أجمع مادة ضخمة طيلة سنوات قبل الكتابة البحثية
الأحلام تتحدانا أحياناً، وتبين لنا مكامن أنفسنا
كاتب من دولة الإمارات، أحبَّ القِراءة والكتابة منذ الصِغر، وفازَ بالمركز الأول في المسابقةِ الأدبية على مستوى المناطق التعليمية للعام الدراسيّ 1988، ومارَسَ كتابةَ القصة القصيرة، ونشرَ عدداً من قصصهِ في كتبٍ ومواقعَ عدة، منها موقع القصة القصيرة الإماراتيّ: storyuae.com. وهو مُحكّمٌ في مسابقات الرواية، والقصة القصيرة، والمقال الأدبيّ.
له حضور مميز على الساحة الثقافية من خلال المحاضرات والندوات والأمسيات والمشاركات العامة وهو مهتم بالمادة التراثية والتاريخية وصدرت له في ذلك عدة كتب منها: فن الصوت الخليجي في الإمارات والقرن الجديد الفن التشكيلي في الإمارات ومفردات النخل في اللهجة الإماراتية والبحر والرؤى في الاحلام والمجموعة القصصية الشقيقتان وأخيراً كتاب الرحلة في المنام.

في هذا الحوار نقف عند مسيرة علي العبدان العامة مع التركيز على كتابه الصادر حديثاً الرحلة في المنام.
* كيف بدأت فكرة هذه الرحلة التي أبحرتَ فيها في عالم المنامات؟
ـ بحكم عملي وبحثي التراثي كموظف في معهد الشارقة للتراث، كان كل ما يهمني هو التنقيب في جواهر التراث المهملة؛ لأن التراث – كما تقول العرب – “في زواياه خبايا”، وتوجد أشياء كثيرة نحن بحاجة إلى معرفتها لنُحسن فهمنا للعالم. كان مما اهتممت به “الأنثروبولوجيا الموسيقية” وليس فقط الفنون الشعبية بالمفهوم القديم، ولي الشرف أن أكون أول من أدخل هذا المصطلح في السياق المحلي هنا.
ثم فكرت بعد ذلك في تطبيق الأنثروبولوجيا في مجال الأحلام وعلم النوم. ولستُ الأول في هذا المضمار؛ إذ سبقنا إليه -مع الأسف نتيجة تقصيرنا- بعض الباحثين الغربيين. نذكر على سبيل المثال كتاب أحلام الخليفة للمستشرقة الألمانية الراحلة آن ماري شيمل، والتي كتبت فيه دراسة إنسانية أنثروبولوجية عميقة عن الأحلام عند المسلمين. فالأنثروبولوجيا في الأصل تسعى لفهم الإنسان من خلال نشاطه؛ سواء عبر موسيقاه، أو أشعاره، أو أدبه، أو طعامه، وبالتالي فإن الأحلام تعد مدخلاً أساسياً لفهم نفسية الإنسان في هذا المشرق وفي العالم العربي والإسلامي.
الحلم رغماً عنا
* بالـتأكيد هناك بحوث سابقة كما تفضلت، ولكن ما هو السبب الأساسي الذي دفعك تحديداً لتأليف هذا الكتاب؟ لا سيما وأن هذا الموضوع يعد من المواضيع غير المطروحة بكثرة برغم أنها تدور حولنا كل يوم.
ـ البداية البعيدة تعود إلى أكثر من 25 سنة، فالإنسان لا ينفك عن رؤية الأحلام، وحتى من يقول إنه لا يحلم فهو في الغالب يرى الأحلام ولكنه ينساها. والأحلام تأتي رغماً عنا ولا نتحكم فيها، وكان هذا مثار استغراق وبحث بالنسبة لي؛ إذ حاولت استيعاب الكثير عن عالم الأحلام قبل أن أشرع في الكتابة عنه. وبعد أن جمعت مادة معرفية ضخمة على مدى سنوات كتبت هذا العمل.
كنت أعتمد في البداية على تفاسير القدماء لأعرف كيف يتصرف الإنسان في الفترات الحرجة من حياته عندما يرى رؤى كثيرة ولا يجد لها تفسيراً. ولما رجعت إلى الكتب القديمة، واستشرت بعض الأصدقاء ممن لديهم خبرة في هذا المجال، وجدت أن الأمر يختلف تماماً عن الفكرة السائدة حالياً؛ فالأمر لا يقتصر على مجرد حلم تعرضه على مفسر أحلام لتأخذ إجابة عابرة. واكتشفت أن “الفتاوى السريعة” على الهواء وبرامج تفسير الأحلام السطحية ليست دقيقة بالمرة.
