كتاب “هجرة الشمس”.. ماذا يقول أدونيس عن الإنسان والحرب واليقين؟

دونيس

عاد الشاعر والناقد السوري أدونيس إلى المشهد الأدبي بكتاب جديد عن دار الساقي بعنوان “هجرة الشمس”، أعاد من خلاله طرح أسئلة حول مساره الأدبي والتحولات التي شهدتها رؤيته خلال مسيرة امتدت لأكثر من سبعة عقود، شملت الشعر والفكر والنقد.

فمن هو أدونيس، الحاضر في المشهد الأدبي العربي منذ خمسينيات القرن الماضي؟

أدونيس هو الاسم الأدبي لعلي أحمد سعيد إسبر، المولود عام 1930، ويُعد من أبرز رواد الحداثة الشعرية العربية، ومن الأسماء المؤسسة لتجارب شعرية حداثية أسهمت في تغيير شكل القصيدة العربية.

وتُرجمت مؤلفاته إلى عدد من اللغات، كما أسهم، من خلال دواوينه وكتاباته النقدية ومشاركته في تأسيس مجلتي “شعر” و”مواقف”، في إحداث تحولات بارزة في الثقافة العربية الحديثة.

وفي كتابه الأخير “هجرة الشمس”، يستعيد أدونيس الصوفية التي حضرت في أعمال سابقة، ويجعلها أداة وجودية للتعبير عن قلق الكينونة، فيما يتحول النص إلى فضاء للتفكير والبحث عن المعنى واستكشاف قضايا الإنسان والعالم.

“إنها الحرب، وحش يلتهم الكون”.. من بين العبارات الواردة في الكتاب، يطرح أدونيس الحرب بوصفها قضية أخلاقية وإنسانية، ويتتبع آثارها في الذاكرة واللغة وبناء القصيدة، من خلال لغة تقوم على الإيجاز والأسئلة المفتوحة.

كتاب "هجرة الشمس" لأدونيس.. إعادة النظر في الإنسان والزمن والشعر
كتاب “هجرة الشمس” لأدونيس.. إعادة النظر في الإنسان والزمن والشعر 

وعلى المستوى النقدي، يقوم “هجرة الشمس” على مسارين رئيسيين؛ الأول دلالي يتتبع فيه أدونيس ثلاثية الله والإنسان والفكرة، والثاني أسلوبي يوازن فيه بين الشجرة والمقطع، من دون التقيد بالقوافي أو التفعيلات التقليدية.

 

“هجرة الشمس” تعكس انتقال أدونيس من اليقين إلى الشك

وتقول الكاتبة والناقدة المصرية سناء عبد العزيز إن قراءة الأعمال المتأخرة للأدباء لا تنفصل عن إرثهم الإبداعي السابق، مشيرة إلى أن كتاب “هجرة الشمس” للشاعر أدونيس يُقرأ في سياق مسيرة أدبية امتدت أكثر من سبعة عقود.

وتضيف عبد العزيز، في حديث إلى برنامج “ضفاف” على شاشة “العربي 2” من القاهرة، أن أي عمل جديد لكاتب صاحب تجربة طويلة يصبح موضع مقارنة مع أعماله السابقة، موضحة أن الحكم على العمل المتأخر لا يكون بمعزل عن الإنتاج الذي سبقه، خصوصًا عندما يكون للكاتب رصيد من الأعمال التي بلغت ذروة إبداعية.

وتوضح أن “هجرة الشمس” يعكس تحولًا في رؤية أدونيس، يبدأ من طريقة تقديم الكتاب نفسها، إذ لم يصنّفه على أنه ديوان شعر، بل تركه في إطار أقرب إلى التأملات.

العودة إلى الصفحة البيضاء

وترى عبد العزيز أن الكتاب يعكس عودة أدونيس إلى بعض ملامح بداياته الشعرية، من خلال الابتعاد عن الزخرفة والاقتراب من الفطرة والطبيعة، معتبرة أن ذلك يرتبط أيضًا بالمرحلة العمرية التي يمر بها الشاعر.

وتقول إن أدونيس يعيد في الكتاب النظر في الإنسان والزمن والله وفي ذاته شاعرًا، مشيرة إلى أنه “ينزع عن الإنسان مركزيته البشرية”، بعدما تراجعت لديه فكرة السطوة والمركزية التي قد تكون حاضرة في مراحل سابقة.

