عماد قيدة و«المنصرمون».. أثر خالد خليفة يقود من القراءة إلى جائزة تحمل اسمه

قبل خمسة عشر عاماً، استعار الكاتب التونسي عماد قيدة رواية «دفاتر القرباط» لخالد خليفة من مكتبة عمومية، ثم واصل قراءة أعماله، لتلتقي تلك الصلة الأدبية بفوز روايته الأولى غير المنشورة «المنصرمون» بالدورة الثانية من الجائزة التي تحمل اسم الكاتب السوري الراحل، وأُنشئت وفاءً لإرثه، ودعماً للأصوات الروائية الجديدة.

في حديثه لـ سانا، يوضح قيدة أن روايته تتبع تحولات عائلة تونسية من أوساط متوسطة وفقيرة، تمتد حكايتها بين السنوات التي أعقبت ثورة 2011 وذاكرة أقدم تعود إلى زمن الحماية الفرنسية، حيث تقع غالبية الأحداث بعد الثورة، بعدما أتاحت المسافة الزمنية للكاتب، كما يقول، تأمل ما جرى بعيداً عن حماسة اللحظة.

غياب فرد يكشف تاريخ عائلة

تنطلق إحدى عقد الرواية من اختفاء شاب بعد التحاقه بالخدمة العسكرية، تعجز الجهات الرسمية عن العثور على أثر له، فيشرع شقيقه الأصغر في البحث، ويصبح نقص المعلومات جزءاً من تجربة الأسرة، فهي تنتظر جواباً عن مصير قريبها، بينما يجد الباحث عنه نفسه أمام احتمالات لا يستطيع التحقق منها.

ويمتد خيط العائلة إلى تاريخ أقدم، فيتحدث قيدة عن جذور تبلغ فترة الحرب العالمية الأولى، ليظهر من خلال ذلك مثالاً على حضور التاريخ في حياة الأسرة: أبٌ يلاحق ملفاً يتعلق بجده الذي جُنّد في الجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الأولى، هنا يدخل الماضي إلى الحكاية عبر وثيقة وحق يواصل أحد أفراد العائلة البحث عنه.

وفي مقطع من الرواية تستخدم إحدى الشخصيات النسائية كلمة «المنصرم» في حديثها عن ولع أبيها بإطلاقها على الأيام والحكومات والناس، ويمنح هذا الاستعمال العنوان صلة بما يفعله الزمن بالأشخاص، وبالعلاقات التي يحاولون الاحتفاظ بها.

أصوات متعددة لواقعة ناقصة

بعد دخول الشقيق الباحث مستشفى الرازي في بلدة منوبة، إثر إصابته باضطراب نفسي، تتداخل الشخصيات التي يتخيلها مع مسار بحثه، ويوضح قيدة في هذا الصدد أن الخيال ينمو من شح الوقائع المتاحة للبطل، فيما يترك النص للقارئ مهمة التمييز بين ما يحدث وما يدور في ذهن الشخصية، ومن خلال هذا البحث يطرح العمل سؤالاً إنسانياً: كيف يحتمل المرء غياب قريب له حين يعجز عن معرفة مصيره؟.

ولم يخطط قيدة منذ البداية لتعدد أصوات الرواية، فقد أدرك خلال الكتابة أن راوياً واحداً يعجز عن الإحاطة بتفاصيل الأحداث والشخصيات، فوزع الحكاية بين هلوسات واعترافات عاطفية وتقارير ومحاضر أمنية، إضافة إلى مقاطع مرتبطة بمصور فوتوغرافي تظهر من خلال وصف الصور.

ويضع هذا التنوع روايات الشخصيات إلى جانب الوثائق، تاركاً للقارئ أن يتتبع ما تكشفه كل صيغة وما يبقى خارجها.

من قراءة خليفة إلى جائزته

تحمل الجائزة معنى شخصياً لدى قيدة بعدما أثرت أعمال خالد خليفة في تجربته الأدبية، ويرى أن الفوز عن عمل أول غير منشور يساعده على تجاوز صعوبات النشر والتوزيع في تونس، ويفتح لروايته طريقاً إلى قراء عرب، وتشمل الجائزة طباعة العمل لدى دار نشر عربية.

ويربط قيدة محدودية انتشار الرواية التونسية عربياً بصغر سوقها المحلية وإمكانات دور النشر، إلى جانب حضور الأدب المكتوب بالفرنسية، موضحاً أنه اختار الترشح لجائزة عربية أملاً في توسيع حضور أدب بلاده.

يشار إلى أن عماد قيدة كاتب وصحفي من مواليد عام 1991، درس اللغة الإنكليزية والصحافة، وعمل في الصحافة والنشر والمكتبات والترجمة.

وتنتظر قيدة مسودات مؤجلة، بينها رواية وصل إلى منتصفها، مع احتمال كتابة مجموعة قصصية أو جزء ثانٍ من «المنصرمون» يتناول الجد المؤسس للعائلة خلال الحرب العالمية الأولى.

وبين شخصية تبحث عن غائب وجائزة تحفظ اسم كاتب راحل، تمتد الحكاية من زمن إلى آخر، وتفتح الرواية للذاكرة مجالاً حين تنقصها الإجابات، وتترك للقارئ أن يواصل البحث عن معنى ما انصرم وأثره في حياة من بقوا.

وأعلنت الأمانة العامة لجائزة خالد خليفة للرواية في الـ 15 من أيلول الماضي فوز رواية «المنصرمون» للروائي التونسي عماد علي قيدة بالدورة الثانية للجائزة لعام 2026، المخصصة للعمل الروائي الأول غير المنشور، ويحصل الفائز على جائزة مالية قدرها ألف دولار أمريكي، إضافة إلى طباعة الرواية ونشرها بالتعاون مع دار نشر معروفة.

المصدر : سانا