‎الشعراء يخافون الموت فيكتبون ‎قراءة نقدية في مجموعة “موت طفيف” للكاتب البحريني أمين صالح

IMG_1515

تنويه: أعود الى هذا المقال بعد فوز الكاتب أمين صالح بجائزة العويس في حقل القصة والمسرح والرواية.

جاكلين سلام-كندا

نشر في مجلة البحرين الثقافية.

الشاعر والقاص والسينمائي البحريني أمين صالح، في مجموعته الشعرية “موت طفيف”، الصادرة عام 2001 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر  لم يكتب موتا عابرا وطارئا وطفيفا، بل رصّع بسخاء حضن الأوراق بكل صور الموت واحتمالاته وأشكاله الممكنة: روحا وجسدا وأمكنة وأزمنة، وجمادات. مضيت معه في رحلة الكلمات- الموت حتى الـ 132 فقرة  من القصيدة الومضة  التي نسجتْ نصه الطويل المتحمور حول ثيمة الموت.

اللهم أعطنا الحياة ودعنا نردد مع الشاعر الأغريقي يانيس ريتسوس:

” إ ن كان هو الموت

فليأتِ تالياً

الحرية، أبداً هي الأولى ” ( 1)  ص 185

موت يرافق أزمنة الكائنات المسافرة العائمة المقيمة  في الحياة وأمكنتها.

هنا الحرية ليست تناصا مع الشعار العروبي “وحدة /حرية/ اشتراكية “، ليست حرية ثورية ومنبرية وزاعقة، بل حرية أن يكتب الشاعر ما يعتري ذهنه وهو ذاهب في سيرة “الموتَ” طفيفا أو متجذرا، وبدون أن يحظى بهجوم ومطاردة أصحاب الأيديولوجيات والعقائد والأصوليات البائدة، التي خنقت الشعراء فترة لابأس بها، لزعمها  أن الكتابة ملكية عامة تقرها جهة ما،  وأن الموت شأن لا يمت للطبقات والمواطن الفرد بصلة، وإن أراد أحد الكتابة فليكتب عن الشهيد والشهادة وفقط، وربما لذلك:

” مضى المسافر محدودب الظهر

كمن يحمل على ظهره كومة من الرصاص

وكلما توقف ليستريح مسح عرقه وتمتم:

كم هو ثقيل هذا الوطن “  ص 7

( كان من الممكن للشاعر القول هنا: كم ثقيل هذا الوطن! إذ الضمير غائب )

نحن بخير، ونكتب الآن دواوين عن الموت أيضا، نعاينه وما أشقانا في عشق الحياة!

وأورد هنا شهادة الشاعر الناقد السوري د.كمال أبو ديب في الصفحات الأخيرة من كتابه النقدي ” جماليات التجاور” وتذمره من حملة مضادة تعرض إليها من قبل أكثر من كاتب عقائدي وصديق- كما يقول-  حين نشر في السبعينات قصيدة بعنوان ” قصيدة أخيرة إلى الموت” ويقول:

” كان في زعمهم أن هذا أمر برجوازي فردي لا يأبه صاحبه للطبقات المسحوقة والثورة ولكن أربعة عقود من العجرفة انتهت إلى إخفاق فاحم من قبل أصحاب هذه النظرات في تقديم انتاج فكري وأدبي سمين … ” ص 332 (2)

ويكتب الشاعر أمين صالح ورقة موت ضدية وصادمة :

” في غرفته الصغيرة

الواقعة وسط الحلبة المحتدمة بعنف الدول

في قلب المحنة

يشعل سيكارته

يطل من النافذة ويهمس: طاب مساؤك ِ أيتها الحرب”  ص 76

**

الشعراء يخافون الموت.

