«يوميات روز» لريم الكمالي.. أرجوحة بين مكانين

في رواية «يوميات روز» الصادرة عام 2021 عن دار الآداب ببيروت، يسيطر على السرد صوت واحد، جريح ومقموع، يميل إلى البوح المباشر، محددًا بضمير المتكلم، وهي شخصية روز أروزه، كما في بعض الفقرات، تحضر في الرواية بمختلف الأعمار، لذلك سار السرد سيرًا متقطعًا منعطفًا على أكثر من زمن، كما أن الفضاء يتأرجح بين مكانين معلومين: إمارتي دبي والشارقة، والزمن غالبًا هو زمن الستينيات.
روز التي تختار الصمت والكتابة كرد فعل ومقاومة تُسحب قسرًا من محيطها الأول الذي ترعرعت فيه بحرية وألفة (الشارقة)، وبعد وفاة أمها يتدخل أعمامها ويأخذون وديعتهم لتعيش في بر دبي (الشندغة) إبان نشأة الدولة الحديثة، هذا المكان الواسع الشبيه بقصر مغلق، هو فضاء رواية «يوميات روز»، الذي ستنطلق منه عبر التذكر إلى أفضية أخرى وذكريات تتسلسل عبر يومياتها التي تعبر بها عبر 223 صفحة بين الإكراه والعشق الصامت وفرض الوصايات وشروط العيش في المكان الجديد، ثم النهاية القاسية بتزويجها من يكبرها بعشرات السنين تحت حجة ميراثها الذي لا يجب أن يحظى به طامع.
إذا كانت روز هي الشخصية الرئيسة، فإن ثمة أكثر من شخصية خادمة للسرد، تظهر وتختفي إما عيانًا وحركة أو بالتذكر: عم روزة، جدتها، زوجة عمها، الشاب ذو العين الواحدة، السيدة تايلور، تجار اللؤلؤ، المجنون.
وهذه اليوميات التي تتمرأى أمامنا صفحة تلو أخرى، كأنما بعثت من العدم، حيث إن روز لم تُطلع عليها أحدًا -أي اليوميات- سوى نفسها الصامتة، وكانت تتخلص منها برميها في الخور، معرضةً للمحو والذوبان. خطاب الاستعادة الخفي هو ما سارت عليه الرواية معكوسة في انطلاقها، من النهاية المأساوية، لتضع قارئها بإزاء لعبة عليه أن يسهم في تركيبها.
البداية العكسية وفضاء الانطلاق
تبدأ الكاتبة بوحها في لحظة قد اكتملت فيها معاناتها، في قلعة زوجها الشيخ المسن، تنطلق الرواية إذن من نهاية الرحلة، من القلعة التي لم تكن سوى سجن منيف، عزلة فرضت عليها باسم الزواج والتقاليد الصارمة، كانت لحظة الوصف أشبه بتوطئة تاريخية عن الوداع، وكأنما بذلك تمهد لرحلتها من الشارقة حين كانت حرة مع أخوالها، ثم انتقالها القسري إلى بر دبي، حيث بيت أعمامها بعد أن توفيت الأم، بين سلطة الأخوال الرؤوفة وسلطة الأعمام المميتة، حيث قُضي على كل طموح لها في الحياة، وقُصَّ جناحاها ولسانها:
«في قلعة زوجي وأمام النافذة العتيقة الممتدة من الأرض إلى السقف، هب نسيم جبلي مصفى سيطر على وجهي وأنا أجلس متربعة مستسلمة، وفي حضني دفتر فارغ، وأبدأ في الوهم كعادتي في تلك المساحات الزرقاء الضائعة في المدى، أرى تموجات الماء كالسراب في خط الأفق، والشفق الأحمر في انتشار لضم السماء بالأرض، ولوهلة لاح لي جبل جيس الضخم محلقًا برؤوسه الرمادية القاحلة حتى قبع في جلفار إلى الأبد، مشتتًا ذلك المسحوق الإلهي الأحمر الذي كاد أن يلثم خد مملكة جلفار الحنون وقت الأصيل وهي ترسل السمن والجبن إلى جزيرة قيس، ليكف الغرام عن الغرام بعد أن أوشك الشفق على الدنو من جلفار ومن خليج صاف توغل في مضيق بفم شحيح، فكان الوداع».
