علي عبدالله خليفة إغلاق نافذة الصدر

أخي علي، ها أنا أُناديك كما عشتُ عمرًا أُناديك.
وكما عوّدتني، بتلك الابتسامة الذائبة، أن تُصغي بكل جوارحك، ها أنا أهمس لكَ الآن، وأنتَ تسمعني كما لم تسمعني من قبل:

«من قال إن الموتَ يمسّ الموتى وحدهم، ويقسو عليهم؟»

الموت، وأنت تعلم هذا أكثر مني، منذ أن خلق الله الأرضَ ومن عليها، كان يبطش بالأحياء أولاً، خالطًا الرصاصَ بأنفاسهم، وزارعًا الفراغَ الموجع في صدورهم.

أخي علي، أنت نخلة البحرين العالية، أنت شاعرها، وأنت واسطة عقد أدبائها، أنت ابن تلك الجزيرة الصغيرة التي طالما أنجبت أصواتًا أكبر من مساحتها، وأعمق من بحرها.

هل تعلم أن «ويكيبيديا» أسرعت، قبل أن يستخرج أهلك الكرام شهادة وفاتك، أسرعت كسبقٍ صحافي بارد، لتكتب أمام اسمك وصورتك: (1944 – 2026)؟

نعم، أخي علي، وسائل التواصل الاجتماعي تهتم كثيرًا بأخبارنا، وتهتم أكثر وأكثر بخبر موتنا. يتناقل الجميع النبأ، وتُنشر صورك، وتُدبَّج التعليقات والمراثي في مدحك. لهذا، كتبتُ منذ مدة مقولةً ضحكنا منها أنا وأنت معًا، في آخر اجتماع لـ«منتدى الجوائز العربية»، حين أسررتَ إليّ على طريقتك الخجولة الجميلة: «قولُك قاسٍ».

سألتُك: «أيّ قول؟»

تلاقت نظراتنا، فأكملتَ في صوتٍ أخفض: «حين خاطبتَ الأديب العربي قائلاً: مُتْ لتعرف قيمتك».

صمتُّ لحظةً أنظر إليك، ثم خاطبتُك متحسّرًا:

«مُتْ لتعرف قيمتك، ومُتْ لتحظى بمدحٍ لم تحلم به، ومُتْ ليكتب عنك الأعداء قبل الأصدقاء، ومُتْ أخيرا، لتبقى حيًّا».

أخي علي، ها أنا أُناديك كما عشتُ عمرًا أُناديك.

أعرفك بنبل أخلاقك وعمق هدوئك، وأعرفك مختلفًا عن كثيرٍ من البشر الذين يجدون متعةً في مسّ الآخر في غيابه، والنيل من سمعته حين لا يرى ولا يسمع. أنتَ كُنتَ نبيلًا وصامتًا في الغالب، وإن تكلّمتَ فلن يخرج منك إلا الأطيب والأصدق، ولعلّ هذا بالذات هو ما أهّلك لأن تكون رئيسًا للمنظمة الدولية للفن الشعبي؛ فقد أمضيتَ عمرك كلّه صوتًا للشعب، صوتًا للفقراء، صوتًا لمن لا صوت لهم. وكما هو عنوان ديوانك: «لا يتشابه الشجر»، فأنت لا تشبه إلا نفسك، تقول في قصيدتك «أنين الصواري»:

«ويحهم قد أبحروا، ويح الشجون

ويح ما يجتاح أعماقي ويطغى في جنون

ويح أيامٍ تغذّتْ من عذاب

ثم هدّت جسمي العاجز والبادي الغضون».

أخي علي، ها أنا أُناديك كما عشتُ عمرًا أُناديك.

من قال إنك كتبَت عن نفسك وحدك؟ لقد كتبتَ شعرك عنكَ وعنّي وعن أولئك الذين لا صوت لهم في هذا العالم الصاخب، وكلّنا، خلفك، رددنا بصوتٍ يكاد يكون بكاءً مكتومًا: «ويح أيامٍ تغذّتْ من عذاب».

نعم، يا أخي، أيامنا مرّت وتمرّ وهي تتغذّى على عذاباتنا، جيلٌ عربي وُلد بأحلام بارتفاع السماء، في جميع أقطار الوطن العربي، وانتهى به المطاف بلا حلمٍ يؤنسه، وهذا هو المأزق الإنساني الحقيقي الذي لا يشبهه أي مأزق. حين يخلو صدرك من حلمٍ واحد، تنغلق نافذةٌ صغيرة في أعماقك كانت تستقبل الفرح، وتهزّك حتى تتفجّر دموع عينيك. حين تُغلق هذه النافذة، لن يعود أيّ خبرٍ مهمٍّ، لأنه سيصطدم بزجاجها المعتم، وينكسر عند حائط نظرتك الخاوية.

أخي علي، نحن جيل الشعارات العملاقة، ولسنا وحدنا في هذا؛ فكلّ جيلٍ في كل أرضٍ آمن بشيء ثم رأى إيمانه يتفتّت أمام عينيه، لكن ما كان خاصًّا بنا، نحن أبناء الوطن العربي تحديدًا، أن الشعارات كانت بحجم الأمة كلها، وحين سقطت، سقطت على الجميع دفعةً واحدة:

وطنٌ عربي من المحيط إلى الخليج، أمةٌ عربية واحدة ذات رسالة خالدة، الشيوعية والقومية والبعثية، ثم الحركات الإسلامية… مساكين نحن، صدّقنا الشعارات، وعشنا تمزّقها واحدًا واحدًا. وكلما تمزّق شعار، كان يمزّق معه شيئًا في قلوبنا، حتى تفحّمت تلك القلوب، وصرنا نعيش اليومَ الواحد متضرّعين إلى الله أن يمرّ

بلا مزيدٍ من التمزّق.

أخي علي، لا أريد أن أُثقل عليك وقد منَّ الله سبحانه وتعالى عليك بهدأة النفس الأخيرة وسكينتها، أنت الآن في ذلك السلام الأبدي العميق، الذي ينتظر كلَّ واحدٍ منّا في نهاية المطاف.

هناك فقط، في سعة ما بعد الرحيل، تلتحق الأرواح بخالقها، وتتحلّل الأجساد لتعود ترابًا كما جاءت.

أما الكلمة المبدعة، فهي وحدها التي أبَت أن تتعلّم معنى الموت.

جريدة القبس