العزاب والأولاد  -بقلم خالد القشطيني

العزاب والأولاد -بقلم خالد القشطيني

الأطفال في أعين الآباء والأمهات زينة الحياة الدنيا. ولكننا نراهم يصبحون قذى في أعين العزاب والعازبات إلى درجة تجعلهم لا يفهمون مطلقاً ما الذي يغري الإنسان على إنجاب الأطفال.
مما يروى عن برنارد شو، وكان من دون أولاد، أنه زار صديقاً كان له عدد كبير من الأطفال. ظل الأديب الكبير يداعبهم ويلاطفهم حتى ملّ من ضجيجهم فسأل صديقه: متى يذهب هؤلاء الأولاد إلى أهلهم؟ فقال له الصديق: «أهلهم؟ أنا أهلهم. هؤلاء الأولاد أولادي». فأغمي على برنارد شو!
لا يفوت العزاب فرصة دون أن ينكتوا على الطفولة والأبوة والأمومة. من أظرف ما كتب عن ذلك في ميدان الأدب، الكتاب الظريف للآنسة جين كولير «مقالة في فن التعذيب الذكي». وكانت جين وأختها سارة قد ظلتا عازبتين في القرن الثامن عشر. وفي كتابها هذا تعطي بعض النصائح لكل من له أولاد وضاق ذرعاً بهم، فتقول:
«لنتصور أن لك قطيعاً من الأولاد ترتب على تربيتهم وإعالتهم أن تتخلى أنت عن ترفك ومسراتك. الشيء المطلوب هو أن تقلل من عدد القطيع بالتخلص من الأولاد المزعجين والمكلفين. كيف تقوم بذلك دون أن توقع نفسك تحت طائلة القانون؟ ضربهم بالسياط وإجاعتهم بدقة وعناية قد يحقق لك غرضك. بيد أن قرار إحدى المحاكم في أمر مشابه قضى بإعدام الأب المسؤول. قد يفتح الطريق الآن لحكام التحقيق بالتحري في سلوكك. ولربما يؤدي بك ذلك إلى المشنقة. وحتى إذا نجوت من ذلك فلن تنجو من لسان الناس. من الأفضل ألا تخاطر برقبتك أو بسمعتك واتبع نصيحتي في الموضوع. أطلق العنان لأولادك. دعهم يتسلقون الأشجار حتى يصلوا إلى ارتفاع يضمن انكسار رقبتهم عندما يسقطون. دعهم يأكلون أي شيء يخطر لهم على بالهم، ولا سيما أسمن أنواع اللحوم وأردأ أنواع المرق. افسح لهم المجال لينوعوا في الأكل، فتناولُ لون واحد من الطعام – كما قال أحد الأطباء، قلمّا يؤذي الإنسان. دعهم يسهرون لياليهم كما يعجبهم. أعطهم ما يريدون من المأكولات الغثيثة في أي ساعة من الليل كما يشاءون».
بمثل هذا العمل لن يستطيع أحد أن يتهمك بإجاعة أولادك عندما يحدث ويموت أحد منهم، بل بالعكس سيقولون إنك كنت محباً لهم إلى حد الإفراط ويخلدون اسمك كمثال للحنان الأبوي الذي لا يقف عند حد. وإذا شاء أي شخص قليل الأدب أن يلمح لك بأن أسلوبك في رعاية أولادك أسلوب يؤدي لا محالة إلى هلاكهم، فأجبهم بالقول إن الناس الفقراء يفسحون لأولادهم كل المجال ليأكلوا ويشربوا ما شاءوا من الأكل والشراب ولا يقيدونهم بأكل معجنات الخبز واللبن، ونحو ذلك من الأغذية التي يوصي بها الأطباء فقط. وأين تجد أصح وأقوى من الأولاد الذين تجدهم في بيوت الفقراء؟
إن من الطريف جداً ملاحظة هذه المقارنة التي عقدتها الكاتبة في ذلك الزمن بين أولاد الفقراء وأولاد الأغنياء في إنجلترا بما كان وما زال يجري في دول العالم الثالث الغارقة بالمجاعات والفقر.

جريدة الشرق الأوسط

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
Close Menu
×
×

Cart