مهرجان شعر الشباب 2026 جسر للتثاقف بين العرب والصينيين ورؤية حضارية للمستقبل.
تتسابق الدول اليوم لاستغلال قواها الناعمة في مشاريعها الحضارية، التي لا تتوقف عند الحركية الاقتصادية فحسب، بل تنفتح أبعد على تحقيق وجودها، والصين من أبرز هذه الدول التي تكرس جهودا كبيرة لنشر ثقافتها وترسيخ مكانتها عالميا، والشعر إحدى أبرز قواها الناعمة الذي كان مساحة للتلاقي بين الصينيين والعرب في المهرجان الدولي لشعر الشباب 2026.
منذ بضعة أسابيع اختتمت فعاليات المهرجان الدولي لشعر الشباب 2026، التي نظمها اتحاد الكتّاب الصينيين بين جنوب الصين في غوانتشو والعاصمة بكين، بحضور شعراء من مختلف أنحاء الصين ومن دول عربية تمتد من المحيط إلى الخليج، لكنّ أثرها سيظل ماثلا في كل من حضرها.
ربما تكون شهادتي مجروحة وأنا واحد من شعراء المهرجان، لكن لا بأس من مشاركة ما عدت به من ذكريات دافئة ورؤى اقتنصتها على خطى الرحّالة وهم يغيرون نظراتنا إلى المواطن البعيدة. صحيح أن العالم تنافذ وتقارب بشكل مطلق، لكن التقارب الرقمي لا ينوب التقارب الحقيقي الملموس، فلا الصورة تمنحك الروائح ولا الفيديوهات تكشف لك الخلفيات.
الشعر والمستقبل
بداية أشير إلى أنه ليس من وظيفة المهرجانات الشعرية الأولى الاهتمام بجودة النص (رغم أن هذا المعيار لا يجب أن يغيب طبعا) بقدر اهتمامها بجودة التنظيم لتحويل الحدث إلى قوة ناعمة حقيقية، وقد نجح المهرجان في ذلك وهو يجول بنا بين مختلف وجوه الصين الفنية والتاريخية والأدبية والتكنولوجية، وتراثها المادي وغير المادي العريق، ما أجّل أو أخفى الحديث عن جودة بعض النصوص العربية المختارة. وهذا أمر آخر.
تنقلات كثيرة وسّعت من مساحة الأيام القليلة لتجعلها تبدو زمناً أطول وأكثر زخماً، الأمر كان مجهداً للجسد الغارق في دوار هذه العوالم، لكنه فتح للروح والعقل البصيرة على أمة أقل ما يقال عنها إنها عظيمة.
سر الصينيين: أن تحافظ على شعرية وجودك وأنت تتطلع باقتدار خيالك ومعارفك وانفتاحك إلى المستقبل
لعل أبرز نقطة أثارت انتباهي هي هذا الجمع بين الشعر بصفته أدباً فيه الفكر واللغة والعاطفة والجماليات، وبين التكنولوجيا الخيالية والمآثر التراثية المادية وغير المادية، لا تعارض بين هذه العوالم عند الصينيين، وهذا ما لمسته في نقاشاتي مع شعراء بلد الحرير. وهذا ما تؤكده برامج المهرجان في اصطحاب الشعراء إلى شركات تكنولوجية عملاقة في صناعة الهواتف والسيارات والدرونات والروبوتات وحدائق التكنولوجيا. الأمر أشبه بتبشير بالمستقبل. ويطرح رؤية مغايرة تماما عن المألوف العربي وحتى عن الرومانسية الأوروبية.
قبل زيارتي للصين كان عندي اعتقاد بأن المخيال الشعري الصيني كان محوره الطبيعة التي يقدسونها، وكنت على جهل بوصفاتهم المبتكرة في مزج تلك الطبيعة بطبيعة أخرى هي ما بلغه الإنسان هناك من قفزات تكنولوجية عملاقة، جاورت الأشجار بناطحات السحاب، والأنهار بالأضواء، والدرّاجات الهوائية بالعربات الذكية، وهلم جرا.
لا يرى من حادثتهم من الشعراء الصينيين في التقدم التقني ضرراً للروح في بعدها الإنساني أو الديني أو حتى الرومنسي، بل يرون فيه عنصراً ضرورياً من عناصر الحياة المعاصرة، هذه الحياة المرتبطة بماضيهم وتاريخهم الذي لا يغفلونه أبداً. إذن ينجح الشاعر الصيني في الوقوف بين الأزمنة وعناصر بيئته ليقول ما يقوله وهو يلاحق التفاصيل الحياتية والأفكار الكبرى.
