زياد الرحباني لم يأخذ سره معه

 حلول الذكرى الأولى لرحيل زياد الرحباني يبدو أشد وقعاً من يوم الرحيل، في مثل هذا اليوم قبل عام بالتمام. كأن الذكرى الأولى هي الاختبار الحقيقي لرحيل زياد الذي لا يزال بعد غيابه، مالئاً جمهوره الكبير، وكأنه لم يرحل البتة.

 

هنا لا بد من طرح سؤال: ما سر زياد الرحباني؟ لا جواب طبعاً عن مثل هذا السؤال. رحل زياد لكنه لم يأخذ هذا السر معه، كما يقال عادة، بل ترك سره هنا، كأثر لا يُمحى، ما دام حاضراً في الوجدان العام، والذائقة الجماعية، والثقافة اليومية.

 لم يدخل زياد الذاكرة العامة التي تخص الغائبين، فهو عصي عليها، لأنه دائم الحضور، ابن اللحظة الراهنة، بموسيقاه وأغانيه وحواراته المسرحية ومقولاته التي غدت بمثابة شعارات عميقة وغير مباشرة، ونكاته أو نهفاته ونقده اليومي، السياسي والمعيشي والشعبي. عندما نسمع زياد يعزف أو يغني أو يتكلم، نفقد القدرة على أن نصدق خبر رحيله قبل عام.

من يسترجع الآن مسيرة الفنان زياد الرحباني، يتبدى له بوضوح كم أن هذه المسيرة الموسيقية والمسرحية، المتعددة الميادين، كانت حافلة أو حاشدة تماماً، بين تأليف موسيقي وتلحين وكتابة أغان ونصوص إذاعية وحوارية وإبداع مسرحي شامل (نص، إخراج، تمثيل، موسيقى)، وإطلالات ومواقف. عاش زياد فناناً، فناناً فقط، وليس كإنسان عادي أو اجتماعي. لم يكوّن أسرة، سوى أسرة فرقته ورفاقه، ولا جمع مالاً ولا عرف حياة خارج المحترف الذي كان كل ما يملك. كان زياد “ناسك” الحياة الفنية، ولكن في قلب صخب الحياة، وفي صميم حركة الالتزام السياسي، وفي رحاب التحديث والتجديد الفنيين والثورة على القديم ورسم معالم المستقبل.

فنان في السادسة عشرة

استهل زياد الرحباني مسيرته الفنية باكراً وباكراً جداً، على غرار الفنانين العباقرة. لم ينتظر اكتمال سنيّ مراهقته، فأقبل في الـ16، على التلحين والتأليف، في كنف العائلة الرحبانية، عاصي ومنصور وفيروز. في الـ18 أنجز عمله المسرحي الغنائي “سهرية” ووضع لحن أغنية فيروز “سألوني الناس” التي أدهشت الجمهور الرحباني وموسيقى “آثار على الرمال” البديعة وسواهما. في الـ19 أنجز مسرحية “نزل السرور” كتابة وموسيقى وتلحيناً وتمثيلاً، وعبرها أعلن انفصاله “الفكري” أو “السياسي” عن الأسرة الرحبانية، معلناً انتماءه إلى الجيل الجديد، المشبع بروح الثورة والتمرد والاحتجاج.

وكتب ولحن في هذه المسرحية، “نشيد الثورة” الذي لا يزال من أجمل الأناشيد الثورية الراهنة. في هذه المسرحية رسم زياد لبنان في صورة فندق، مثلما رسمه لاحقاً في صورة “حانة” في مسرحية “بالنسبة لبكرا شو” (1978)، ثم في صورة “مصح عقلي” في “فيلم أميركي طويل” (1979). وفي مسرحية “شي فاشل”(1983) وضع المسرح الرحباني على طاولة التشريح وسخر مما يمكن تسميته “الأخلاقية” الرحبانية.

بعد عامين على اندلاع الحرب الأهلية ، هجر زياد ما كان يسمى المنطقة الشرقية وبلدته انطلياس ليلتحق بصفوف اليسار في المنطقة الغربية. وهذا الانتقال خلق حالاً من العداء السياسي ضده في المناطق الشرقية كلها ووصف هناك بـ”الخيانة” وراجت بضع أغان يمينية تسخر منه ومن اليسار الذي انتمى إليه.

ولكن ما إن قدم زياد مسرحية “بالنسبة لبكرا شو؟”، واخترقت شرائطها المسجلة خطوط التماس لتنتشر في كل المناطق، حتى تمت حال من المصالحة ولو “شكلياً” بينه وبين مناطق اليمين المسيحي. راجت المسرحية وأغانيها و”قفشاتها” البديعة بسرعة ومال إليها جيل الحرب ثم الأجيال التي أعقبته وصار زياد نجماً في الشرقية كما في الغربية وسائر المناطق اللبنانية.