فتاة لا تجد عزاءها إلا في الكتابة
تشكل الكتابة صلب هذه الرواية، وهي، إن صرحت الكاتبة بأنها تتخلص من كل ما تكتب، إلا أنها، وعن طريق سارد يحمل صفاتها، تستعرض مختلف تفاصيل عذاباتها المركبة، حيث بتر الطموح الذي كاد أن يضعها في ضفة أخرى من الحلم بالسفر للدراسة، كما أنها قيدت إلى قبرها العائلي بالإكراه، فما كان أمامها سوى المقاومة بالصمت والبوح معها! الصمت أمام العالم، والبوح أمام مرآة نفسها، لذلك قررت أن تصمت وتكتب لنفسها فقط، وكانت لتمزيق ما تكتب رمزية مضافة للمادة الحكائية، حيث إن الكتابة في أحد وجوهها بوح للآخر، أو تخيل قارئ مفترض لما تكتب، حيث يؤجل مثلًا موضوع النشر، أو يدفن المخطوط إلى زمن لاحق، ولكن أن تقوم بتبديد ومحو ما تكتب بالماء، ففي ذلك انتحار معنوي قاسٍ، حيث لن يكون لها وجود إلا من خلال الكتابة، وهنا حتى الكتابة يتم تبديد حبرها بالماء:
«حين يغلفني السكون كعادتي أؤلف في رأسي حكايات وقصصًا عن طبيعة وبشر، وأنسى زوجي التسعيني المتكئ على الجدار خلفي ككومة، بسيفه الفارع ولحيته الطويلة البيضاء.. وأمسك القلم لأكتب ما توهمت للتو، لكن الاحتقان يغلبني، يعصرني حتى يتوقف القلم في يدي حين أتذكر كم مزقت دفاتر ممتلئة بحكايات كل من حولي».
كتابة السيرة لم تكن ابتكارًا بعد أن انتقلت روز إلى بيت أعمامها، ولكن فعل التخلص منها جاء بعد الانتقال، تخلصت مما لديها خوفًا من اكتشاف أمر البوح، ولكن فتحت بعد ذلك صفحات جديدة خالية من الأحلام، لذلك كان المبرر لإعدام ما كتبت بوسيلة مسالمة؛ الماء.
العودة الأولى بالحياة إلى طبيعتها بين الماء والطين:
«منذ طفولتي المتأخرة، لم أجدني سوى مغامرة في انصرافي الدائم إلى يومياتي، وكأن الصفحات البيضاء براءة زائدة تناديني لأملأها هفوات، وأحشو هوامشها بالشدائد والتهم، وأحول كل قصة واقعية، وإن كانت مضيئة، إلى عبثية بأحداث ونهايات مدسوسة. أكتب سلوك من حولي كحكاية تروى مع تعمدي خدش كرومهم وهما لعلها تسيل كالسكر، وأنا أشكلهم أبطالًا في أحوالهم الغافية، ولاقتناعي بأن الزلة، لو اختالت وتمادت وتمايلت بين السطور، لما تفنن الإنسان في خلق الأحداث، ولما خضعت آداب الدنيا للعلامات المرفوعة. ومن الجيد أن أغلب أوقاتي رائقة، ففي حالاتي المطفأة أملأ حواشي يومياتي أشكالًا هندسية وورودًا، لتضج الصفحة بلا هوادة حتى تهدأ».
تعرج الساردة عن طريق أوراق روز الممحوة على مختلف المراحل في تاريخ دولة الإمارات، وتحديدًا في مدينة دبي (فضاء الرواية الأصلي)، لتعرفنا على مناطق مجهولة من التاريخ، قيض للمستعمر الغازي (الإنجليزي في الرواية) أن يستغل تجارة وثروات البلاد:
«انتهى الطريق، وما زلت أقاوم كي لا تذبل همة الأشباح في رأسي، فمهما كان المكان ساحرًا يبقى السهو مسؤولًا عن زاوية قلقة لم تؤرخ، إذ منذ ولادة الإنجليز على سواحلنا بسيرهم على شهقات اليابسة، وهم يختبرون قوة إبحارهم في سفنهم الضخمة، ويحررون شهوتهم على منازلة المسطحات المائية الضخمة، ويحررون شهوتهم على منازلة الموت فينا حتى يطوقوه بنشر أثقالهم، فينبسطون لانتزاع المسطحات المائية والجزر تباعًا، ويتخلصون كلما ضجروا من أصحابها، وما أكثر الحكايات الموروثة في هذه الزرقة التي لم يكتبها أحد».
فضاءات الذاكرة
في هذا الفضاء المتعلق بالذاكرة يبرز الوصف كمفرش كاشف لمعظم التفاصيل المتباعدة عن الحاضر والغائرة في غرف الذاكرة، سنجد هنا مجموعة من الأفضية المنزلية والطبيعية، والرواية عبرت عليها سواء من خلال المباشرة من قبل الشخصية الرئيسة أو من خلال من عاشوا تلك الفترات الماضية من الذاكرة، وقد ورد هذا الفضاء المتعلق بالماضي في الرواية بأكثر من طريقة:
1- الفضاء قبل تشكله الجديد من خلال لسان الجد:
يشرح الجد لحفيدته طبيعة حياته السابقة، ويصف أبسط تفاصيل المعيش الغائبة، قبل أن تتشكل الحياة الجديدة المعاصرة التي عاشتها الحفيدة، التي بدورها شكلت ذاكرتها الخاصة:
«كانت المنازل يومها يا ابنتي تعد بالعشرات، ومنذ أن كنا في عمر الشباب الأول ونحن نرى ذلك الحانوت قرب المسجد الكبير، في الطريق ذاتها، لخرائب يقال إنها بقايا برتغالية، وآبار عذبة الماء تشرب منها القبائل وجميع العائلات من أتباع المذهب المالكي، حتى سور ديرة قبل الاكتظاظ خلفه، والبناء بقربه، والقضاء على قطاع الطرق بعد مراقبتنا لهم من فوق برج مربع للمراقبة، وبناء برج بعد برج، ومنذ تاريخ فقد المفقودين على هذا الساحل الذهبي».
