منطرحاً أمام بابك الكبير

لا أبتغي من الحياة غير ما لديَّ:
الهري بالغلال يزحم الظلام في مداه،
وحقلي الحصيد نامٍ في ضحاه،
نفضتُ من ترابه يديَّ.
ليأتِ في الغداةْ،
سواي زارعون أو سواي حاصدون!
لتنثر القبورَ والسنابلَ السنون!
أريد أن أعيشَ في سلام،
كشمعةٍ تذوب في الظلام،
بدمعة أموت وابتسام.
تعبتُ من توقد الهجير،
أصارع العباب فيه والضمير،
ومن لياليَّ مع النخيل والسراج والظنون.
أتابع القوافي
في ظلمة البحار والفيافي،
وفي متاهة الشكوك والجنون.
تعبت من صراعي الكبير،
أشقُّ قلبي أطعم الفقير،
أضيء كوخه بشمعة العيون،
أكسوه بالبيارق القديمة،
تنث من رائحة الهزيمة.
تعبت من ربيعيَ الأخير،
أراه في اللقاح والأقاح والورود،
أراه في كل ربيع يعبر الحدود.
تعبتُ من تصنع الحياةْ،
أعيش بالأمس، وأدعو أمسي الغدا.
كأنني ممثل من عالم الردى،
تصطاده الأقدار من دجاه،
وتوقد الشموع في مسرحه الكبير،
يضحك للفجر وملء قلبه الهجير.
تعبت كالطفل إذا أتعبه بكاه

بدر شاكر السياب
(1926 _ 1964)