أعمال لفنانين وُلدوا ويعيشون في دول إفريقيا السوداء، أو ينحدرون من عائلات مهاجرة في الدول الغربية.
تحت عنوان “عندما يقرأ الفنانون الأفارقة تاريخهم”، يُقام في متحف الحرب العالمية الثانية في مدينة كان (Caen) التاريخية، في منطقة النورماندي، معرض مخصّص بأكمله للفن الإفريقي المعاصر. وكما هو معروف، عانت المدينة خلال الحرب العالمية الثانية، وكانت بوابة لتحرير فرنسا من الاحتلال الألماني. ومن هنا وُلد مشروع بناء متحف مخصّص لذاكرة هذه الحرب، شُيّد عام 1988، لتعريف الأجيال الجديدة بأهمية السلام وما تسبّبه الحروب من ويلات. ويشكّل تنظيم المتحف اليوم معرضاً جديداً مخصّصاً بأكمله للفن الإفريقي المعاصر حدثاً هو الأول من نوعه، ويعكس رؤية جديدة تولي أهمية خاصة للمرحلة الكولونيالية وآثارها السلبية في شعوب إفريقيا وآسيا.
تتوزع الأعمال الفنية المعروضة على طبقتين، وتتكوّن من لوحات زيتية وصور فوتوغرافية ومنحوتات وأفلام لفنانين وُلدوا ويعيشون في دول إفريقيا السوداء، أو ينحدرون من عائلات مهاجرة تعيش في الدول الغربية. ويجمع بين هؤلاء رفضهم للروايات الرسمية التي فرضها المستعمرون البيض على مدى سنوات طويلة، وساهمت في تبرير العبودية والظلم، ورغبتهم، من خلال الفن، في التعبير عن رؤيتهم الخاصة لتاريخهم ومعاناتهم.

يعود الفنان روميو ميفيكانين (مواليد ساحل العاج عام 1986)، في لوحاته، إلى مشاركة ما يُعرف بفرق الجنود السود في الجيوش الفرنسية، وهي ظاهرة قديمة بدأت عام 1857، وساهمت في احتلال مدغشقر، كما شاركت في الحربين العالميتين، وراح ضحيتها آلاف الأفارقة دفاعاً عن فرنسا. ولم تنتهِ هذه الظاهرة إلا في مطلع الستينات، مع نهاية الحقبة الاستعمارية. وفي رصده هذه الوقائع التاريخية، يلجأ الفنان إلى الصور الفوتوغرافية ويعيد صياغتها بأسلوبه الخاص المتين، مبيّناً الجنود السود في وضعيات مختلفة.
أما المصوّر السنغالي عمر فيكتور ديوب (مواليد داكار عام 1980)، فيحضر في المعرض من خلال مجموعة من الصور الملوّنة بأسلوب جريء ومبتكر، من بينها صورة تستعيد مجزرة معسكر “ثياروي” في السنغال عام 1944، التي أدّت إلى مقتل جنود أفارقة حاربوا إلى جانب فرنسا في الحرب العالمية الثانية. وكان من أهداف المجزرة ترسيخ فكرة أن النظام الاستعماري قادر على الاستمرار، على الرغم من التحولات الكبرى التي نتجت من الحرب العالمية. ولا نعرف اليوم العدد الفعلي للجنود القتلى، لكن المؤكد أن العملية كانت مدبّرة ومخططاً لها بدقة. وكان الجنود السود قد عبّروا عن استيائهم بسبب عدم دفع مستحقاتهم المالية، وطالبوا بأن يُعاملوا معاملة الجنود البيض، فكانت النتيجة أن أطلقت القوات الفرنسية النار عليهم.

ينقلنا المصوّر صمويل فوسسو (مواليد الكاميرون عام 1962) إلى عالم آخر بعيداً عن الحروب. نشاهد له سلسلة صور بعنوان “أرواح إفريقية”، وهي بورتريهات لشخصيات شهيرة، مثل نلسون مانديلا ومارتن لوثر كينغ وأنجيلا ديفيس، تمثّل، بحسب الفنان، قامات بارزة قاومت الهيمنة الاستعمارية في مجالات مختلفة، منها الفنون والسياسة والنضال من أجل انتزاع الحقوق التاريخية المسلوبة.
أما الملاكم الأميركي العالمي محمد علي، الحائز أرفع الجوائز، فيحضر في رسم ملوّن للفنان غودفريد دونكور (مواليد غانا عام 1964)، ويبدو فيه البطل الملاكم واقفاً بثيابه الرياضية، تحيط برأسه هالة ذهبية كهالات القديسين، على خلفية حمراء.

تبقى أخيراً جدارية الفنانة ملالا أندريا لافيدرازانا (مواليد مدغشقر عام 1971)، التي يتجاوز طولها ثمانية أمتار، وتقوم على تقنيات عديدة تمزج بين الكولاج والصور الفوتوغرافية والطوابع والعملات الورقية، مستعينة بالوثائق الخاصة والعامة، التي يعود بعضها إلى مطلع القرن العشرين. وتعيد الفنانة قراءة التاريخ الاستعماري خلال مرحلة زمنية تمتد من القرن الثامن عشر حتى القرن الحادي والعشرين، مع التركيز على أحداث معروفة، مثل مقتل الأميركي الأسود جورج فلويد عام 2020 على يد ضابط شرطة أبيض، بعدما جثا على رقبته نحو تسع دقائق، ما أدّى إلى اختناقه. وبعد وفاته، انتشرت الاحتجاجات على مقتله في الولايات المتحدة والعالم، تعبيراً عن رفض العنصرية ضد السود.

جريدة النهار