2- تشكل المكان الجديد من خلال الحفيدة/ روز بطلة الرواية:
هذا القسم من فضاء الشخصية يكون ملتبسًا بعاطفة التذكر والحنين، حيث يبدأ المكان بالتشكل:
«وجدت دمعتي منفذًا للذكرى في موطن أمي – الشارقة، وقبل أن أغفو على مخدتي قرب النافذة المانحة لكل هذا النسيم العليل، أعود بذاكرتي إلى مدرستي في 1969م، عام وفاة والدتي الأربعينية الشابة بعد أسبوعين فقط من اختباراتي الناجحة، ليتبدل مصيري في ذلك الصيف، وعوضًا عن السفر مع زميلاتي للبعثات الدراسية المقررة لعواصم عربية تحتوي جامعاتها على تخصصات مقترحة، غادرت بعد أيام العزاء «خان» الشارقة برفقة عمي إلى «حي الشندغة»، أعرق حي وأقدم مجتمع في دبي، إلى بيت العائلة الكبير الصامد والمزدحم بالزخرفة وفنون السلف، ماضية إلى مقامي الأبوي، فلا خيار لجلوس فتاة في منزل أخوالها بعد وفاة والدتها، وبيت والدها وإن كان متوفى ظل مفتوحًا لها على مصراعيه».
3- الفضاء المفارق:
في هذا الحيز من الفضاء يقف القارئ أمام صدمة عاشتها روز في المكان الجديد المقرون بالحرمان:
«أخذني عمي معه، ولم يكن مهمًا أين أعيش، ولوعتي المختنقة نشبت في حلقي بعد حرماني من بعثة الدراسة. خرجت بشعري القصير الأسود بمقص فرنسي أنيق، وقميصي الحريري الأصفر، وتنورة قصيرة ممتدة بسوادها من الخصر إلى الساقين، وحذاء مرتفع، ورأسي مرفوع بمزاج مستور ووقار ظاهر، مغادرة أرض البطن إلى أرض الظهر».
4- فضاء الوصول:
هنا تصف الساردة مكونات المكان الفاصل بين حدي الانطلاق والوصول، وبالتالي كأنما تودع زمانين، زمانًا عاشته وعشقته، وزمانًا محفوفًا بالتوجس والريبة:
«وصلنا إلى الطريق الجاف قرب الند عند أول حدود دبي، حيث كان يلتقي التجار من الإمارتين المتجاورتين للوقوف وتبادل البضائع المحملة على الحمير، والتعامل مع حركة أسعار مسموحة لما في حوزتهم. وقبل أن يداهمني السكون، أطبقت جفني أمام نافذة السيارة الزجاجية نصف المفتوحة، فتحررت الألوان من لون عيني المغمضتين، لأرى في إغماضتي ريح العافور التي تأبى أن تأتي من الاتجاهات الأربعة. كانت هابطة كعادتها من العلا كدوامة عمودية شديدة السرعة، مقتلعة الأشجار الحمقاء والمنازل الخاضعة لتلقي القبض علي، وتخرجني من سيارتي وتضعني في غبارها. وتعالينا سويًا حتى أسقطتني على الساحل أمام شجرة عائلتي الشاهقة بأغصانها الطويلة. نفضت ملابسي من هباء الغبار».
عبر الصمت والتذكر سارت أحداث رواية روز للكاتبة الإماراتية ريم الكمالي، وهي تصف حياة غاربة قديمة، من خلال صوت المرأة المقموع (أو المقطوع كما في الرواية)، لذلك اختارت الخرس الإرادي، كما اختارت أن تكتب وتمحو ما كتبت بإذابته في ماء الخور. هذا المحو كثف من الاعتمالات النفسية في الشخصية الرئيسة «روزه»، وجعل القارئ بالتالي مشاركًا في تبيان الحقيقة؛ حقيقة امرأة كأنما خلقت لتخفي حياتها عن الجميع إلا عن نفسها، وعن قارئها المفترض الذي سيظهر، وإن بعد عشرات السنين، ليجد لها مكانًا على الرغم من أن اليوميات سكعت تحت الماء وامَّحى أثرها، ولكنها لعبة الرواية التي حولت الماء إلى حبر، واللسان المقطوع إلى بوح.
جريدة عُمان