وكان أصلاً أنجز أسطوانة بعنوان “كيرياليسون” تضم تراتيل مسيحية، ملبياً طلب الكاهن “العلماني” مارون عطالله، في رعية كنيسة مار إلياس، في أنطلياس، مسقط رأسه. هذه التراتيل ما برحت تُنشد حتى اليوم، بسبب جمالها وفرادتها الموسيقية.

اليساري المثالي

كان زياد الرحباني يسارياً مثالياً، حتى شيوعيته لم تكن أيديولوجية صرفة، فهو فنان وليس مفكراً سياسياً وبعيد كل البعد عن كواليس اللعبة السياسية والسلطوية. وغالب الظن أنه لم يكن ليألف كتب الفلسفة الماركسية التي تتطلب اختصاصاً فلسفياً، هو بعيد منه.

وخلال حياته في الوسط اليساري في بيروت الغربية، عرف اليسار اللبناني كيف يستفيد منه ومن فنه وشعبيته الكبيرة. أعطى زياد اليسار اللبناني أكثر مما أخذ منه. ومبدأ الالتزام لدى زياد لا حدود له، فهو يخاطب الإنسان، في قهره وظلمه وفقره. ولهذا اتسع جمهوره في لبنان والعالم العربي، ورافقه مرحلة تلو مرحلة.

زياد الرحباني ظاهرة لا يمكن أن تحدها مواصفات أو آراء وأحكام. فنان خارج تخوم التصنيف. يقال عنه عبقرياً من دون تردد، في الموسيقى كما في الكتابة الغنائية والمسرحية، كما في التلحين والعزف وفي الكلام المرتجل الحافل بالنهقات والنكات والسخرية النقدية… ولعل مواقفه السياسية، جعلته مثار خلاف، بين جمهور يؤيده وجمهور يرفض هذه المواقف.

لكن جميع هؤلاء لا ينكرون نزاهته السياسية ونظافة يده والقلب وإن أخذوا عليه حماسته المتهورة في أحيان وعناده الفكري وثباته في عصر دائم التقلب والاضطراب. وهؤلاء جميعاً يحبونه فناناً بعيداً من السياسة، وكانوا ينتظرون إطلالاته بحرارة وشوق، أياً تكن هذه الإطلالات. ولعل خير دليل على هذا الوفاء للرحباني الابن، كان النجاح الهائل الذي شهدته حفلاته المتنقلة بين المناطق، شرقاً وغرباً، التي اضطر إلى تمديدها ونقلها إلى مسرح كبير نزولاً عند رغبة الجمهور الذي تدفق ليشاهد زياد ويستمع إلى أعماله الموسيقية والغنائية.

والجمهور هذا لم يتأثر بانتقال الفنان من ناد يقبع في قلب المنطقة الشرقية إلى مسارح في بيروت الغربية. أضحى المكان لا دلالة له بذاته، ما دام زياد هو الذي اختاره.

انقطاعات وعودات

كان زياد، في السنوات الأخيرة، ينقطع عن جمهوره ثم يعود إليه، إلى “الساحة” الفنية التي سرعان ما تفتقده بشدة، وهي تكاد تكون أصلاً شبه خالية في مدينة تعيش حالاً من الاضطراب الأهلي الشامل. ولعل منظمي بعض الحفلات أصابوا حين أطلقوا أكثر من مرة، على الحفلات عنواناً لافتاً هو “عودة زياد”، وهي عودة بحق لهذا الفنان الكبير من عزلته، وخروج من جو الإحباط الذي لا يعرفه سوى الأشخاص الحقيقيين، الأنقياء والحالمين، الذين خيبهم الواقع المزري والحياة المعدمة، سياًسياً وثقافياً ومدنياً.

كان لا بد من أن يعود زياد بعد غيباته المتقطعة التي كان تطول في أحيان، وكان الكلام يدور حول اكتئاب أجبره على الانسحاب من المعترك الفني و”المدني”. وهذا أصلاً اكتئاب نفسي وروحي لا يصيب إلا الفنانين الأصيلين الذين يعجزون عن تهميش أنفسهم والعيش في برج عاجي، بعيداً مما يحصل من حولهم من مآس صغيرة أو كبيرة. وكان من المستهجن ألا يصاب زياد بمثل هذا الاكتئاب، هو الذي يعيش هموم الإنسان، كائناً وفرداً، والمنخرط في الحياة اليومية وفي المواطنية والالتزام وإن على طريقته الخاصة.

