همينغواي الأب، كانت تشارك الجد مسكنه حتى رحيله في 1905، حيث انتقلت بعد ذلك إلى بيت آخر أكبر على بعد أمتار من بيت الجد.

قمتُ بزيارة البيت (الأول) موضع ولادة همينغواي. رأيت شهادة ميلاده معلقة على حائط غرفة نومٍ تزخرف الورود سقفها وجدرانها وأرضيتها. ولا يشزّ سرير الأُم الحديدي الأبيض بأغطيته المزركشة، ولا أثاث المنزل بأكمله وديكوره عن الطابع الفيكتوري الأصيل. في غرفة المكتب ثمة بومتان محنطتان على أحد رفوف المكتبة، تشهدان على مدى حب والد همينغواي والدته. والقــــصة خلفهما أنّ الأسرة كانت تمضي صيفها في ممارسة الصيد مقيمةً في بيت ريفي شمال ولاية ميشيغن، وفي إحدى الليالي أرّق نعيق البوم والدة همينغواي، فما كان من الأب الجامح، المستهام، إلا أن برز ببندقيته في الحال، ليلقّن البومتين درسًا في العشق، ثم ليحملهما لاحقًا محشوتين خرَسًا على غصن ذهبيّ، ويقدمهما هدية للزوجة في عيد زواجهما! إذًا، في أحضان الحُبّ ترعرع همينغواي، ولكنه لم يفلت من براثن النظام الصارم لعادات العائلات المحافظة في أُوك بارك، لا سيما الطبقة الثرية المنتمية إلى بيئة اجتماعية تعجّ بالكنائس، وتتسيّد فيها السمعة الأخلاقية. ومع ذلك، فإن روح التمرّد التي سكنته منذ الطفولة، قادته باكرًا للعمل كمراسل صحافي عقب إنهائه دراسته الثانوية مباشرةً، معارضًا بذلك رغبة والديه في التحصيل الجامعي على غرارهما.

طوال حياته، لم تنقصه الفطنة لملاحقة أحلامه، غير أنّ «السعادة والذكاء نادرًا ما يجتمعان في شخص واحد»، كما عبّر مرةً حاصدُ جائزة نوبل (1954) وبوليتزر (1953) وغيرهما. لم يستطع إدمانه الكحول التغلّب على كآبة مزمنة لازمته كظلّه، ولا كبح جماح أزمات عصبية شرسة، واضطرابات عقلية دفعت بزوجته الأخيرة، ماري ولش، بالإتفاق سرًا مع طبيبه، إلى تشجيعه على دخول «مايو كلينيك» في مينيسوتا بحجة العلاج من مرض ارتفاع ضغط الدم. وهناك، تمّ إخضاعه لجلسات صدمات كهربائية مكثفة، أحالته حُطامًا، وأفقدته ذاكرته، وهو مَنْ هو؛ الأديب العالمي الشهير، و «بابا نوبل»، فكيف لا ينتحر من خسر رأسمال حياته الروحي كلّه في رهان مُكَهْرَب تبيّن لاحقًا أنّ الاستخبارات الأميركية الـ «أف بي آي» كانت على علم به (على رغم أنه قُيّد في المستشفى باسم مستعار)، وربما كانت ضالعة في تحديد كمية الفولت في علاجه؟! والجدير بالذكر أنّ همينغواي كان يعلم بأنّه مُراقَب من قبل الـ «أف بي آي» ، وبأنّ الشكوك كانت تحوم حوله على خلفية علاقته بكوبا. وقد حوّلت أجهزة التنصت الموضوعة في بيته وسيارته وهاتفه ومكتبه، الحقبة الأخيرة من حياته إلى جحيم، وانعكست سلبًا على حالة اكتئابه المرضي التي قادته إلى الانتحار وذلك بعد يومين فقط من خروجه من المستشفى.

