قراءة مذكرات جميل الحجيلان ليست مجرد عودة إلى الماضي، بل هي درس مفتوح في كيفية التعامل مع الحاضر
قدم لي الصديق الأكاديمي الدكتور إبراهيم البعيز مشكوراً كتاب مذكرات السفير جميل الحجيلان، فبدأت بقراءة بعض فصوله على سبيل الاطلاع. غير أن الصفحات الأولى قادت للإبحار في هذا السفر لأكتشف أنني أمام شخصية استثنائية من الجيل الخليجي الذي شارك في بناء الدولة الحديثة، وصياغة علاقاتها الخارجية في مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ المنطقة.
شدتني مقدمة المذكرات عندما استعد للانتقال كسفير إلى باريس منقولاً من بون، فتذكر مدرس الفرنسية الذي لقن الصبية قصيدة الشاعر الفرنسي جان دو لافونتين “النملة والصرصار”، وكيف قضت النملة كل وقتها في الصيف تعمل من أجل تخزين مونة الشتاء، و قضى الصرصار وقته في الغناء، فلما حل الشتاء لم يجد ما يأكل، لجأ إلى النملة، فقالت له كنت تغني طول الوقت ولا تعمل… عليك الآن بالرقص… يردد الصغار تلك القصة، ولكن الكاتب يرمز بها إلى أن العمل والإنتاج هو الباقي، وهكذا أيضاً تبقى تجربة الحجيلان في ضفتي مذكراته.
جميل الحجيلان ليس مجرد وزير أو سفير شغل مناصب عليا، بل هو شاهد على تحولات كبرى امتدت لعقود طويلة. خدم تحت راية سبعة من ملوك المملكة العربية السعودية، وتولى مسؤوليات متنوعة في الإعلام والإدارة والديبلوماسية، قبل أن يصبح أميناً عاماً لمجلس التعاون لدول الخليج العربية. وهي مسيرة يصعب أن تجتمع في شخص واحد ما لم يكن صاحبها يتمتع بقدرة خاصة على التعلم والتكيف واكتساب الثقة. وهذه المقالة ليست إحاطة بما كتب، هي مجرد إشارة، كي يعود إليها الجيل الحالي والقادم لما فيها من دروس.
بدأت رحلته العلمية في زمن كانت فيه فرص التعليم محدودة قياساً بما هو متاح اليوم. انتقل إلى دمشق ثم إلى القاهرة طلباً للعلم، وكانت العاصمتان العربيتان آنذاك تموجان بالأفكار السياسية والثقافية الكبرى. هناك تشكل وعيه المبكر، واكتسب خبرة التعامل مع عالم عربي واسع متعدد الاتجاهات، وهو ما انعكس لاحقاً على أدائه السياسي والديبلوماسي.
ومن المشاهد التي تستوقف القارئ في سيرته أنه وجد نفسه، وهو طالب شاب، في مواجهة ضابط فرنسي خلال سنوات النفوذ الفرنسي في بلاد الشام. كان شاباً عربياً في مقتبل العمر يقف أمام سلطة استعمارية تملك القوة والنفوذ. وبعد سنوات طويلة سيجلس الرجل نفسه في باريس ممثلاً لبلاده، يناقش كبار المسؤولين الفرنسيين، ويشارك في إدارة ملفات سياسية وديبلوماسية معقدة. بين المشهدين تختصر رحلة كاملة من بناء الذات ومن بناء الدولة معاً.
ومن أبرز محطات تلك الرحلة تعيينه أول سفير سعودي لدى دولة الكويت. كانت البلد على عتبة الاستقلال وأصر المرحوم عبد الله السالم على أن يكون أول سفير هو عربي، مع أن بريطانيا قد رقت مندوبها في الكويت سير جون ريتشموند إلى درجة سفير، إلا أن عبد الله السالم لم يرد أن يسجل التاريخ أول سفير إلا أن يكون عربياً، وكان جميل الحجيلان.
وقد يبدو إجراءً إدارياً طبيعياً، لكنه في زمانه كان جزءاً من عملية تأسيس العلاقات الرسمية بين دولتين، تجمعهما روابط تاريخية واجتماعية عميقة. وقد ساهم الحجيلان في ترسيخ تلك العلاقة وفي بناء جسور الثقة والتعاون في مرحلة كانت المنطقة كلها تعيد صياغة مؤسساتها الحديثة.