*هل يوجد تفسير لما نراه في المنام أم انها مجرد اجتهادات شخصية؟
ـ عندما نقرأ عن السلف كابن سيرين مثلاً، نجد أنه كان إذا سُئل عن رؤيا قد يجلس أربع ساعات يفكر فيها، ويسأل صاحب الرؤيا عن حاله، وتفاصيل حياته، لأن الرؤيا تختلف باختلاف الرائي. فلو رأى رجل سيارة في منامه مثلاً، فهذا الرمز يحتمل أموراً عدة: إن لم يكن متزوجاً فربما دل على الزواج، وإن كان متزوجاً ويبحث عن عمل فسيحصل عليه، وستكون جودة الوظيفة بقدر مواصفات وفخامة السيارة في الرؤيا. هذا العمق لم أكن أعرفه في البداية.
وما فتح لي أبواباً جديدة أيضاً هو الاطلاع على “علم النوم” المعاصر؛ لأنني بصراحة لم أطمئن كلياً لكل ما جاء في التراث وأردت معرفة ما يقوله العلم الحديث. فذهبت لقراءة أبحاث سيغموند فرويد، ثم انتقلت إلى العلماء المعاصرين الذين نقضوا نظرياته؛ مثل جون آلان هوبسن (الذي توفي قبل نحو ثلاث سنوات وله كتب مهمة في الأحلام)، ومارك سولمز، وتوماس ساز.
بالتأكيد هناك من يفضل الطرح الفرويدي، لكنني أرى أن فرويد كان في تفسيره للأحلام يشبه القدماء؛ هم يفسرون الرمز بناءً على الغيب، وهو يفسره بناءً على الباطن والمكبوت فيسأل المريض عن حياته ليفسر حلمه بأسلوب بنيوي، وقد ذكرت هذا بالتفصيل في الكتاب.
تقريب القراءات
* حاولت في كتابك الجديد الرحلة في المنام. تقريب القراءات المختلفة من بعضها، رغم وجود فجوة واختلاف كبير بين قراءات علم النفس الحديث وبين الموروث الديني أو الشعبي.
ـ هذا صحيح، ولكن يظل هناك قاسم مشترك؛ فانتقاد هوبسن وتوماس ساز لفرويد يكمن في أنه لم يختلف كثيراً عن “القدماء الاستبطانيين”. فمفسر الأحلام الديني يعتمد على الاستبطان؛ أي لا يبني تفسيره على حقائق علمية كأعصاب الدماغ، بل ينظر إلى الرموز ويؤولها. وفرويد كذلك ينظر إلى الرموز ويرجعها دائماً إما إلى عقدة أوديب، أو إلكترا، أو النرجسية، بل إن القدماء كانوا أكثر تنوعاً من فرويد الذي أرجع كل شيء إلى الكبت والنزعات المكبوته ومرحلة الطفولة.
ما فعله فرويد ليس جديداً كلياً؛ فهذا الأسلوب موجود تاريخياً في المسيحية واليهودية عبر “سر المصالحة والاعتراف”، حيث يذهب الشخص إلى الراهب ويعترف بذنوبه ليوجهه. بل إنني اكتشفت أن هذا الطقس أقدم من الديانات السماوية ويعود إلى اليونانيين في محادثة الصديق لصديقه والفضفضة. ما فعله فرويد هو مجرد صياغة نسخة علمية مطورة من هذا الأسلوب القديم، وهذا ليس كلامي بل كلام الطبيب النفسي توماس ساز في كتابه ابتكار الجنون، وهو الكتاب الذي تأثر به الفيلسوف ميشيل فوكو.
لذلك جئت بمثال فرويد لأبين أنه حتى قبل 100 عام لم تكن الأمور علمية بحتة، وإنما أخذت طابعاً علمياً دقيقاً مع هوبسن وسولمز ومؤخري الباحثين، خصوصاً بعد اختراع أجهزة تخطيط الدماغ وقراءة نشاطه أثناء النوم، حيث أصبحوا قادرين على التنبؤ بما إذا كان الشخص يرى حلماً أم لا من خلال رصد الأجهزة. والآن الشغل الشاغل للعلم هو محاولة قراءة وتفريغ الأحلام والإنسان نائم.
جاذبية الكتابة
* الكتاب فيه سلاسة ولطافة في القراءة برغم غنى المعلومات والزوايا الإشكالية التي تطرح الكثير من الأسئلة للتفكير. كيف استطعت إخراج الكتاب بهذه الصورة الجاذبة دون أن يتحول إلى خطاب أكاديمي جاف وطويل، خاصة وأنه مبني على دراسات سابقة؟
ـ حجم الكتاب وسياقه يرتبطان بمناسبة سنوية ينظمها معهد الشارقة للتراث تسمى “ملتقى الراوي”، وهو ملتقى رائع يعنى بالحكايات الشعبية. وفي كل عام يتم اختيار شعار محدد؛ فعندما كان الشعار عن حكايات البحر ألفت كتاباً بعنوان البحر في الرؤى والأحلام، وعندما ركزوا على الطيور كتبت الطيور في الرؤى والأحلام وهو أكبرهم حجماً، ولما تناولوا أدب الرحلة ألفت الرحلة في المنام.