إنّ المُتأمِّل في العدد الخُرافي للحوادث الكارثية (حوادث وقوع أثناء المشي، واصطدام سيارات وتحطّم طائرات، وجرح بسكين وإصابات بحروق أو برصاص أو بشظايا متفجرات) التي نجا منها همينغواي خلال حياته، إضافة إلى الحروب التي خاضها والأزمات التي عايشها، السياسية والاقتصادية والشخصية (أربع زيجات) والمرضية، عدا عن تبعات إدمانه الكحول، ربما لم يعد ليدهشه إقدامه أخيرًا على إنهاء حياته بنفسه طالما أنّ الموت حاول عَبَثًا طوال 62 عامًا أن يغلبه ولم يفلح!

البيت الذي زرته، عاش فيه همينغواي حتى عمر السادسة فقط! ومع ذلك، جعلته البيئة الحضارية والثقافية الأمريكية مزارًا محميًا ومغريًا وعزيزًا. هنا، الكرسي الهزّاز؛ مقعد الأُم المفضّل حيث كان الطفل إرنست يغفو في حضنها. وهناك، البُوق الصغير الذي نفخ فيه الأب صباحًا، أمام مدخل بيته، صادحًا ببهجته بالمولود الذكر (إرنست) بعد بِكْره الأنثى. وثمة أكوام من الذكريات المكدّسة في الصُّوَر التي تكسو الجدران، وداخل المرايا المغبشة القاتمة. لامستُ أزرار الطابعة على المكتب السندياني الصغير وأزرار البيانو القديم. ولكن مهلًا! لم تكن الطابعة ملكًا لهمينغواي ولا لأبيه ولا حتّى لجده! ولم يكن البيانو ملكًا لأمه؛ كلّ شيء في هذا المنزل، عبارة عن نسخة مطابقة للأصل! الأثاث الحقيقي أحرقته الوالدة في الفناء الخلفي لهذا المنزل، طمعًا بأثاث جديد للمنزل الآخر الجديد.

لقد أعادوا استنساخ البيت وأثاثه على صورة ما رأوه في الصُّوَر، وبناءً على بعض ما ورد من أوصاف للغرف ومقتنياتها في مذكرات «مارسلين»، الأخت الكبرى لهمينغواي. لا بأس، قلتُ في نفسي، متذكرةً تعبير فينست فان غوخ: «ذهبتْ الطاحونة، ولكنّ الريح لاتزال في مكانها.» لقد شعرت في هواء غرفة الطعام بروح إرنست الجد تُشعل فتيل موهبة إرنست الطفل. وقبل مغادرتي المنزل استعلمت إن كان فيه أصلٌ لم يُستنسخ، فجاءني الردّ: أجل، هناك أربع قطع حقيقية: الكرسي الهزاز، والبُوق، وشهادة الميلاد، والبومتان.

يرقد همينغواي اليوم في مقبرة في مدينة كيتشوم من ولاية آيداهو، حيث قضى الحقبة الأخيرة من حياته. بيته هناك المطلّ على نهر وسط غابة، أُدرج على اللائحة الوطنية للأماكن التاريخية على غرار بقية بيوته، ولكنه الوحيد غير المفتوح للزيارة. ونجد أنّ منزليْه في كي وست من ولاية فلوريدا، وفِي ضواحي هافانا في كوبا، إضافةً إلى كوخ والديه الصيفي المطلّ على بحيرة ولُوُن في ولاية ميشيغن، حيث كان يقوم برحلات الصيد مع أبيه حتى عمر 21 سنة، ومنزل ولادته هنا في أُوك بارك من ولاية إلينوي؛ كلّها تحولت إلى مزارات مشهورة، علمًا أنّ همينغواي لم يكن رجل بيوت، ولا صديق جدران، بل سندبادًا مغامرًا، ومحاربًا بطوليًا، وصيادًا أسطوريًا، وأديبًا خارقًا، ولا حدود تحيط بغرفته الكونية.

جريدة الحياة

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
Close Menu