كرسي هوكينغ وأكاديمية زويل – بقلم طارق الشناوي

كرسي هوكينغ وأكاديمية زويل – بقلم طارق الشناوي

أين هي المتاحف التي من المفروض أن تُخلد أسماء عشرات من مبدعينا وعلمائنا الكبار، أخيراً أشارت جريدة «الشرق الأوسط» إلى أن مقتنيات عالم الفيزياء الراحل ستيفن هوكينغ بلغت مبيعاتها في المزاد أكثر من مليوني دولار، وسوف ترصد من أجل دعم الجمعية التي تحمل اسمه، وأيضاً للمساهمة في علاج من يعانون المرض العصبي نفسه الذي عاش به، ورغم ذلك استطاع أن يواصل حياته وإنجازاته وتحول إلى أيقونة إنسانية وعلمية في العالم كله.
ما الذي فعلناه نحن مثلا لعالم بحجم د. أحمد زويل الذي غادرنا، بينما الصراع يشتد على الأكاديمية التي تحمل اسمه؟!
كنت قبل بضعة أشهر أشارك في الاحتفال بمئوية المخرج السويدي العالمي انجمار بيرجمان في جزيرة (فارو)، ووجدت كل التفاصيل الخاصة بهذا المخرج لا يزال يحتفظ بها. شاهدت البيت الذي كان يقطنه، حتى (الشخبطة) التي تركها على الجدران حافظوا عليها، والسينما الصغيرة التي كان يشاهد فيها الأفلام، حرصوا على أن يظل كرسيه المفضل والمخدة والمنضدة كما هي، كما أنهم كما تعود بيرجمان يوم عيد ميلاده، عرضوا في القاعة الفيلم الصامت المفضل له (السيرك) لشارلي شابلن، مثلما كان يفعل في حياته.
بينما متحف نجيب محفوظ يعاني على مدى 12 عاماً من صراع حاد على النفوذ بين أكثر من وزارة، بيت نجيب محفوظ المطل على نيل القاهرة، لم تفكر الدولة في اقتنائه ليتحول إلى متحف، حيث إن أديب نوبل يرنو كُثر من العالم لكي يشاهدوا منزله ويعايشوا طقوسه في الكتابة.
عندما رحل الموسيقار محمد عبد الوهاب عام 1991 طالبت وغيري بأن تشتري الدولة المنزل الذي كان يقيم فيه، ليتحول إلى متحف، ولم يتحرك أحد. والغريب في الأمر أن الكل يؤكد أن لدى عبد الوهاب العديد من الألحان بعضها غير مكتمل، تركها في الشقة، وحتى الآن لا يدري أحد أين هي. أرملة الموسيقار الكبير السيدة نهلة القدسي، رحلت قبل بضع سنوات ولم تترك شيئاً من تلك التسجيلات، ناهيك عن مخطوطات بخط يده سواء موسيقية أو غيرها.
وهو ما تكرر عام 75 بعد رحيل أم كلثوم، عندما لم تسارع الدولة بشراء فيلا أم كلثوم ثم باعها الورثة، وسارع المالك الجديد للفيلا التي كانت واحدة من معالم مصر فأحالها إلى فندق، وكل ما فعله أصحاب الفندق أنهم استبدلوا أرقام الغرف بأسماء أغانيها الشهيرة هذه تحمل اسم «أنساك» وتلك «يا ظالمني» والثالثة «بعيد عنك حياتي عذاب» والرابعة «أروح لمين». حالياً تحاول الدولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه في قريتها (طماي الزهايرة) بعد أن عثرت على بيتها الريفي القديم، الذي حمل ذكريات أم كلثوم الطفلة، ولكن هل سيجدون البيت على حالته القديمة؟… ولا ننسى أن أم كلثوم ولدت في ذلك البيت قبل 120 عاماً.

كان الملحن والممثل عبد العظيم عبد الحق يحتفظ بعود استطاع اقتناءه من أحد ممن عاصروا الموسيقار الرائد المجدد سيد درويش، ورحل عبد الحق ورحل معه أيضاً عود سيد درويش.
ولا يستطيع أحد أن يطلب من الورثة أن يتبرعوا للدولة، ولكن على الدولة أن تدخل طرفاً وتشتري كل ما تبقى من هؤلاء الكبار، للحفاظ على الثروة القومية، فهؤلاء المبدعون هم بمثابة البنية التحتية لصناعة وجدان الشعوب، وكل ما تركوه من بصمات على الأرض ملك للأجيال القادمة.

جريدة الشرق الاوسط

  • 2
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    2
    Shares
Close Menu
×
×

Cart