ربما لذلك يكتبونه، ويقترحونه على أنفسهم كمشاريع إبداعية، لترويضه، لقتله، لإعلانه، لتجاوزه ما أمكن – أعتقد. وربما لذلك أيضا، كتب الشاعر قاسم حداد “قبر قاسم ” ويتطرق في حوار له نشر في جريدة المستقبل، إلى رعبه من فكرة الموت وعبثيته:

” من المؤكد أن فكرة الموت من أخطر ما تنهض عليه الكتابة كمفهوم تعبيري يقاوم فكرة الفناء من جهة، والكتابة بوصفها اقتراحا جماليا يمنح المشروع البشري غموضا نبويا  أو قل ألوهيا لا تخلو منه مخيلة الشاعر … ”

**

الشاعر أمين صالح يسبك متحولات الموت بعمق وجزالة وصبر تمتد على أفق المجموعة كاملة، مرة يرى الموت بعين بصرية، مرة حسية، مرة بعين رائية، مرة بعين غشاها البياض، ودوما يترك في ذهن القارئ(ة) غصة ولوعة هذا الشيء الذي اسمه ( الفقد) الذي يعصف بالأرواح والأجساد، والأشياء المحيطة… هو يخرّب قيلولتها وصمتها ويتدخل في أشد ساعات الصفاء والهدوء الممكنة.

موت يسكن بهدوء، يخرج بهدوء ، يمشي مع أوراق الشاعر، يسايره، يحاكيه، يسهر معه/ معهم/ معها، وحيث الشاعر ( الأنا) مغيّبٌ صوته:

” الفراشات لم تعد تدخل هنا

في هذا البيت المترع بالضغينة

والذي يتبادل فيه الأفراد كؤوس السمّ

دون أن يقدم أحد على تجرعه قبل الآخر ” ص 125

ويوشك الحزن شاسعا، حين يتأخر أصدقاء السهرة الذين يأتون ” ومن معاطفهم تتدلى أوطان تتأرجح مثل سلال فارغة ” ولكن الشاعر يصر على انتظارهم واستحضارهم في هذه الكلمات التي تلملم ذبول الأوراق عن أكمامهم ومعاطفهم، هذا عندما يحدث ويأتون، ولكنهم غالبا لا يأتون، كليا أو طفيفا:

” الحجرة التي تغص بالفكاهة حينا، وتعج بالتأمل حينا

السهرة التي تضم أصدقاء جاءوا من بعيد

وعلى أكمامهم أوراق شجر ميتة

جاءوا بلا ظلل ولا يقين “  ص 44

وأعتقد انهم حين يذهبون، لا يرافقهم حتى الخريف، بل لسعات الموت المقيم خطوة خطوة. لذلك تذهب وداعتهم أحيانا، ولا يجيدون التفرس في الوجوه العابرة ولا في الأوقات العابرة فيصبحون كما هذا الشخص المحتدّ:

” الكائن الوديع

لا يتفرس، اليوم ، في المارة بنظرة وديعة

فمنذ البارحة يظن نفسه مطرقة الله ”   ص 45

تتعدد المقامات الآيلة إلى موت، تسافر بين لقطات القصيدة الطويلة، في ثياب امرأة عجور، أو رجل عجوز ، أو طفل رث الثياب، في خريف الشجر، في وجه ” الموت الجالس على تلة” في بكاء الريح على النوافذ، في حكاياها للرمل والموج، في الزبد، في الملح، في الحجرات الفارهة أو المنغلقة، في انتظارات سيدة تنزوي، في انتظارات رجل الحانة، في الحقول /الأجنحة /الفراشات /الأحلام /النوارس/ والحب الذي كان وتلاشى بين أصابع زوجين يمشيان بعزلة.