وتضيف أن الشعر نفسه لم يعد بالنسبة إليه مجالًا لـ”الصولان والجولان”، بل أصبح أكثر شفافية واقترابًا من الفطرة والطبيعة.

وربطت الناقدة ذلك بمفهوم “الأسلوب المتأخر” لدى المفكر إدوارد سعيد، موضحة أن العمل المتأخر لا ينبغي أن يُقاس فقط بمعايير الأعمال السابقة، بل يمكن النظر إليه باعتباره مرحلة جديدة في تفكير الكاتب وأسئلته ورؤيته.

وتشير إلى أن “هجرة الشمس”، بدءًا من عنوانه، يعكس حالة من “انزواء الزمن”، حيث تتراجع الإجابات واليقين لتحل محلها الأسئلة والشكوك.

وتقول إن أدونيس ينتقل في هذه المرحلة من اليقين الذي حكم كتاباته في مراحل الشباب إلى حالة من التساؤل، معتبرة أن الكتابة والمخيلة أصبحتا أقرب إلى “الصفحة البيضاء”.

هل يتحول النضج إلى تكرار؟

وحول التمييز بين تطور أسلوب الكاتب في أعماله المتأخرة والوقوع في تكرار التجربة وإعادة إنتاج الذات، تقول عبد العزيز إن الأمر لا يخص الناقد وحده، لكن الكاتب نفسه قد يدرك تراجع قدرته على إحداث الدهشة لدى القارئ.

وتوضح أن القارئ الذي اعتاد أن يندهش من أعمال الكاتب السابقة ينتظر منه المستوى ذاته من الإدهاش، لكن العمل الجديد قد لا يحقق التوقعات نفسها، مشيرة إلى أن الناقد ينظر في هذه الحالة إلى قدرة الكاتب على إنتاج صور وأفكار جديدة، وإلى ما أضافه العمل الأخير إلى رصيده.

وتضيف أن السؤال الأساسي هو: هل يمثل العمل الجديد إضافة إلى تجربة الكاتب، أم أنه مجرد تكرار لها؟

وتشير إلى تجارب عدد من الأدباء، مثل نزار قباني وإرنست همنغواي، الذين اتسمت بعض أعمالهم المتأخرة بالتكرار، موضحة أن الكاتب قد يدرك ذلك لكنه يختار رغم ذلك الاستمرار في الكتابة.

في كتابه الأخير “هجرة الشمس”، يستعيد أدونيس الصوفية التي حضرت في أعمال سابقة، ويجعلها أداة وجودية للتعبير عن قلق الكينونة (الصورة: غيتي)

“الانسحاب النبيل”.. هل يتوقف الكاتب حفاظًا على إرثه؟

وفي حديثها عن قرار بعض الكتاب التوقف عن الكتابة، وصفت الكاتبة والناقدة المصرية هذا الخيار بـ”الانسحاب النبيل”، معتبرة أن الكاتب قد يختار التوقف عندما يشعر بأنه لم يعد يضيف إلى رصيده الإبداعي، بل ربما بدأ ينتقص منه.

وتقول إن الكاتب قد يواجه سؤالًا مهمًا: هل يستمر في إنتاج أعمال تعيد الصور والأفكار السابقة، أم يتوقف للحفاظ على إرثه الأدبي بالوهج الذي تركه لدى القراء؟

واستشهدت بتجارب كتاب، من بينهم يحيى حقي وفيليب روث وبهاء طاهر، مشيرة إلى أن التوقف قد يكون مرتبطًا بأسباب مختلفة، من بينها المرض أو التقدم في العمر أو تراجع القدرة الجسدية على تحمل متطلبات العمل الإبداعي.

وتؤكد أن الإبداع لا يعتمد على الخيال وحده، لكنه يرتبط أيضًا بالجسد وقدرته على تحمل الجهد والاستنزاف المصاحبين للكتابة.

وخلصت عبد العزيز إلى أن عددًا من الكتاب اختاروا هذا “الانسحاب النبيل”، مكتفين بالأعمال التي أدهشت القراء وتركت بصمة في الأدب، معتبرة أن الحفاظ على هذا الإرث قد يكون خيارًا مشروعًا بقدر الاستمرار في الكتابة.

المصدر : التلفزيون العربي