ما فات كبار الموسيقى العربية – بقلم عبداللطيف الزبيدي

عبداللطيف-الزبيدي

هل نلوم كبار الفنانين في القرن الماضي على أن ورثاءهم ليسوا في المستوى؟، ما ذنب العمالقة في جميع مجالات الثقافة، إذا كان القادمون 10 أو 20% من قامات المغادرين؟ 

هذا كلام تهويني، وإلا فمن من المؤلفين الموسيقيين الآن يمثل 20% من محمد عبد الوهاب، أو بليغ حمدي؟ من أراد أن يفتري على تاريخ الفن كذباً فله ذلك.

لا أحد يُنكر فضل الأساطين، فلولاهم لكان كل تاريخ الموسيقى العربية هباء منثوراً. إذا كنا لا نعرف كيف كان مستوى الغناء في العصر العباسي، فإننا نحيط تماماً بتفاصيل الأغنية والطقطوقة والموال.. في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. أوج الأعمال السنباطية قمم، لك مقارنتها بالقلل الحضارية التي تؤذن بالأفول.

موضوعنا ليس بكائية على تدهور. ما يبعث على الاستغراب، هو أن عظماء ما بين العقدين الثالث والسابع من القرن العشرين، في مصر ولبنان، مثالاً لا حصراً، انشغلوا بالإبداع الذاتي، مع التركيز الشديد والتمحور في الفردية المطلقة. ومضات الأعمال الجماعية سطعت لدى سيد درويش والرحابنة، ولكنها لم تتوسع. الموسيقى العربية لم تستقل، كانت دائماً خادمة للكلمة، فلمّا ظهرت الأعمال الجماعية ولدت وماتت خادمة للأفلام السينمائية.
لم يفكر الكبار في التأسيس البنيوي البعيد المدى؛ الإبداع الذي يؤدي أكاديمياً إلى تراكم التجارب. هذه في الحقيقة سلسلة من ألوان التقصير. لم يفكروا في تنويع الأجناس الموسيقية، فالموشحات كانت أفضل حالاً في تنوع أشكالها في العرض الواحد. لم يسعوا إلى استقلالية التعبير الموسيقي، فظلت الموسيقى تحت التبعية. هم أنفسهم كانوا غير قادرين على تصور أن الموسيقى لغة قائمة بذاتها. 
هذه المأساة الفكرية الفنية قضت على أيّ أمل في تطوير الموسيقى العربية. الضربة القاضية هي توهّم كثير من المثقفين، والموسيقيين بالذات، أن ترسيخ أسس الموسيقى الأكاديمية الغربية، في النظرية والتطبيق، سيصيب الموسيقى العربية في مقتل، جراء التغريب. خطأ كارثي. ذكر القلم في «ألفا سنة من المناعة الموسيقية»، أن خمسين مليون طفل صيني يدرسون البيانو. انتظروا عقدين لتروا إلى أي ذرى ستطير الموسيقى الصينية.
لزوم ما يلزم: النتيجة التلقيحية: هل تريدون مناعة مكتسبة ضد الابتذال الفني؟ ما تفعله الصين هو بالضبط مناعة القطيع موسيقياً.

جريدة الخليج