الشاعرة آمال جنبلاط انتحرت في مقتبل شبابها – بقلم عبده وازن

28520181n

كان نهار احد، 23 أيار (مايو) 1982، عندما تلقيت بعد الظهر اتصالاً من جريدة «النهار» التي كنت أعمل فيها يفيدني بالتوجه فوراً إلى بيت الشاعر سعيد عقل في بلدة سن الفيل، حرج تابت (بيروت الشرقية) لتغطية حادثة انتحار زوجته الشاعرة امال جنبلاط. كنت والمصور من أول الإعلاميين الذين وصلوا إلى البيت ولم يكن فيه سوى عناصر من الدرك وبضع سيدات هن قريبات للشاعرة. في غرفة محاذية للصالون أقفلها الدرك مانعاً أحداً من الدخول، كانت المنتحرة ممدة على الأرض مضرجة بدمها وفق ما أخبرنا أحد الدركيين. لم تمض ساعة حتى وصل الشاعر سعيد عقل وما إن أطل حتى وقفت سيدتان وراحتا تصرخان بوجهه: أنت قتلتها. أنت قتلتها. بكى الشاعر بصوت أجش قائلاً: ما خصّني. ما خصّني. ثم دخل إلى غرفة الضيوف مع مرافقيه، وهم شعراء من مريديه. وصلت سيارة الإسعاف وتم نقل الجثة إلى أحد المستشفيات بعد معاينتها شرعياً. وبعد اتصالات مع حزب الكتائب الذي كان يهيمن عسكرياً على بيروت الشرقية حينذاك تم نقل الجثمان إلى بيروت الغربية ثم إلى بلدتها بعقلين وتسليمه إلى ذوي الشاعرة. وقيل حينذاك إن الزعيم وليد جنبلاط هو الذي اتصل بخصومه السياسيين آل الجميل لتأمين نقل الجثمان وعبوره خطوط التماس الخطرة.

لم تغب يوماً حادثة الانتحار هذه عن ذاكرتي، وكانت حافزاً لي على البحث عن شعر آمال جنبلاط وعلى التعرف إلى شخصيتها. وهي كانت فاجأت الوسط الأدبي والسياسي في اقدامها على الزواج من سعيد عقل زواجا كنسيا في 2 نيسان (أبريل) 1982 (التواريخ مأخوذة من كتاب «سعيد عقل ان حكى» للشاعر هنري زغيب -دار تاميراس) غير مبالية بالتقاليد العائلية والطائفية والاجتماعية، خصوصاً أن الشاعر يكبرها بثلاثين عاماً. وقيل إن زواجها هذا الذي كان بمثابة فضيحة عائلية، جاء رد فعل منها على موقف سلبي واجهها به أحد المراجع العائلية. لكن الفضيحة طاولت سعيد عقل الرجل السبعيني قبل أن تطاولها هي، في موافقته على الزواج من صبية لم تتجاوز الثالثة والثلاثين من عمرها، وهو عرف بتلافيه الزواج نهائياً بعدما خطب فتاة لأشهر ثم تركها، وقيل لأسباب فيزيولوجية. لم يمض خمسون يوماً على الزواج حتى انتحرت الزوجة الشابة مطلقة النار على نفسها في البيت الزوجي. وكان الخلاف بين سعيد وآمال دبّ بعيد الزواج وكان الشاعر يترك البيت لأيام ثم يعود بعد تدخل الأصدقاء المشتركين. وأذكر أنني زرت سعيد عقل في بيته الزوجي الجديد الفخم الذي اشترته الزوجة الثرية ليكون بيتهما، وكان سعيد عقل مرفها ومدللا ومكرما ترعاه اكثر من خادمة، وهذه حياة لم يعرفها سابقاً هو الذي لم يكن ثرياً، والذي لولا مرافقته وبعض مريديه لعاش شبه وحيد. ووقعت بالصدفة بعد وفاة آمال على شريط كاسيت يضم تسجيلاً لمكالمات كانت تجري بينها وبين سعيد خلال أيام افتراقهما أو انفصالهما من غير طلاق. وكان هذا الشريط الكاسيت واحداً من اشرطة عدة عمدت هي إلى تسجيلها قصدا. ومن يستمع إلى المحاورات التي دارت بينهما يدرك كم أنها كانت مظلومة وفي حال من اليأس والكآبة وهما أصلاً يسكنان معظم شعرها. كانت مكتئبة وشبه منهارة، وراحت تلومه على أفكاره التقليدية وقسوته وعلى تجاهله اياها كزوجة وعلى منعه إياها من التدخين وشرب كأس نبيذ… طبعاً لا يجوز فضح ما دار من كلام بينهما، فهو كلام خاص بين امرأة رقيقة وعذبة ورجل لا يعرف المرأة إلا مثالاً شعرياً ورخامياً. وأحد الأشرطة لا يزال محفوظاً لدى أحد مريدي سعيد عقل وقد يشكل لاحقاً مرجعاً لقراءة العلاقة بينه وبين زوجته.

