ساهمت في إحياء الحركة القصصية العربية وبات الكتاب ينتظرونها
بعد مبادرة فريدة أطلقها المجلس الأعلى للثقافة داخل القاهرة في عام 2009 تحت عنوان “ملتقى القاهرة الدولي للقصة القصيرة العربية”، وفاز في تلك الدورة الوحيدة القاص الكبير زكريا تامر، جاء الأديب طالب الرفاعي برؤية مدروسة وأصيلة ليعلن، برعاية الجامعة الأميركية في الكويت، عن جائزة “الملتقى” بوصفه مؤسسها ورئيساً لمجلس أمنائها، الذي ضم نخبة من النقاد والأدباء والصحافيين. وهكذا ظهر الإعلان عن الدورة الأولى، وانتشرت أخبار القائمتين الطويلة والقصيرة، ثم أعلن عن الفائز بالدورة الأولى. ثم تابعنا الحركة النقدية حول النصوص وحول الجائزة، التي بثت الحماسة في نقاد الأدب الحديث ليلتفتوا إلى القصة من جديد، وفي الناشرين والموزعين والإعلاميين. وكان الملاحظ على الحراك الثقافي والنقدي المصاحب للجائزة حالة من الاستقبال والتحدي، وكأننا نكتشف من جديد هذا النوع العظيم من السرد، النوع الذي يختبر شجاعة الكاتب وموهبته.
وفضلاً على حماسة من نسميهم “رهبان” القصة القصيرة، حاول عدد من الروائيين كتابة القصة، ونشروا مجموعات قصصية للمرة الأولى، واضعين أقدامهم في هذا السباق، وكذلك فعل صيادو الجوائز بعامة. ولابد هنا من الإشارة إلى حركة ترجمة القصة القصيرة للنصوص الفائزة، إذ التفتت إليها دور النشر العالمية، والدوريات الأجنبية. ولعل هذا لم يكن ليحدث لولا جائزة الملتقى، إذ كان الالتفات إلى الرواية يستنفد الجهود والموارد.
على المستوى الشخصي، لي تجربتي مع جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية، بوصفي قد حصلت عليها في الدورة الثانية عن مجموعتي “سرير بنت الملك”، وقد أعلنت الجائزة التي كانت برعاية الجامعة الأميركية داخل الكويت عام 2017 في احتفالية ثقافية على مدى أيام ثلاثة. وتضمنت ندوات نقدية حول فن القصة القصيرة، والتجارب الجديدة فيه. ترجمت المجموعة إلى الإنجليزية والإيطالية، وترجم بعض قصصها إلى الفرنسية، وتدرس قصصها في منهج كولن البريطاني، وقد وصلت ترجمتها الإنجليزية التي أنجزتها سواد حسين، ونشرتها جامعة تكساس إلى القائمة القصيرة لجائزة بانيبال- سيف غباش للأدب المترجم للعام 2021. ولعل ذلك كله حدث بسبب ترقب المترجمين، والمهتمين بالأدب العربي عبر العالم بالجائزة.
وأشير أيضاً إلى أنني حللت رئيسة لجنة تحكيم الدورة السادسة للجائزة للعام 2024، التي فاز فيها القاص المصري سمير الفيل عن مجموعته “دمى حزينة”، ورعتها جامعة الشرق الأوسط الأميركية في الكويت.
“الكويت والقصة القصيرة”
صادفت الدورة الثامنة للجائزة إعلان الكويت عاصمة للثقافة العربية 2025، وافتتح البرنامج الثقافي للجائزة بندوة “الكويت والقصة القصيرة”، وقد فاز بهذه الدورة القاص العماني محمود الرحبي عن مجموعته “لا بار في شيكاغو”. قدمت جائزة الملتقى تجارب جديدة، وكرمت تجارب حاضرة في المشهد الثقافي، وفاز فيها تباعاً مازن معروف (نكات للمسلحين) وشهلا العجيلي (سرير بنت الملك)، وضياء الجبيلي (لا طواحين هواء في البصرة)، وشيخة الحليوي (الطلبية 345c)، وأنيس الرافعي (سيرك الحيوانات المتوهمة)، وسمير الفيل (دمى حزينة)، ونجمة إدريس (كنفاه). أطلقت الجائزة في ديسمبر 2015 عن صالون الملتقى الثقافي، وضمت لجان تحكيمها شخصيات أكاديمية ونقدية متميزة، وعرفت بنزاهتها، وجدارة كتاب قوائمها وفائزيها.
الجائزة تسير بثقة، وبصوت عالٍ، ولكن بلا ضوضاء أو ادعاء، وتعد الندوات النقدية، التي تقام أيام احتفالاتها، حول فن القصة القصيرة، وإمكاناته، وعلاقته بالتراث، والحداثة، والفنون الأخرى، مرجعاً أكاديمياً مهماً للدارسين والنقاد. ولابد من القول إن هذه الحالة الثقافية الغنية التي أحدثتها جائزة الملتقى قامت بجهد طالب الرفاعي ومجموعة من الأصدقاء الذين آمنوا بالكتابة ودورها في التنمية الثقافية، وبالاستمرارية. ولا شك في أن الكويت هي فضاء ثقافي أصيل، وهي بلاد الحكايات، بلاد البر والبحر حيث الرحلة، واللؤلؤ، والشغف، وقد انتظرنا مع الناس في الأزقة وعلى الشواطئ عودة البحارة، والغواصين، والتجار لنسمع منهم أعجب الحكايات وأطيب الأحاديث.
وفي حقبة الحداثة وصلنا القص الجديد عبر كتابها، وقد حملته إلينا أصوات فاضل خلف، وإسماعيل فهد إسماعيل، وليلى العثمان، وطالب الرفاعي وبثينة العيسى، وتعرفنا إلى مبدعي العالم وفنانيه ومفكريه، وجغرافيته على صفحات مجلة “العربي” التي لا أجد أكثر منها استحقاقاً لصفة “العريقة”، والتي هندسها أعلام كويتيون وهم محمد غانم الرميحي، وسليمان العسكري، والآن إبراهيم المليفي. أما “المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب “فله أيادٍ بيضاء في تعريفنا بالقص العالمي، والدراما، والفن، عبر مشاريعه في الترجمة والنشر.
ينتظر القاصون والنقاد والإعلاميون العرب إعلان الدورة الجديدة لجائزة “الملتقى”، لأن الأهم من المبادرة والإنجاز هو الحفاظ عليه، واستمراريته، وجعله تقليداً. فهذا ما يبقى من البنى الثقافية الاجتماعية، وأن تكون لديك جائزة استمرت لثماني دورات من غير أن تتراجع، فذلك منجز كبير، تجب حمايته من البتر، وتجب متابعته، واستثماره أفضل بكثير من البدء من الصفر، ولعل هذا واحد من أسس نجاح أي استثمار.
الجائزة ستجد طريقها، وستجد من يهتم بها، كتاب القصة في حاجة إلى جائزة “الملتقى” للقصة القصيرة العربية، وينتظرون فتح باب الترشيح لدورة 2027.
www.independentarabia.com







