بعد فورها بجائزة غريفن الشعرية الكندية الدولية وجائزة ت.س. اليوت عام 2001، آن كارسون سبق لها أن فازت بجائزة قدرها 500 ألف دولار كمنحة للعباقرة من جهة “ماك ارثر” المرموقة عام 2000 خلال خمس سنوات كدعم متواصل لمشاريعها الإبداعية. وحصولها على جائزة نوبل لهذا العام ليست إلا تتويجاً رفيعاً لمسيرة إبداعية متفردة وليس ذنبها أن القارئ العربي قلما سمع أو تذوق كتابها الصعب.
فرادة الصوت الإبداعي كما بصمات الأصابع
الصوت الخاص المتفرد الخارج عن النسق هو الخط الذي اشتغلت عليها الشاعرة والناقدة آن كارسون منذ سنوات إبداعها الأولى. الخصوصية الفنية والإبداعية مثل بصمات الأصابع التي تميز فرداً عن آخر. وليس الكاتب محصلة قراءته واطلاعه وتجاربه الحياتية، بل رؤيته وأسلوبه في طرح المعالجات الشعورية والفكرية والفلسفية مع امتلاك الجرأة لتأويل النصوص والأساطير خارج
الأنساق.
وتلك شجاعة المبدعين الاستثنائيين الذين يخربون الأساطير ويعيدون تفكيك العالم وفق معاييرهم الجمالية.
تحظى الشاعرة والمترجمة آن كارسون على تقدير كبير لدى الكتاب الكنديين. تمت استضافة كتّاب كنديين عبر التلفزيون للحديث عن رأيهم وشعورهم اتجاه هذا الفوز بنوبل فور إعلان الخبر ومنهم البروفيسور، الشاعر الكندي الأسود جورج اليوت كلارك، الذي تحدث عن سعادته بهذا الخبر لتكريم الأديبة الكندية والصوت الكندي خاصة في ظل الوضع القائم من التصادم السياسي مع الجانب الأمريكي الذي يريد النيل من كندا الآن والسيطرة عليها.
نص: أعمال الله
ضوء القمر في المطبخ علامة على الله.
ذلك النوع من الحزن الذي كأنبوب بفوهة
سوداء يشفطك من سُرّتِكَ
والذي يطلبه البوذيون
“لا غطاء على العقل” إشارة على الله
المعابر العمياء التي تمضي جنباً إلى جنب مع الحوارات الإنسانية
كالسياط، علامة على الله.
سكون الله ذاته علامة على الله
الرائحة المدهشة الباردة للبطاطا أو الأموال.
رُقعُ الصمت المُطبِق.
في هذه الإشارات المتنوعة تستطيع أن ترى
مقدار العمل الذي تبقى ليكتمل
ضع حزنك جانباً، هذه مهمة جسيمة.
هذا النص نشر عام 1995، وصدر في انطولوجيا الأدب الكندي بالإنكليزية عام 2002 وفي ضوء هذا النص عن أهمية أن تعمل بمفردك تنجز ما أنت بصدده بدلا من الانشغال بأحزانك وخرائب الوجود المحكوم بأسئلة وجودية عميقة، ارفع الغطاء عن عقلك واتبع ما يدل عليك ويترك أثراً في المحيط الذي أنت محكوم به، متأثر ومتأثر حتى وإن كنت مصاباً بأمراض الشيخوخة أو العجز أو محدودية المقدرة على العيش كما تشتهي وكما يليق بك. وهنا أتوقف تحديداً عند خطاب مسجل عبر “يوتيوب” قالتها آن كارسون عن هذه الحالة الصحية التي تعاني منها وهي باركنسون- شلل الرعاش، وعلاقة المرض بالذهن وطريقة التذكر والتركيز.
تحدثت عن انضمامها إلى برنامج التدريب على رياضة الملاكمة وإتقان بعض الحركات المتتالية التي لها تحفز عمل الدماغ وتحرضه على إنتاج قنوات وخلايا جديدة قد تقي من تفاقم هذا المرض لدى الأفراد المصابين به.
شاعرة نوبل تحدثت عن الشيخوخة وقضاياها الصغيرة والكبيرة- وكذلك فعلت القاصة الكندية اليس مونور من قبل حين تحدثت عن إشكالات الشيخوخة ومواصلة الكتابة، ومأزق الكاتب في معاملاته اليومية مع سوق النشر والإبداع. وهنا أطرح مفارقة، إذ نادراً ما أقرأ كاتبا عربياً يتحدث بشفافية عن تلك المرحلة من العمر المحفوف بالأمراض والعمليات الجراحية والإشكالات الصحية
المعقدة.
يبدو لي الشاعر العربي مفتون بفكرة أن يبقى دونجواناً رافضا فكرة المشيب وتراجع المقدرة على خلق الجديد فنياً وإبداعياً وسأعفي نفسي من ذكر الأمثلة كي لا أثير حنق بعض عشاق الشعراء الأحياء والذين رحلوا.
جريدة الصباح