هذه المؤلفات هي أجزاء أطمح من خلالها إلى صياغة “موسوعة الأحلام”. وغرضي الأساسي ليس تقديم كتاب لتفسير الأحلام، بل تحقيق أمرين:
- الأول: دراسة المجتمع العربي والاسلامي أنثروبولوجياً من خلال أحلامه.
- الثاني: محاولة تفسير “لماذا” قال القدماء ما قالوه؛ فعلى سبيل المثال، يذكر بعض المفسرين القدامى أن رؤية النمل في المنام تدل على قوم ضعفاء، لكنه لا يعلل كيف وصل إلى هذه الدلالة (هل بالاشتقاق أم بالتشبيه؟)، فأنا أحاول تقريب وتفسير هذه العِلة.
ومثال آخر: قيل في بعض الرؤى إن من كان مرتحلاً على سفينة ورأى غزالاً على سطحها أو مؤخرتها، فإن ذلك يدل على اضطراب سيصيب السفينة. المفسر القديم لم يذكر السبب، ولكن إذا درسنا طبائع الغزال نجد أنه حيوان جفول، ينفر ويقفز ويرتعد سريعاً، فإذا قفز الغزال واضطرب ستضطرب السفينة تبعاً لطبعه. أنا أتلمس هذه الخيوط وأحللها.
تفسير الأحلام عربياً
* هل من مقاربات عربية لهذه الكتب؟
لقد رجعت إلى أهم كتاب تُرجم إلى العربية في هذا السياق، وهو كتاب المفسر اليوناني أرتميدوروس الذي عاش في القرن الثاني الميلادي. هذا الكتاب تُرجم في العصر العباسي بأمر من الخليفة وعلى يد حنين بن اسحاق، وقبل ترجمته لم يكن هناك كتاب مدون بالعربية في تفسير الأحلام. وبعد هذه الترجمة تنبه العرب وبدؤوا في التأليف، فخرج أول كتاب عربي وهو كتاب الرؤيا لابن قتيبة الدينوري. ويظل كتاب أرتميدوروس المرجع الأساسي الذي اعتمد عليه أبو سعد الخركوشي (والذي يُنسب تفسيره خطأً لابن سيرين، إذ لا يوجد كتاب ثابت لابن سيرين في التفسير)، وابن غنام المقدسي وغيرهما، حيث استلهموا منه توجيهاته في قراءة الرؤى.
* مع هذا الشرح الوافي، هل تجد أن التراث قد بالغ في بعض التفسيرات والرموز؟ أم أن تلك التفسيرات كانت منطقية ومتسقة مع المنظومة الفكرية والاجتماعية السائدة في عصرهم؟
ـ سأعطيكِ مثالاً يوضح هذه النسبية من كتابات الشهاب العابر؛ جاءه رجل مسلم وقال له: “رأيت في المنام أنني أمسك بزجاجة خمر وأشرب منها”، ففسرها له بأنه قد يقع في خطأ أو معصية؛ لأن الخمر في المجتمع الإسلامي رمز لعدم الاستقامة. ثم جاءه رجل مسيحي وقال له الرؤيا نفسها: “رأيت أنه أهديت إلي زجاجة خمر”، فقال له: “هذا رزق حسن سترزق به”؛ لأن الخمر مباح في ديانته وثقافته. ثم أتاه مسلم آخر وقال: “رأيت في يدي كأساً جميلة من الخمر”، فقال له: “ستنال رزقاً طيباً ولكنه سيتأخر قليلاً”، فلما سألوه كيف تفسرها هكذا وهو مسلم؟ قال: لأن الله سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم عن جزاء المؤمنين في الجنة {وَكَأْسًا دِهَاقًا}، وبما أن هذا الجزاء في الآخرة فمعنى ذلك أن الرزق سيأتيه في الدنيا ولكن مع بعض التأخير.
