اللغة العربية تهذبنا بمفرداتها

ناصر_الظاهري

هل اللغة تفرض أخلاقياتها، وجلال حضورها، وهيبة ألفاظها على متحدثيها؟ هل اللغة يمكنها أن تخرج عن إرث وتقاليد المجتمع التي يتحدث بها؟ من الصعب أن تسأل شخصاً من الجيل القديم عن حاله، فلا يرد بغير الحمد لله! مهما كانت أحواله، هل الحمد لله من الأجوبة المعلبة والتي يستهلكها الكثير، أم هي أخلاق وتربية وفهم عميق للإيمان، متجذر في اللغة؟ لأن نفس السؤال لو وجهته باللغة الإنجليزية للناطقين بها، فستجد جواباً مختلفاً غير الحمد لله، أقلها أنه سيرد عليك أنه باستطاعته أن يتنفس، وهذا يكفي! ولو سألت بالفرنسية السؤال عينه للناطقين بالفرنسية فالجواب الحاضر سيكون مختلفاً غير الحمد لله، وستسمع عبارات لا تليق بوصف الحال، أقلها أنه قادر أن يلبي نداء الطبيعة! هذه الردود من اللغات المختلفة على ذلك السؤال المتداول يومياً ينبئ عن أخلاقيات اللغة نفسها، والتي يتطبع بها الناطقون بها، ولنقس الأمور الآن على النشء الجديد الذي يتعامل مع لغة ليست لغة مجتمعه، لكنها حاضرة فيه بقوة لأسباب وظروف كثيرة، اليوم.. كثيراً ما  نسمعه يقول مثل أطفال الأميركان والإنجليز لذلك الوالد الذي ظل متردداً بين التعليم العام المهتز والمتقلب لأولاده، وبين التعليم الخاص الجيد والمتغرب لغة وأخلاقاً أو لتلك الوالدة التي تحرص على أداء العمرة مرتين على الأقل في السنة، مفردات مثل: «Loser أو  Liar أو أداة النداء هييه..»، وكلمات أخرى ثقيلة على مسمع الأهل الذين ما زالوا متمسكين بالتقوى، وبتربية صلبة.
تلك الكلمات النشء الجديد لا يعرف تأثيرها في المجتمع، ولا معناها غير الذي شكلته اللغة الأجنبية، ويعتبرها من مفردات اليوم التي يستعملها في المدرسة وبين زملائه وفيما يشاهده بشكل دائم في الوسائط الإعلامية، والذي حدّته عليها سطوة اللغة التي يتحدث بها، فشكلته بأشكالها، ساعتها الأهل ذوو التربية القديمة، يقبضون على رؤوسهم، ويظلون متسمرين، لا يعرفون، هل يضربون أم يسكتون؟ وإذا ما حاولوا تصحيح الأمور من وجهة نظرهم الأخلاقية، دخل الجيل الجديد في نقاش مع الأهل الذين حجتهم لا تكون قوية أو مقنعة لجيل مختلف الثقافة، وبلغة غير لغة الأم التي انحسرت، تاركة المكان للغة كونية جديدة تتشكل وتشكلهم.
ما إن تسمع سهيلة مثلها مثل بقية الأمهات تلك الرمسة غير الذربة من أولادها حتى يطير ما تبقى في رأسها من حلم وصبر،  متذكرة تلك الطفولة المطيعة، أيام الطيبين، هي «هزبة واحدة أو تحميرة عين»، وتلقى تلك الوعيان نظيفة، والمطبخ يلق، وما تخلي سهيلة «فنر أو تريك» ذاك اليوم ما تنظفه وتموصَه بالتراب، وما تروم ترفع عينها في وجه أبيها، صرخت سهيلة غير مصدقة ما تسمع: «أنا يا ويلي على زمنا، أنا أروم أقول لأمي كذّابة أو غلطانة أو أنعت أبوي بالفاشل، والله لينكسر لي ظلعين»، فقلت لها: «إذا كان على الكلام، بنرضى وبنسكت إلى حين، لكن بتشوفين إن ما عقّوك في مأوى للعجزة»! قالت: «لا أنا عيالي متربين أحسن تربية»، فقلت لها: «هذا أمر لا يخصه بالتربية، هذا إيقاع العصر الذي يفرض عليهم، وهي اللغة وأخلاقياتها التي تسيّرهم، تماماً مثل اليابانيين بقدر ما كانوا يقدسون العائلة، ومتمسكين بموروثاتهم، لما صار متر الأرض يساوي ثروة، والتابوب الخشبي يساوي ثروة أخرى، فضلوا حرق جثة الأم بدلاً من الاحتفاظ بها في تابوت تحت الأرض، والاكتفاء برمادها في علبة معدنية»! فجفلت عينا سهيلة من هذا الحديث، وفَزت مثل الملدوغة، وقالت: «فضلّ عنك أنت وهالأمثال، قشعر ينبي»، فقلت: «إن شاء الله تفتكرين أنهم بيربعون بك كل رمضان للعمرة، إن شاء الله ما يحطونا في غراش..»، فصرخت: «بالله عليك اسكت، فؤادي عورني، معقول أنا عيالي يسوون بي هالشكل»، ورأيت في عينيها لمعة بريق لم ألحظه من ذي قبل، وأسف بدا عليها، وأعتقد أنه سيتبعها إلى آخر العمر، وقلت لها مخففاً قبل أن تطفر تلك الدمعة الباردة من العين: «ما لك إلا ريلك دلعيه في شبابه، وسيدلعك في شيخوختك»، فقالت: «يا عزيك .. شاخت ركبك، هذا اللي أنت تروم عليه، باقوم أصلي لي ركعتين سنة الضحى، أبرك لي»، فقلت لها: «لا تنسين تدّعين ما يحطونا في غراش الآجار»! فقالت ساخرة داعية: «إن شاء الله أنت.. يا الياباني»!

اللغة العربية تهذبنا بمفرداتها

جريدة الاتحتد