وتكشف تجربته الكويتية جانباً مهماً من شخصية الجيل المؤسس في الخليج. ويسرد مواكبته للنهضة الكويتية في كل مجال، فذلك الجيل لم يكن يعمل في ظروف مستقرة ومكتملة كما هي الحال اليوم، بل كان مطالباً ببناء المؤسسات أثناء التعامل مع تحديات سياسية وأمنية متلاحقة. وكان نجاحه يعتمد على الحكمة وحسن التقدير، أكثر من اعتماده على وفرة الإمكانات.
وعندما انتقل إلى باريس سفيراً للمملكة، وجد نفسه في واحدة من أهم العواصم المؤثرة في السياسة الدولية. وهناك برزت قيمة الخبرة المتراكمة التي اكتسبها عبر سنوات طويلة من العمل العام. فالديبلوماسية في تلك المرحلة لم تكن مجرد مناسبات بروتوكولية، بل كانت إدارة يومية لمصالح الدول وتوازناتها وتحالفاتها.
وأثناء قراءة هذه السيرة تذكرت الحكمة العربية القديمة: أرسل الحكيم ولا توصِه. فالدول الناجحة لا تقاس فقط بما تملكه من موارد، بل بقدرتها على اختيار الرجال المناسبين للمواقع المناسبة.
زمن التباهي وزمن الانهيار
من أكثر الفصول إثارة للتأمل تلك التي تتناول العلاقة مع إيران في عهد الشاه. ففي مرحلة من المراحل يروي الحجيلان حديثاً دار بينه وبين الشاه، حديثاً يفيض بالثقة وربما بالزهو أيضاً. كان الشاه ينظر إلى نفسه بوصفه القوة الإقليمية الكبرى القادرة على رسم مستقبل الخليج والتأثير في مصائره.
ويكتب الحجيلان بمعنى بالغ الدلالة أن الشاه كان يتحدث وكأنه حارس لما في الخليج ومن فيه. غير أن التاريخ كثيراً ما يسخر من أوهام القوة المطلقة. فالرجل الذي بدا في تلك اللحظة واثقاً من موقعه لم يكن يعلم أن القدر يخبئ له ولحكمه نهاية دراماتيكية ستغيّر وجه إيران والمنطقة بأسرها.
هنا تتجاوز المذكرات حدود السرد الشخصي لتتحول إلى درس سياسي عميق. فالقوة التي لا تدرك حدودها قد تتحول إلى عبء على أصحابها. والثقة الزائدة قد تمنع أصحاب القرار من رؤية التحولات التي تتشكل تحت أقدامهم.
كما تكشف تلك الصفحات جانباً مهماً من الموقف السعودي تجاه الخليج العربي. فقد كانت المملكة، كما يظهر من الرواية، متمسكة بعروبة الخليج واستقلاله ورفض أي تصور يجعل دوله مجرد ساحات نفوذ لقوة إقليمية مهما بلغ حجمها. وهو موقف لم يكن قائماً على الشعارات، بل على قراءة استراتيجية طويلة المدى لمصالح المنطقة واستقرارها، وقد استمر ذلك الموقف حتى يومنا.
وعندما يقرأ المرء تلك الصفحات اليوم يصعب عليه ألا يقارن بين زمنين: زمن كانت فيه طهران تتحدث من موقع التفوق والثقة المطلقة، وزمن آخر تواجه فيه تحديات داخلية وخارجية معقدة، ومع ذلك تحلم بأحلام الشاه نفسها!
إن قراءة مذكرات جميل الحجيلان ليست مجرد عودة إلى الماضي، بل هي درس مفتوح في كيفية التعامل مع الحاضر. ففي عالم يموج بالأزمات والتقلبات، تبدو خبرات ذلك الجيل أكثر أهمية مما نظن.
ولذلك لم أكتب هذه السطور للإحاطة بكل ما ورد في هذا السفر الضخم الصادر في جزءين، فذلك يحتاج إلى مساحة أكبر بكثير. وإنما كتبتها لأقول إن هذه المذكرات تستحق القراءة المتأنية، لا لأنها تسجل حياة رجل واحد فحسب، بل لأنها تروي جانباً من تجربة جيل كامل من رجال الخليج الذين عرفوا متى يتخذون القرار، وكيف يدافعون عن أوطانهم، وكيف يبنون المؤسسات التي ما زلنا نجني ثمارها حتى اليوم.
ولعل أفضل ما يمكن أن نخرج به من هذه الصفحات هو أن التاريخ لا يصنعه الضجيج، بل يصنعه رجال يعملون بصمت، ويتركون خلفهم ما هو أبقى من المناصب والألقاب: الأثر أي ما يتركه الشخص من جميل في مجتمعه…
جريدة النهار