هذا يؤكد أن الرموز نسبية وتتغير بحسب حال الرائي، وهو ما شدد عليه الشيخ الشهاب العابر؛ إذ يجب على المفسر النظر في حال الشخص الذي أمامه أولاً. الرمز يتغير أيضاً مع تغير الزمن؛ فالشخص المدخن في عصرنا الحالي المستبيح للتدخين في لا وعيه (بالمنطق الفرويدي)، إذا رأى نفسه يدخن وهو على حوض سباحة مثلاً، فذهب لمفسر تقليدي سيقول له “هذه معصية”، وهذا تفسير خاطئ؛ لأن التدخين في لاوعي الرائي يمثل تنفيساً وتفريجاً لضغوط يمر بها، فهو علامة حسنة في سياق حلمه. عالم الأحلام مختلف تماماً عن الواقع.
الاحلام تتحدانا
* لذلك، هل يمكن أن تكون بعض الأحلام بمثابة مواجهة قاسية مع أنفسنا ومع واقعنا، أكثر من كونها مجرد مساحة للراحة أو الهروب؟
ـ نعم، هي مواجهة قاسية مع أنفسنا ومع الواقع. وبما أنكِ أديبة وأشرتِ في البداية إلى الحكايات، فإن أولى الأحلام المدونة في التاريخ هي أحلام جلجامش؛ عندما رأى الكوكب النازل من السماء وفسرته له والدته (وهي إلهة) بأنه سيأتيه منافس قوي وهو “أنكيدو”، ثم تلت ذلك الملحمة المعروفة.
فالأحلام تتحدانا أحياناً، وتبين لنا مكامن أنفسنا. وهي أنواع؛ وبعضها لا طائل من تفسيره. يتفق في ذلك فرويد، ومفسرو الدين، وقبلهم أرتميدوروس منذ أكثر من 2000 عام؛ فإذا قام الإنسان بسلوك تضايق منه، أو تناول وجبة عشاء ثقيلة ثم نام ورأى كوابيس، فهذا لا يُعد رؤية، بل هو مجرد انعكاس فيزيولوجي لما حدث لجسده. ومن نام عطشاناً ورأى نفسه يشرب الماء، فهذا انعكاس لحاجة جسدية فقط. وكذلك الأحلام المشوشة والكثيرة التفاصيل لا حكم لها؛ فالرؤيا الحقيقية تكون محددة وموجزة أشبه بـ “التمثال” الواضح. أما المشاهد المشوشة فهي غالباً ترسبات في اللاوعي ناتجة عن ضغوط اليوم؛ كأن يعجز الموظف عن التعبير عن رأيه طوال اليوم في العمل وتحدث له مشاكل، فينام وتظهر هذه المشاهد كتقرير إخباري مشوش في منامه. أما الرؤيا فتكون مقتضبة ومحددة كتمثال منحوت.
* كيف يستطيع الكاتب الإماراتي تحديداً أن يكتب من داخل تراثه دون أن يتحول إلى أسير للماضي؟ لا سيما وأن كتابك يمثل محاولة للفهم الإنساني الشامل أكثر من كونه مجرد توثيق للتراث المكاني أو الديني.
ـ السؤال صعب، ويبدو أن روح الغزال النافر طرقت علينا الباب! لكن الإجابة تكمن في أن المؤسسات الثقافية تتطور بتطور العقليات والكوادر التي تديرها. ففيما مضى -كما ذكرت عن الموسيقى- كان البحث التراثي ينحصر في الفنون الشعبية والجماعية التقليدية فقط، ويتحرجون من إدخال “الطرب الشعبي” المعاصر. عندما جئت غيرت هذا المفهوم، وأصدرت أربعة أو خمسة كتب تركز على الطرب الشعبي؛ لأنه لم يحظَ بالتدوين التاريخي الكافي في الإمارات.
قديماً، كنا أسرى للمنهج “الإثنوغرافي” التقليدي في رصد التراث. لكن في العقود الأخيرة تطور علم الأنثروبولوجيا، وأصبح الأنثروبولوجيون -على خلاف التراثيين التقليديين- يبحثون في التراث ليس من أجل الماضي فقط، بل من أجل فهم ما وراء هذا التراث وانعكاسه على الحاضر. قد يستغرب بعض الباحثين التقليديين من كوني أبحث في موسيقى معاصرة “هجينة” يستخدمها الشباب الإماراتي اليوم في “الرزيف”؛ فالرزيف فن بدوي أصيل لا تُستخدم فيه الطبول أصلاً، لكن الشباب الجدد أدخلوا آلة “الأورج” فيه، وهذا يمثل مادة للبحث الأنثروبولوجي المعاصر
الأحلام في حد ذاتها -كما يقول هوبسن- ليست مهمة لأنها تحكي جزءاً من الواقع، بل لأنها تهيئنا نفسياً وفيسيولوجياً لليوم القادم. فعندما يستيقظ الإنسان يتلمس معنى الرؤيا ليكون على استعداد لمواجهة يومه الجديد، وهذا ما أكده هوبسن في إحدى محاضراته الشهيرة.