كما للبحر، وبحارته ومراكبه وأشرعته وأصدافه وقواقعه حضور وحصة في الموت، بين قصائد الشاعر ؛ الموت الثري المكتوب بهدوء روح تشربت نصيبها من تجربة الحياة ولوعة الكتابة من أجل الحياة، متعلقة بحلم وضوء :

” لم تكن الجريمة قد وقعت

حين أزاحت الضحية خصلة شعرها

وبان وجهها الآسر تحت ضوء القمر

ثم همست في وداعة:

أضئني أيها الحلم    ص 133

تكثر صيغ الغائب في هذه المجموعة، وسأفترضه صديقي الذي يموت في حزنه والليالي، قلقا من موت طارئ. قلتُ له، أهديكَ أيقونة من ريتسوس:

” هل عشت القبلة والقصيدة ؟ / أذن لن يأخذ منكَ الموت شيئا! ”

نعم أنه عاش، لكنه ما يزال في خاطره أن يزيح موتا عن تلك المرأة التي كتبها أمين صالح لإنها:

” غسلتْ بالمطر شعرها

ضمختْ بالورد سريرها

رشّت بالعطر جسدها

ثم اشعلتْ شمعتين وجلست قرب النافذة… تنتظر ”   ص 72

( هنا كان بامكان الشاعر أن يحذف كلمة تنتظر، لان النافذة غياب والغياب قرين موت وانتظار.. )

وأما صديقي الذي يعشق الحياة ويبعثر كل حدائق العالم حية ومعطرة فوق نافذتي وربما أنا هي التي:

” نظرتْ إليه وهو يغيب ثم ارختْ حزنها

حتى أنها لم ترفع يدها مودعة

حتى أنها لم تكلم عطرها

ومثل أي عاشقة جرحها الغدر وحطم قلبها الهجر

تنتحل هذيان الفراغ وتنسل عبر بوابه من ثلج “    ص 41

وأراه صديقي/ هو / الغائب/  الذي لم يعطه الشاعر في القصيدة، أسما أو مكانا أو تاريخا وجغرافيا، لأنها كتابة تجريدية غالبا، فأراه يترك الآخر في القصيدة، يصارع ويحيك دربا للخلاص ويهذي في معمعة الحرب التي لا يعرف عنها شيئا وقد أخذتْ منه كل ّ شيء، أراه طفلا هناك حيث:

” أحجار تتطاير

رصاص يبعثر القرى

والطفل الخائف يركض صوب الله

من رآه، قال بعينين دامعتين:

خفيفا كان يطفو بين ذراعي الريح “  الورقة الاخيرة  ص 132

يستطيع القارئ( ة ) أن يضع في مكان الغائب الذي يكتبه صالح أمين-  مبتعدا عن أناه  بشكل حازم-  إسما أو صورة أو حدثا مشابها يحاكي، يماثل، يتناص مع الحدث، فنجد  كيفيا أن اشتغال الشاعر واختفاءه وراء السارد، أعطانا دور المتلقي(ة) الذي يشارك في التأويل، وهو الذي يغرقنا  مجازا صوريا، يعتريه شحوب في تعدد الوجوه: المسخ / الغابر / الدخان / السكائر …في قطرات ندى أحيانا، ودوما تتكسر المرايا وتختفي وتتشظى وكذا العيون التي لا تندمل من شدة الانتظار والحلم، وكذا تعصف بالأوراق  فصول ورياح وخرابات…

لعل حضور المتناقضات في صور القصيدة، هو الذي اقترح علي قراءة موازية، فأدخلتُ صورتي – الافتراضية وافتراضاتي، كانزياح وتقاطع في الموت الذي لم يكن موتا طفيفا، البتة!

في الموت غياب، وفي الغياب موت، وهذا يتعالق ويتشابك مع لغة النص.

لغة الشاعر هنا يعتمل فيها التجريد وتوثيق الصورة الفوتوغرافية، بعين ثاقبة تمسك  بتفاصيل اليومي والمعاش تزيحه نحو ماوراء واقعي أحيانا، تكتبه وتنقله إلى مستوى دلالي جمالي وإبداعي.

وربما أجاد الشاعر هذا لارتابطه بعالم الصورة والسينما، فجاءت اللقطات بصرية ولكنها مبلورة الروح، كقطرة جرح وزهر وقلق، ولا تقبل أكثر من ثقل معين.