انتحرت الشاعرة امال جنبلاط وانطوى اسمها ولم يذكرها أحد من ثم. وبعد بضعة أيام في 5 حزيران (يونيو) انتحر الشاعر خليل حاوي على شرفة منزله في الحمراء عشية الاجتياح الاسرائيلي فاحدث انتحاره ضجة كبيرة وكتب عنه ومدح بصفته بطلاً تراجيدياً رفض أن يعيش لحظة الذل التي مثلها اجتياح العدو الإسرائيلي لبيروت وضواحيها. في الذكرى الأربعين لرحيل آمال جنبلاط طلبت من سعيد عقل اجراء حوار معه لجريدة «النهار» حول زوجته الشاعرة والأثر الذي تركه غيابها في حياته، فرفض الكلام عنها وكانه نسيها وقال لنتحدث عن لبنان. ولعله لم يغفر لها فعل الانتحار الذي تعتبره الكنيسة المارونية خطيئة، علماً أن آمال جنبلاط تفوق زوجها رقة وشفافية ونعمة فهي كانت اشبه بملاك معذب وحزين. وسعيد لا حسبان للحزن والكآبة في حياته وشعره الذي لم يتغن إلا بالفرح. وكان ربما من حسن حظ هذه الشاعرة الرقيقة ان تغيب قبل أن تشهد الآثام والأفعال السيئة التي ارتكبها سعيد عقل ومي المر وجماعتهما في مدح الاجتياح الإسرائيلي والاحتفال به علانية.

كنت انتظر اللحظة المواتية للكتابة عن هذه الشاعرة الموهوبة التي لم يمهلها القدر أن تعيش اكثر من ثلاثة وثلاثين عاماً. تهيبت الكتابة عنها خلال حياة سعيد عقل تحاشياً لإحراجه هو الشاعر الكبير على رغم مواقفه السياسية المقيتة وخرافاته القومية اللبنانية، ثم لإحراج أسرتها أيضاً التي بدا كأنها تناستها بعد انتحارها. أما الآن وبعد مرور ستة وثلاثين عاماً على رحيلها فباتت الكتابة عنها ضروة وكذلك اكتشافها كشاعرة موهوبة جداً تكتب بالفرنسية واخراجها من العتمة التي اغرقها فيها قدرها. وتجب فعلاً إعادتها إلى موقعها في الشعر الفرنكوفوني وإعادة طبع أعمالها وكشف المخطوطات التي تركتها والتي لا تزال حتماً نائمة في الأدراج، إذا لم تكن قد ضاعت مثلما ضاعت حياة هذه الشاعرة التي بدت متميزة تماماً عن شعراء أو شاعرات جيلها.

الديوانان

لم تصدر آمال جنبلاط سوى ديوانين، الأول «نشيد ليلي» (1968) والثاني «الغياب أو الشعر- المضاد» (1974) وهما مفقودان. وخصها الرسام الكبير بول غيراغوسيان بلوحتين للغلافين. والشعر-المضاد ترجمة لما يسمى بالفرنسية «انتي- بويزي» وقد يفاجأ القارئ بهذا العنوان الذي حمله ديوان لا يضم قصائد نثراو قصائد متفلتة من اي نظام، بل قصائد موزونة ومقفاة سعت الشاعرة فيها إلى التنويع على النظام الايقاعي وتطويره موسيقياً، انطلاقاً من روح حداثية جداً ومراس لغوي وأسلوبي واضح المعالم. ويبدو الديوان الثاني تطويراً لتجربتها في الديوان الأول وأشد إمعاناً في اللعبة الشعرية والتجريب وفي افتتاح افق جديد سواء من ناحية التراكيب الشعرية واللغوية أم من ناحية العمق أو المضمون الذي غدا شديد التجذر في الذات وتجلياتها الصوفية او الرغائبية او الطبيعية. ووضعت جنبلاط مقدمة لديوانها الثاني هي بمثابة بيان قصير تعلن فيه رأيها بالشعر المعاصر وتتطرق إلى ازماته وإلى ما يسمى مجازا موته. و «موت الشعر» مقولة راجت أخيراً وتروج كثيراً الآن، وهي تعني في ما تعنيه موت ثوابت الشعر وموت تلقيه في زمن لم يعد يأبه لمثل هذا الفن الراقي. وترى جنبلاط ان الشعر لم يبق ضرورة كما كان في السابق، وهو لم يبق «موضع بحث» بل بات «يقاسي الكثير بصفته ظاهرة فريدة وجنونية» ولم يعد يهم احدا. فالجمهور إلى انحسار والنقد عرضة للشك والشعر الحقيقي لا تتلقاه الا النخية. الشعر «يداجي منغلقاً على نفسه، منقطعاً عن الجماهير» و «فضائله لا يعني إلا جماعة برجوازية مثقفة ومدعوة إلى التعالي على الشعبي». وبدت الشاعرة مدركة كل الادراك معاناة الشعر في قرن لا يبالي بالإنسان ومشاعره وأبعاده الروحية: «إنه القرن العشرون، بالتأكيد. عصر الآلة والتلوث والمناخات الموبوءة. ليمت الإنسان الفرد».

