لم يكن التاريخ بالنسبة إلى جمال الغيطاني ماضيًا منقضيًا، ولا سجلًا لوقائع تنتظر من يعيد سردها. كان عالمًا مفتوحًا، حقلًا للكشف، يستطيع الروائي أن يلجه ليستنطق ما سكت عنه المؤرخون، وليكشف ما تخفيه الأزمنة المتعاقبة من تماثل خفي بين الإنسان القديم والإنسان المعاصر.
من القاهرة التي ائتمنت الأزقة والحارات والأبواب على أسرارها، إلى كتب التراث التي استعاد لغتها وإيقاعها ونَفَسها السردي، بنى الغيطاني مشروعًا أدبيًا يصعب فصله عن سؤال جوهري: ماذا يبقى من الإنسان حين يتغير المكان؟ وكيف يستطيع الأدب أن يحفظ ما يعجز التاريخ الرسمي عن الاحتفاظ به؟
لم تكن القاهرة في أدب الغيطاني مجرد مسرح للأحداث أو خلفية جغرافية. كانت شخصية روائية قائمة بذاتها، لها ذاكرتها وأصواتها وروائحها وطبقاتها الزمنية المتراكمة.
في أعمال مثل “وقائع حارة الزعفراني” و “حكايات الغريب” و “خطط الغيطاني”، يتجاوز المكان وظيفته التقليدية ليصبح حاملًا لمخاوف الناس وأحلامهم وعلاقاتهم الملتبسة بالسلطة والمجهول. كان الغيطاني ينظر إلى المدينة باعتبارها نصًا مفتوحًا؛ فكل زقاق يحتفظ بأثر، وكل باب يخفي حكاية، وكل حجر يربط الحاضر بزمن لم يختفِ تمامًا.
إنه لم يكتب القاهرة كما يراها العابر أو السائح، بل كما يتذكرها من يشعر بأن فقدان تفاصيلها الدقيقة هو فقدان لجزء من الذات، وأن محو ملامحها هو محو لذاكرة جماعية.
“الزيني بركات”… حين يصبح التاريخ مرآة للسلطة
في روايته المفصلية “الزيني بركات” (1974)، استعاد الغيطاني أجواء مصر في أواخر العصر المملوكي، مستلهمًا روح المرويات التاريخية، ولا سيما عالم المؤرخ ابن إياس في “بدائع الزهور”. لكن الرواية، في جوهرها، لم تكن محاولة لإعادة إنتاج التاريخ أو محاكاته.
فمن خلال شخصياتها المركبة وأجهزتها الرقابية وشبكات عيونها وعلاقات القوة الملتبسة فيها، قدم الغيطاني عالمًا يمكن للقارئ المعاصر أن يتعرف فيه على آليات الخوف والمراقبة وصناعة الطاعة وتدجين المجتمع. وهنا تتجلى إحدى أهم خصائص مشروعه السردي: التاريخ لا يشرح الماضي وحده، بل يمنحنا أدوات حادة لقراءة الحاضر.
ولذلك تبدو “الزيني بركات” أكثر من رواية تاريخية؛ إنها مساءلة عميقة للعلاقة بين الفرد والسلطة، وللكيفية التي تتحول بها المعرفة إلى وسيلة للسيطرة، وكيف يصبح القمع منظومة يومية تتغلغل في تفاصيل الحياة.
لم يتعامل الغيطاني مع التراث باعتباره زينة لغوية أو مخزنًا جاهزًا للحكايات. لقد حاول أن يستعيد بنيته الفنية ومنطقه الداخلي: أساليب المؤرخين القدامى، ومنطق كتب الرحلات، ونفحات المرويات الصوفية، وتقنية الحكايات التي تتوالد داخل بعضها بعضًا على طريقة “ألف ليلة وليلة”.
وفي ثلاثيته “التجليات” (1983-1986) تتسع تجربته لتصبح رحلة كبرى في الذاكرة والروح والزمن، حيث تتداخل الشخصيات والأمكنة والأحلام، وتضعف الحدود الفاصلة بين الواقع والمتخيل، بين الشهادة والرؤيا.
أما في “دفاتر التدوين” (1980-1990) فيقدم وجهًا آخر لهذا الانشغال، إذ يصبح تسجيل التفاصيل اليومية العابرة، ومحاولة الإمساك باللحظة الهاربة، شكلًا من أشكال مقاومة النسيان، وكتابة مضادة للمحو.لم يكن الغيطاني يعود إلى التراث هربًا من الحداثة؛ بل كان يبحث فيه عن إمكانات فنية جديدة تسمح للرواية العربية بأن تطور صوتها الخاص، وألا تظل أسيرة للنماذج المستوردة.
ثمة خيط دقيق يمتد بين كثير من أعمال الغيطاني: الإحساس العميق بأن الزمن لا يمر من دون أن يأخذ شيئًا معه. الأمكنة تتغير ملامحها، والوجوه تغيب واحدًا تلو الآخر، والتفاصيل الصغيرة التي نظنها دائمة ومستقرة تصبح فجأة جزءًا من الماضي.
من هنا يمكن قراءة جانب كبير من أدبه بوصفه محاولة نبيلة لحفظ ما يتعرض للمحو والاندثار. لكن الذاكرة عنده ليست حنينًا بسيطًا أو نوستالجيا إلى زمن أجمل. إنها وسيلة معرفية لإعادة اكتشاف الإنسان، وفهم علاقته المعقدة بالمكان، والموت والغياب والفقد.
فالروائي لا يستطيع إيقاف الزمن، لكنه يستطيع، عبر اللغة، أن يمنح اللحظات العابرة حياة أخرى، وأن يحول الذاكرة الفردية إلى وطن بديل.
تتعدد الأشكال الفنية في تجربة جمال الغيطاني، من الرواية التاريخية إلى الكتابة التأملية والسرد القريب من السيرة الذاتية، لكن السؤال الذي يجمعها ويوحدها يكاد يكون واحدًا: كيف يستطيع الإنسان أن يفهم حاضره دون أن يفقد ذاكرته؟
لقد جعل الغيطاني من الرواية مساحة رحبة يلتقي فيها التاريخ بالحياة اليومية، والواقع بالأسطورة، والمكان بالهوية. وربما لهذا السبب لا تُقرأ أعماله بوصفها شهادات على أزمنة مضت فحسب، بل بوصفها نصوصًا ما زالت تطرح أسئلتها الحادة على حاضرنا.
فبعض الروائيين يكتبون ما حدث وانتهى، أما جمال الغيطاني فقد كتب ما يظل يحدث، حتى حين نظن أنه أصبح تاريخًا.
جمال الغيطاني وجائزة العويس
ارتبط اسم الأديب الكبير جمال الغيطاني (1945-2015) بجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية، حيث فاز بجائزة حقل القصة والرواية والمسرحية في الدورة الخامسة (1996-1997).
ويأتي الاحتفاء بتجربته الغنية في سياق اهتمام مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية بالمشروعات الأدبية الرائدة التي أسهمت بعمق في تطوير السرد العربي وإثراء أسئلته الفنية والفكرية، وفتحت أمامه آفاقًا جديدة.