كان لا بد حينذاك من أن يغيب زياد ويعود، فالمدينة أو ما تبقى منها، لا يمكنها أن تقوم من دونه، من دون أمسياته الموسيقية والمسرحية وإطلالاته الفريدة ومقولاته الطريفة والساخرة، الجريئة في سخريتها واللاذعة في نقدها والعبثية في مضمونها.

بيروت مدينة ناقصة

كانت بيروت بلا زياد مدينة ناقصة كما هي اليوم بعد رحيله. هذا ما كان يشعر به جمهور زياد، محبوه وكارهوه، الذين كانوا يؤيدون مواقفه أو يعارضونه، على اختلاف انتماءاتهم السياسية والطائفية. لكن هذا الاتفاق على زياد لا يذكر بالاتفاق السابق الذي كان يحظى به الأخوان عاصي ومنصور والمطربة فيروز، وبخاصة خلال الحرب، بل هو على العكس بعيد كل البعد من “الفولكلور” اللبناني الأهلي والشعارات الوطنية المستهلكة.

من كان يعارض زياد يعارضه بحق ويسعى إلى مناقشته، ومن يؤيده إنما عن قناعة. لكن الجهتين كانتا تستميتان في متابعته فنياً وموسيقياً ومسرحياً بعد أن تضعا السياسة على حدة. ومعروف أن جمهور زياد في المنطقة الشرقية طوال أعوام الحرب كان كبيراً جداً وشديد الحماسة له على رغم الكراهية والحقد.  

كان لا بد من كسر الصمت الذي أحاط بـ”غياب” بـ”غيبات” زياد الرحباني عن “الساحة”، طوال فترة غير قصيرة. ولعل كثيرين عاشوا صمت زياد أو خيبته ولم يشاؤوا أن يفصحوا مثله، فخيبة زياد الكبيرة هي خيبتهم أيضاً، وحزنه هو حزنهم، وحال الإحباط الشامل هي حالهم، ولكن كان لا بد حينذاك من كسر صمت زياد، كان لا بد من دعوته إلى العودة، ومن “التظاهر” ولو “إلكترونياً”، ومن نشر ملصقات على جدران بيروت…”الشعب يريد زياد الرحباني”. كان تلك الأيام لا بد ألا تمر من دون زياد…

قد لا نحتاج إلى البحث عن هذا “الشعب” ولا إلى معرفة هويته، إنه هم ونحن، الشباب والأجيال السابقة، الجيل اللاحق، المثقفون والطلاب والناس العاديون، المظلومون والحالمون… كل هؤلاء هم “الشعب” الذي كان ولا يزال، يريد زياد الرحباني، الشعب الذي لا يريد أن يخون زياد ولا أن يخونه زياد بدوره.

كان زياد الرحباني آخر العنقود الرحباني الحقيقي. فنان هو سليل المدرسة الرحبانية التي انقلب عليها وأعلن ثورته البيضاء على تراثها العظيم، ولكن غير بعيد من هذا التراث. فهو لم يسع يوماً إلى إلغاء علاقته بالمدرسة الرحبانية حتى وإن افترق عنها باكراً ليبني عالمه وموسيقاه، متخلصاً من أثرها المباشر الذي يصعب التخلص منه بسهولة، ومبتعداً عن تقليد هذه المدرسة واستغلالها والاتكاء عليها واجترارها. وقد جعله الإرث الرحباني العظيم أمام تحد كبير: إما أن يغرق فيه ويقلده وإما أن يتخطاه ويؤسس عالمه الخاص. ونجح زياد الرحباني في رهانه وحقق معجزته الشخصية وأسس عالمه ولغته وموسيقاه.

ولئن استطاع في مسرحه وحوارياته الجميلة أن يقترب من هموم الناس وشجونهم فإنه في موسيقاه نجح كل النجاح في خلق هوية جديدة للموسيقى اللبنانية. ونجح أيضاً في الدمج بين الألوان الشرقية والألوان الغربية ليستخلص نسيجاً موسيقياً باهراً لم يكن مألوفاً من قبل. ومثلما كان طليعياً في موسيقاه الحديثة كان أيضاً أصيلاً كل الأصالة في ارتكازه إلى الموسيقى الشرقية والجاز وموسيقى الشعوب. وكان زياد الرحباني هو نفسه في كل ما أعطى وأبدع. زياد الظاهرة التي يصعب أن تتكرر.  
www.independentarabia.com