علي جواد الطاهر وأخلاق النقد

هل تكفي محبة كتاب لكي نحسن قراءته؟ وهل يصبح الانطباع نقداً بمجرد أن نكتبه بثقة؟
في زمن تفيض فيه الآراء السريعة، يعود اسم علي جواد الطاهر ليذكرنا بأن النقد ليس انفعالاً، بل مسؤولية. أن تحب كتاباً لا يعفيك من فهم كيف بُني، وأن ترفضه لا يغني عن شرح لماذا. بين القراءة والحكم مساحة من العمل، هي ما جعلت الطاهر “شيخ النقاد” في العراق.

ولد علي جواد الطاهر في الحلة – بابل عام 1919، ودرس في مدارسها ثم في دار المعلمين العالية في بغداد. أكمل دراسته في فرنسا ونال الدكتوراه من جامعة السوربون. منذ خمسينيات القرن الماضي شرع بتأسيس مشروعه الثقافي: ترجمة، وتأليفاً، وتنظيراً، وتطبيقاً.
لم يكن ناقداً منعزلاً في برجه الأكاديمي. كان مربياً في الحياة والأدب، مؤسساً وملهماً وراعياً. رأى فيه تلاميذه عالماً موسوعياً، وحين انحنى الناقد الكبير عبد الجبار عباس ليقبل يده، سحب الطاهر كفه وعيناه مغرورقتان بالدمع قائلا: “اعتنوا بعبد الجبار”. ولما توفي عباس، ألف عنه الطاهر كتاباً قيماً، في سابقة نادرة لوفاء الأستاذ لتلميذه.
تلك الأخلاق نفسها تظهر في قصة مراجعته لترجمة سيرة تشيخوف لهنري ترويا. المترجم كان شاعراً ضليعا بالفرنسية، لكنه كتب في المقدمة: “إنني مدين كثير الدين للشيخ العلامة علي جواد الطاهر، دكتوراً وإنساناٍ، فقد تتبع في مراجعته الترجمة كل كلمة وحرف في النصين”.
توفي علي جواد الطاهر في بغداد في 9 أكتوبر 1996 بعد مرض عضال، تاركاً ما ينوف على الأربعين، وهو في ذلك واحد من كبار المؤلفين العرب، شأنه شأن طه حسين والعقاد والمازني، لا من حيث العدد فقط، بل الجودة والتنوع.

ومن أبرز كتبه في التحقيق والتراث:
لامية الطغرائي، ديوان الخريمي، ديوان الطغرائي، ديوان الجواهري، ديوان الجعفري، معجم المطبوعات العربية، ملاحظات على وفيات الأعيان.
في النقد المنهجي:
منهج البحث الأدبي – وهو مرجع أجيال من الباحثين – ومقدمة في النقد الأدبي، منهج البحث في المثل السائر، الخلاصة في مذاهب الأدب الغربي، وراء الأفق الأدبي.
في النقد التطبيقي:
في القصص العراقي المعاصر، محمود أحمد السيد رائد القصة الحديثة في العراق، الشعر الحر والتراث في الريادة العراقية، عبد الجبار عباس ناقدا.

جائزة العويس
في دورتها الأولى 1988-1989، فاز الطاهر بجائزة سلطان بن علي العويس في حقل الدراسات الإنسانية والمستقبلية. وجاء في حيثيات اللجنة: “يتميز بدراساته الأدبية على المستوى الأكاديمي وهي دراسات تتصف بالحرص الشديد على الأناة في الحكم والدقة في النظر إلى الجزيئات من أجل بناء كلي متكامل”. هذا الوصف يلخص أثره الفكري. لم يكن التقدير لسعة اطلاعه فقط، بل لأخلاق قراءته.
يمكننا استخلاص ثلاث دروس من عالم علي جواد الطاهر نقدياً
أولا: يحتاج القارئ أن يسأل: كيف بني النص؟ أين يبدأ؟ كيف تتصل أجزاؤه؟ الدقة عنده ليست مطاردة هفوات، بل فهم العلاقة بين تفصيل صغير والعمل الذي ينتمي إليه.
ثانيا: في القراءة السريعة نجمع عبارات لافتة ويفوتنا منهج التفكير. الاقتباس لا يختصر التجربة؛ أثره ناتج من صفحات مهدت له.
ثالثا: جمع الطاهر بين التراث والمعاصرة دون مفاضلة مسبقة. معرفة التراث تكشف مقدار التحول في نص حديث، والاهتمام بالتجديد يعيد إلينا أسئلة لم نكن نطرحها على النصوص القديمة.
وفي وقت يتساءل فيه نقاد اليوم عن تراجع النقد أمام الإعجابات والتعليقات السريعة، يبقى سؤال الطاهر حيا: هل يتيح لنا النص النقدي رؤية شيء لم ننتبه إليه؟ وهل ينصف النص حتى حين يختلف معه؟
حياة الناقد لا تقاس بعدد المرات التي نكرر فيها اسمه فقط، بل كلما وجد قارئ في عمله ما يعينه على طرح سؤال أدق. ومن هنا تبدأ القراءة بوصفها مسؤولية: أن نمنح النص حقه في الفهم قبل أن نمنح أنفسنا حق الحكم عليه.