جائزة خالد خليفة

في كلِّ مرّةٍ كنتُ ألتقي فيها الصديقَ الراحلَ الروائيَّ خالد خليفة (1964–2023)، وحين ينقضي اللقاءُ، يطرقُ رأسي الهاجسُ ذاتُه: خالدٌ يشبهُ نفسَه تمامًا؛ في عيشِه وسلوكِه وأحاديثِه ورواياتِه وأحلامِه، وفي ضحكِه ولباسِه وتسريحةِ شعرِه ولحيتِه، وفي عشقِه لكلِّ لحظةٍ من الحياةِ. كنّا نلتقي على فتراتٍ متباعدةٍ، لكنْ ما إنْ نتصافحَ ونتعانقَ حتى تنفتحَ الأحاديثُ الروحيّةُ بيننا، وكأنّنا لم نفترقْ إلّا بالأمسِ. لذا، حين بلغني نبأُ وفاتِه، كان أوّلُ ما تبادرَ إلى ذهني: لا رادَّ لقضاءِ اللهِ، وقلتُ لنفسي: عاش خالدٌ دنياه على طريقتِه الخاصّةِ، كأنّه يمتصُّ كلَّ قطرةٍ من يومِه.
خفيفًا جاء، وخفيفًا رحل. غير أنَّ أصدقاءَه الخُلَّصَ انتبهوا لذلك، فأصرّوا على ألّا يرحلَ حقًّا، وأنْ يبقى حاضرًا بشكلٍ أدبيٍّ يليقُ بروائيٍّ عربيٍّ مهمٍّ. وهكذا وُلدتْ «جائزةُ خالد خليفة للرواية» عام 2024. وأنا أردّدُ دائمًا: الجائزةُ مشروعُ خيرٍ للجميع؛ لصاحبِها ومؤسِّسِها، وللجنسِ الأدبيِّ الذي تشتغلُ عليه، وللكاتبِ والمترجمِ وجمهورِ القراءةِ، وأخيرًا للثقافةِ بمفهومِها الأشملِ والأعمِّ.

وُلدتِ الجائزةُ لتكونَ أوّلَ جائزةٍ سوريّةٍ مفتوحةٍ لجميعِ المشاركاتِ العربيّةِ، وجاءتْ بعيدةً تمامًا عن أيِّ دعمٍ أو تدخّلٍ حكوميٍّ. إنّها مبادرةُ أصدقاءَ خُلَّصٍ لخالد، عشقوا الفنَّ وآمنوا به رسالةً إنسانيّةً باقيةً بين البشر. جائزةٌ تحتفي «بفنِّ الرواية، الذي عشقَه وأبدعَ فيه الروائيُّ خالد خليفة، وهي موجَّهةٌ للروائيّين الذين يصدرون عملَهم الروائيَّ الأوّل، وتهدفُ إلى تكريمِ ودعمِ الروائيّين الذين يجسّدون روحَ الابتكارِ وحرّيّةَ التعبيرِ والعمقَ الثقافيَّ».

إنَّ وطنَنا العربيَّ الكبيرَ، المقطَّعَ والبائسَ، يعجُّ، بالرغمِ من ظروفِه القاهرةِ، وبالرغمِ من الاقتتالِ الشرسِ بين أبناءِ البلدِ الواحدِ، بكتّابٍ شبابٍ، فتياتٍ وشبّانٍ، يملكون من الموهبةِ ومن الحلمِ ما يستحقُّ بجدارةٍ الالتفاتَ إليه واحتضانَه، وليس أنفعَ لذلك من جائزةٍ أدبيّةٍ يحملُ عنوانُها اسمَ روائيٍّ عربيٍّ مبدعٍ. فتأسيسَ جائزةٍ أدبيّةٍ في الوطنِ العربيِّ أشبهُ ما يكونُ بـ«الفنار»، منارةِ بحرٍ تأخذُ بيدِ البحّارةِ في ظلمةِ الليل.

الواقع الثقافي العالمي، صارَ ينظرُ إلى الجائزةِ في سيرةِ أيِّ كاتبٍ بوصفِها الملمحَ الأهمَّ الذي يشيرُ إلى إبداعِه. وبالتالي، فإنَّ إطلاقَ جائزةٍ للرواية العربيّةِ باسمِ أحدِ أبنائِها يمثّلُ إضافةً مهمّةً لمشهدِ الجوائزِ العربيّةِ، خاصّةً بما عُرفتْ به الجائزةُ منذ لحظةِ ميلادِها من حِرَفيّةٍ عاليةٍ في التعاملِ، وشفافيّةٍ ونزاهةٍ. وبالرغمِ من أنّها تقدّمُ للفائزِ مبلغًا لا يتجاوزُ ألفَ دولارٍ، فان واحدة من أعظم جوائز فرنسا «الغونكور-Le Prix Goncourt» التي تأسست عام 1903، تقدم للفائز فيها 10 يوروهات رمزية فقط، لكنّها تؤمّنُ له مبيعاتٍ هائلةً لعملِه، وتمنحُه شهرةً تنطلقُ به نحو العالميّةِ، وربّما الخلود.

أُقيمتِ الدورةُ الأولى من الجائزةِ في المكتبةِ الوطنيّةِ بدمشقَ بتاريخ 30 سبتمبر 2025، وفازتْ بها الروائيّةُ السوريّةُ مناهل السهوي عن روايتِها «أنثى فرس النبيّ». أمّا الدورةُ الثانيةُ (2026) فقد فازتْ بها رواية «المنصرمون» للروائيِّ التونسيِّ عماد علي قيده، وأُقيمتِ الاحتفاليّةُ في مدينةِ اللاذقيّةِ السوريّةِ التي عشقَها خالد خليفة.

أصدقاءُ خُلَّصٌ، من بينِهم: حسين درويش، وسيّد محمود، وبولص حلّاق، وخالد منصور، وفادي عسّاف، ولينا سنجاب، وآخرون، هم من أسّسوا جائزةَ خالد خليفة للرواية. وهل أجملُ من إبقاءِ اسمِ أديبٍ حاضرًا، متجدِّدًا، ومقترنًا بالإبداعِ والشبابِ والإنسانِ؟ فهذا وحده ما يجعل الأدبُ يكسبُ معركتَه الأخيرةَ مع الغياب.

جريدة القبس