التكنولوجيا عنصر أصيل في الوجدان الصيني اليوم، لا يعاملونها على أنها خطر داهم أو غول قد يأكل الإنسان، ولا يعاملونها على أنها غزو أو غيره، بل هي مرحلة بلغوها بجهد لا مثيل له، وتضحيات قاسية لعقود، وإيمان حقيقي بالتعليم والعلم، ولكن لا إغفال للأدب مطلقا، كل صيني يقدّس الشعر، يجلّه، وهذا ربما من أسرار الوصفة الساحرة التي يجب تفكيكها وفهمها. أن تحافظ على شعرية وجودك وأنت تتطلع باقتدار خيالك ومعارفك وانفتاحك إلى المستقبل.
التباكي على الماضي والرومنسيات التي تتحول إلى سجن ماضوي لا مكان لها في الصين، شعب تجرح مشاعره قطعة قطن تسقط من شجرة القطن، ولكنه ينتصب صلبا أمام كل اكتشاف مستقبلي مبشّرا بثقة بمستقبل آخر.
مهرجان ضد الهيمنة
صورة مسبقة أخرى تجاوزتها هي اعتبار الصينيين شعباً حزيناً، صورة ربما تكرّست من خلال بعض القراءات القليلة لما تُرجم من أدبهم ومشاهدة بعض أفلامهم، وهي صورة مغلوطة كلياً. سأستعير هنا ما قاله نزار بطريقة أخرى، الصينيون يعلمونك كيف تحزن وكيف تنتشي بالفرح.
التكنولوجيا عنصر أصيل في الوجدان الصيني اليوم، لا يعاملونها على أنها خطر داهم أو غول قد يأكل الإنسان
ببساطتهم وعمقهم يمكنك أن تفهم أن البكاء ليس حزناً، وأن الحزن هو تعبير إنساني متآلف مع الفرح الذي قد يظهر في ابتسامة أو نبرة صوت تعلو مرحبة، أو قرع الكؤوس المتواصل في طاولات الأصدقاء، أو حركات الجسد وهو يمارس الحياة دون خوف من نفسه لأنه يحترمها ويحترم مساحة جسده ومساحات أجساد الآخرين.
كما تفاجأت باطلاع الصينيين على الثقافة العربية وتاريخ المتوسط بشكل جيّد عند بعضهم، حدثني الشاعر مارسال مثلاً عن الإنياذة لفيرجيل وحنبعل وتاريخ المتوسط بشكل يتجاوز معرفة شاعر متوسطي. لكن هذا لا يلغي عدم اطلاع الكثير منهم على عمق الحضارة العربية وخاصة المنطقة المغاربية، رغم أن هناك كثيرا منهم قد زاروا المغرب والجزائر وحتى تونس، ولكن التواصل مازال منقوصا بين الحضارتين.
الذهاب إلى الصين رحلة شاقة لكن العودة منها هي الرحلة الأصعب، كيف تعود من مكان مرحب تتآلف معه ومع شعبه بيسر ودون مقدمات، ربما تحتفل الشخصية الصينية بذاتها وتعتد بها على درجة قد تصل إلى بعض الغرور، لكن لم أر أي نظرة عنصرية، خاصة وأن الجامعات والشركات الصينية تستقطب الكثير من الجنسيات، علاوة على اختلاف جنسيات السياح الذين يجولون في مختلف الأماكن الشهيرة.
عوداً على بدء، لقد نجح المهرجان في أن يكون قوة ناعمة حقيقية، كشفت جوانب أخرى من الصين والصينيين، ولم يدخل في خانة فرض الهيمنة التي تميز المهرجانات الغربية عادة، بل أعلن منظموه صراحة في كلمة الختام عن رفضهم لكل أشكال الهيمنة التي تمارس اليوم على الشعوب المستضعفة، مؤكدين انتصارهم للقضايا الإنسانية العادلة مثل القضية الفلسطينية، ومجددين الدعوة إلى التثاقف طريقا لتحقيق السلام.

الشاعر الصيني يتبنى رؤية مغايرة تدمج التكنولوجيا في صميم الهوية