لكأن الناقد كمال أبو ديب كان يقصد شيئا من هذا القبيل حين قال في جمالياته:

” ان لغة الغياب تصل أقصى مستوياتها، وأكثرها صفاء في نتاج شعري يتسم بدرجة عالية من التجريد والتركيز على التشكيل في فضاءات تتحكم بها علاقات التجاور ” ص 307

اذن ليست الوحدة العربية، ولا ” جماليات الوحدة ” متحققة في هذه النصوص، بل إنها واقع متشظ يكثر موته ويقيم في كل ركن وقلب وحفيف شجرة، ويظهره الشاعر بآليات معتمة، حادة وموجعة ومرهفة وكئيبة وظليلة وشفيفة وبلا أفق منجز، لذلك ربما يختتمها بالريح التي تكتنف الطفل في ختام المجموعة.

إن مثل هذه النصوص التي تحمل ( هموما شخصية – فردية ) باتت تشكل النسق الجديد من الكتابة الحداثية العربية بعد عقود من موت، ومن موت شخصي فردي قائم بذاته ومتشابك بكل ما يحيط من موت متعدد الطبقات والسبل.

هذا لأن الشعر في عمومه، والشاعر/ة، حبيس حلم إنساني وجمال ورغبات لا تحد وبانتظار فجر ومدينة لها قلب، و ليس على هذه الشاكلة:

” فجرا، عندما يخرج عمال البلدية ليكنسوا آثام سهرات باذخة،

يطرق الشحاذ الأعرج، بساقه الخشبية  قلب المدينة المتحجر”  ص 100

**

أعتقد، أن ثمة تقاطعا ومحاكاة وتناصا بين قصيدة أمين صالح في مجموعته هذه ” موت طفيف” ونصوص الشاعر الاغريقي يانيس رتسوس، وأجدني أقول ذلك إذ يحضر عند الشاعرين كثافة صور الموت والغياب و مفردات لغة اليومي والوهلة المدهشة والصادمة أحيانا، وأجد تقاطعا حارا مع المرأة العجوز والرجل العجوز والمعطف المتسخ والبحارة والبحر والمرايا والقواقع والأشجار المقطوعة والملوحة..

وهنا بعض من ريتسوس في الثلاثيات كتبها عام 1981 والتي كانت قصائد ومضة مرقّمة:

” عاد جنود الأمس / وشيئا فشيئا ماتت الكلمات / وعلى المائدة بيضة واحدة ”

” سقطت أورق الحور الذابلة / على عربات القطار القديمة / جاء الشتاء على نهايته”

” فيما كنت ذاهبا اليوم لشراء سجائر / رأيتني ونورسا في مرآة المصعد / عرفتُ كلاهما”

“نهضت المرأة العجوز / لتمدد ساقيها / جلست الدجاجة على كرسيها الدافئ / وضعت بيضة وهي تقوقئ ” ( 3)

كما وتحافظ مجموعة ” موت طفيف” على صورها وعالمها الخاص والمنساب بحيوية وتصادم وحركية تتطلب من القارئ متابعة مرهفة ودقيقة لظلال الكلمات وما تطويه بين ثناياها.

وبعيدا عن كل موت سيسقط المطر، ووحده الشعر سيسير بلا مظلة تحت سماء العالم

والشاعر سيواظب حديثه مع الأوراق في وحشة، وبلغة ليست ” كجلمود صخر حطه السيل من علِ”، وسيسافر بمفردات يكتنفها شجن وحنان وحلم، وحين يجلس:

” يجلس مع معطف قديم ورغيف ليّن /

ليكتب قصيدته ” .

هوامش ومراجع:

(1)  : الصيف الأخير لجمال حيدر / قراءة في أعمال ريتسوس.   

(2) : جماليات التجاور للناقد الشاعر السوري كمال أبو ديب.

(3) : نصوص ريتسوس / الصيف الحار .

نشر المقال في مجلة ( البحرين الثقافية) مارس 2004.