«سعيد الكفراوي».. يجمعنا حاضراً وغائباً – بقلم خالد عمر بن ققه

2311202020

كلما رحل من نعرفه من دار الغرور ـ سواء أكانت قرابته نابعة من الدم أو الفكر أو الروح ـ عادت بنا الذكريات مُحمَّلةً بأزمنة اللقاء والعيش المشترك، وطول الأمل، والتعلق بالغيب، وعشق اللغة، وتأثير المبادئ والأيديولوجيا والقناعات في وعد ـ صادق أو كاذب ـ بتحقق الأماني والأهداف، وفي عودة الذكريات المشتركة نذهب بعيدا عبر علاقات قامت في بعدها الإنساني إلى حيث التقاطع بين الامتدادين الأفقي مجتمعيا وقوميا وأمميا، والفردي بين ذاتين فاعلتين.

بذاك التصور ـ الذي أحسب أن غيري يشاركني فيه ـ غدوت أحرك نفسي لأزحزحها من موقع الكَدْ اليومي في ظل واقع عربي متردٍّ لا فصل فيه اليوم بين الخاص والعام، عندما بلغي خبر وفاة الكبير سعيد الكفراوي ـ رحمه الله ـ( السبت الماضي 14 نوفمبر الجاري)، فإذا بذاتي وهي تنوءُ بكَلْكَلِها تعود بي إلى كلما هو جميل معه، حيث الوعي أكبر من الواقع، والأمل أسبق من التغيير، والصمت أهم من البوح، والمحبة ببعديها المصري والعربي أكثر اتساعا من ضيق الأوطان، وعمق مصر ـ التي كانت ولا تزال ـ قدره وقدرنا نحن العرب جميعا ديمومة تحفر أخدوداً في الزمن.

بدأت معرفتي بالكاتب سعيد الكفراوي نهاية عام 1998، ها أنا أذهب إليه محملة بأفكار تخص حوارات مع مثقفين عرب، بهدف نشرها في مجلة«العربي» الكويتية، التي كان مسؤول مكتبها في القاهرة.. رحب بي، ودخلنا في نقاش لأيام حتى وقع الاختيار على اجراء حوار مع السفير حسين أحمد أمين، وكان في ذلك الوقت من أهم الكتاب، الذين يسهمون في تشكيل وعي مستنير، من خلال كتبه، وأيضا عبر مقالاته التي كانت ينشرها في جريدة الحياة اللندنية، وقد نشر الحوار ضمن باب«وجه لوجه» عدد أغسطس 1999.

تواصلت علاقتنا بعد ذلك، وتطورت مع الأيام، ولأنه كان على علاقة فكرية مع الشاعر الإماراتي حبيب الصايغ، فقد أُخْتير ضمن الهيئة الاستشارية لمجلة«الإعلام والعصر»، التي كانت تصدر عن مركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام، كما أسهم بالكتابة فيها.

وكما يلاحظ القارئ العزيز، فإن الحديث عن الأديب الراحل«الكفراوي» لا تحده الجغرافيا ولا التاريخ، ولا حتى الذكريات الثنائية المشتركة، إنما يسكن قلوب ملأى بحب عربي دائم، تفقه ما يحدث لأمتها اليوم، وله الرحمة، فها هو يجمعنا غائبا، مثلما كان يجمعنا من حوله حاضراً.

صحيفة الرؤية