تملك الشاعرة معرفة بعالم الشعر والشعراء وتميل في آن واحد إلى النظريات الأصيلة التي يقف وراءها شعراء ونقاد كلاسيكيون من أمثال فرنسوا فيون وبوالو وسانت بوف ، وإلى النظريات الحديثة، الرمزية والمعاصرة. يحضر في شعرها بودلير مثلاً وبقوة. وكذلك يحضر بول ايلوار الذي قاربته في كتابة قصيدة مستوحاة من قصيدته الشهيرة «حرية» التي يفتتحها بجملة «اكتب اسمك…»، لكنها كتبتها موزونة وبعنوان «كسوف» وحافظت فيها على البنية التكرارية التي اعتمدها اليوار، وتقول في مستهلها: «إنني أبكيك يا حريتي». تستشهد جنبلاط ايضا بالشاعر المعاصر آلان بوسكيه والمختارات الشعرية التي أنجزها. أما بودلير الذي لم يكن سعيد عقل يعيره اهتماماً بل ينتقص من اهميته، فتخصه بقصيدة جميلة عنوانها «بورتريه لبودلير» تستخدم فيها مصطلحات بودليرية مثل: الهاوية، العدم، التجديف، الشر، السمو… وتفتتحها قائلة: «خيمياء الأزل/ هذه الروح التي تقاسي». وتتمثل جنبلاط في القصيدة موقف بودلير السلبي من فكرة ولادته هو الذي تمنى لو أمه حبلت بـ «عقدة افاع»، فتقول: «ليتني لم أولد البتة فلا أكابد/ تلك الأسحار العديمة للتأوهات/ وتلك الصباحات العمياء للشموس».

يبدو شعر آمال جنبلاط في ديوانيها متعدد المشارب والحقول، ثريا، يتراوح بين الرومنطيقية النوفاليسية (نسبة إلى الشاعر الألماني نوفاليس صاحب «اناشيد إلى الليل») والرمزية البودليرية والحداثة التي وسمت القرن العشرين، مع حفاظ على الشعر الحر، الموزون والمقفى. وبدا شعرها يضم معجماً طبيعياً وعرفانياً يجعله يقترب من الشعر الصوفي أو الفلسفي ومن احوال التجلي. لكن الحب لا يغيب عن هذا الشعر ولو حضر في ميسم كئيب أو اكتئابي في احيان كثيرة. ولا يخلو شعرها أيضاً من روح الدعابة السوداء كما فهمها السورياليون كأن تقول: «أنا عفريت الغابات/ بعينين من لازورد/ واسنان من زمرد». وتتحدث عما تسميه «حاضر الأمس» الذي تشبّهه بـ»قصر من رمل/ خرّبه موج البحر». وليس مستغرباً أن تحمل إحدى قصائدها عنواناً سوريالياً هو «قداس أسود».

في ذكرى غيابها السادسة والثلاثين التي تصادف في الثالث والعشرين من هذا الشهر (أيار) لا بد من إعادة إحياء هذه الشاعرة التي ظلمت كثيرا في حياتها وبعد وفاتها، مع أنها كانت في طليعة شعراء – وشاعرات- جيلها وسباقة إلى كتابة شعر فريد ومتميز بعيد من المظاهر الخادعة و «الصرعات» الفرنكوفونية العابرة. هذه شاعرة موهوبة جداً وشعرها يتخطى عتبة البدايات مرسخاً نفسه بروحه الإبداعية وصنعته الباهرة، وزناً ولغة وأسلوباً.

جريدة الحياة